مقال تحليلي

أثيوبيا .. التحولات الدراماتيكية على أسوار العاصمة

ترأس آبي أحمد رئيس الوزراء اجتماعا تنفيذيا الاثنين الماضي؛ داخل مقر “حزب الازدهار” الحاكم، شاركه فيه جميع أركان نظامه بما فيهم وزير الدفاع الاثيوبي “أبراهام بيلاي” الذي خرج من الاجتماع ليصرح لوسائل الإعلام بأن اعتبارا من الغد الثلاثاء، ستبدأ جميع القوات العسكرية والأمنية في اتخاذ اجراءات وتكتيكات خاصة من أجل مواجهة ما وصفه بـ”الوضع الصعب”. سبق توصيف وزير الدفاع للوضع بساعات تصريح آبي أحمد الصادم الذي ألقاه في وجه سكان أديس أبابا، حين قال “دعونا نجتمع على جبهة القتال” دون أن يحدد من أين سيبدأ وأي جبهة يقصد ! الغرب الذي طالما تغنى بالنموذج الاثيوبي، وقام بأكبر عملية تلميع لـ”آبي…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

ترأس آبي أحمد رئيس الوزراء اجتماعا تنفيذيا الاثنين الماضي؛ داخل مقر “حزب الازدهار” الحاكم، شاركه فيه جميع أركان نظامه بما فيهم وزير الدفاع الاثيوبي “أبراهام بيلاي” الذي خرج من الاجتماع ليصرح لوسائل الإعلام بأن اعتبارا من الغد الثلاثاء، ستبدأ جميع القوات العسكرية والأمنية في اتخاذ اجراءات وتكتيكات خاصة من أجل مواجهة ما وصفه بـ”الوضع الصعب”. سبق توصيف وزير الدفاع للوضع بساعات تصريح آبي أحمد الصادم الذي ألقاه في وجه سكان أديس أبابا، حين قال “دعونا نجتمع على جبهة القتال” دون أن يحدد من أين سيبدأ وأي جبهة يقصد !

الغرب الذي طالما تغنى بالنموذج الاثيوبي، وقام بأكبر عملية تلميع لـ”آبي أحمد” شخصيا لحد منحه جائزة “نوبل للسلام”، متهم اليوم من قبل رئيس الوزراء بأنه يتحالف ضد أثيوبيا بغرض هزيمتها، وتعلن الحكومة التي يترأسها طوال شهور وحتى ساعات مضت معارضتها لتدخل المجتمع الدولي. ذات الحكومة أيضا بدلت من وصف النزاع مع “التيجراي” من “عملية لانفاذ القانون” إلى “حرب وجودية”، مما استلزم في لحظات حرجة من تداعي تفاصيلها إلى دعوة جميع المواطنين القادرين على حمل السلاح، إلى الانضمام إلى القتال في دعوة الحفاظ على كيان الدولة الاثيوبية من الانهيار. البروفيسور “أوول آلو” المحاضر البارز في القانون بجامعة كيلي البريطانية، الذي رشح آبي أحمد لجائزة نوبل نشر تغريدة صباح الثلاثاء معبرا عن صدمته من تصريحات الأخير، واصفا اياها بالأمر غير العادي وغير المسبوق أن تكون حافلة بلغة الاستشهاد والتضحية، حيث تكشف مدى يأس الوضع وانهياره.

هذه جزء من التحولات وليست جميعها بالطبع، وهو ما يحاول المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي حصاره أو ترميمه وكبح جماح التدهور إلى ما هو أسوأ، من وجهة نظر التفاوض ومحاولة الوصول إلى حل سياسي سلمي في الأفق المنظور. المبعوث فيلتمان حاول منذ شهور أن يسوق مفهوم، أن الرغبات الرئيسية التي وقف عليها لكلا الجانبين لا تتضمن استبعاد أحدهما للآخر، حيث قصر مطالب جبهة “التيجراي” في رفع الحصار الحكومي والسماح للمساعدات الانسانية بدخول الإقليم، لانقاذ 400 ألف شخص يعيشون تحت وطأة المجاعة، في مقابل رغبة آبي أحمد أن تنسحب قوات التيجراي من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها. لكن المبعوث أغفل في الوقت نفسه أن كلا الطرفين لديه أهداف تكتيكية واستراتيجية لم يخفها أثناء عملية الوساطة، وتظل قادرة على نسف كافة الجهود التي ترمي إلى الخروج باتفاقية سلام، ففي الوقت الذي يؤمن آبي أحمد بقدرته ـ ورغبته ـ في تحقيق نصر عسكري يرمم له شرعية حكمه، كانت قيادات الجبهة تلح على ضرورة تنحي أحمد رافضة الاعتراف بنتائج الانتخابات التي خرجت بنتائج فوز ساحق مزيف من وجهة نظرها. بقي جيفري فيلتمان وطاقمه يرقبون الوضع ويقيسون موازين القوى بين الطرفين خلال الشهور الماضية، وربما تسلل لهم بعض من الارتياح بعدما نجح الجيش الاثيوبي وبعض حلفاءه من المليشيات الإقليمية، في كبح جماح قوات التيجراي التي خاضت قتالا شرسا من أجل قطع الطريق الواصل بين اديس أبابا وجيبوتي، لكن الأخيرة لم تعدم سبيلا آخر أكثر تهديدا لمجمل الوضع الميداني وهو ما أوصله للمشهد الجاثم اليوم على العاصمة.

خلال شهور الترقب وأثناء خوض معارك الطريق الذي يمثل شريان العاصمة الواصل إلى الساحل، نجحت عناصر استخبارات جبهة تحرير “التجراي” من احداث اختراق فعال بالتحالف مع بعض من فصائل “الأورومو”، والتي تقع العاصمة في أراضيهم وينتمي لعرقيتهم رئيس الوزراء المتهم بخديعتهم والجور على مطالبهم لصالح “الأمهرة”. هذا التحالف مكن التجراي من النفاذ إلى نقاط مؤثرة في الطريق جنوبا إلى العاصمة، وهناك من المصادر المحلية الذي تابع عن كثب المفاوضات التي أجرتها الجبهة مع القادة المحليين في أكثر من موقع، ووصف هذه المباحثات التي أفضت إلى تعهدات تيجرانية بتأمين مصالحهم في حال استعادتهم للسلطة، كونها وفرت بيئة آمنة مكنت قوات التيجراي من النفاذ سريعا لتجثم على مفاصل الطرق المؤدية للعاصمة من جهة الشمال. هذا التحول وصفه المبعوث فيلتمان في تقرير أخير أرسله للخارجية الأمريكية، بأنه “لفترة من الوقت؛ كانت الخطوط ثابتة، ثم قبل نحو أسبوع بدأت “قوات التيجراي” في التحرك سريعا مرة أخرى، وهذا يقلقنا لعدة أسباب. أهمها أن في حال اقتربت القوات من العاصمة اديس أبابا فقد تزيد الجبهة من مطالبها، باعتبار أن خطوط واشنطن الحمراء ظلت تعارض بشدة تهديد قوات التيجراي العاصمة، من خلال قطع الطريق إلى جيبوتي أو تهديد أديس من خلال دخولها فعليا.

المتحدث باسم الأمم المتحدة “ستيفان دوجاريك” كشف للصحفيين في نيويورك إنه يتم الآن نقل بضع مئات من أفراد عائلات الموظفين الدوليين من إثيوبيا، وقال “لكن سيبقى الموظفون في إثيوبيا للاضطلاع بتفويضاتنا”. وانضمت كلا من ألمانيا وفرنسا وتركيا فضلا عن الولايات المتحدة في حث مواطنيها على مغادرة أثيوبيا على الفور، استشعارا منهم بأن التقارير التي ظنت أن التجراي سيتجاوبون مع عملية التفاوض، بدت متفاءلة بأكثر مما يعكسه الوضع الميداني المأزوم، الذي فتح شهيتهم لتكرار سيناريو 1991 وقت كانت الجبهة تحت قيادة “مليس زيناوي” تقتحم العاصمة أديس لاسقاط حكم “منجستو هيلاماريام”. اليوم يبدو آبي أحمد وقد تلبسته فعليا ملامح منجستو وتحاصره وعاصمته مشاهد النهاية من كل جانب، خاصة مع إعلان تسعة حركات مسلحة منها وأكبرها بالطبع التيجراي وهم القوة الرئيسية، لكن انضمام الأورومو والعفر والصوماليين على هدف اسقاط حكم آبي أحمد، ليس له سوى سيناريو وحيد هو اقتحام العاصمة اديس أبابا، أو هروب الأخير إلى ملاذ آمن في احدى دول الجوار كحل أخير ينجو به من التصفية التي يتعهد بها العديد من الفصائل المسلحة.

في مشاهد النهاية؛ تظل المعادلات مفتوحة على سيناريوهات عدة أغلبها ينذر بمزيد من الدماء، فالتطورات الميدانية الأخيرة على الأرض أطاحت بقدرات الجيش الإثيوبي ووضعته في مأزق حاكم، وهو ضرورة القتال حتى النهاية ودفعت برئيس الوزراء والعسكريين من حوله نحو تصعيد لا مجال للتفاوض فيه. فالجبهة تطرح إقامة مرحلة تأسيسية جديدة تعقب الإطاحة بالحكومة الحالية، وتتعهد بتقديم أركانها للمحاكمة بتهم “جرائم الحرب” التي ارتكبوها في إقليمهم بالخصوص، وغيره من مسارح القتال ارضاء لحلفاء السلاح اليوم الذين يناصبون نفس العدو عداء لا هوادة فيه. ويبقى شبح التفكك أحد السيناريوهات المرشحة بقوة، نظرا لمطالبة العديد من العرقيات فضلا عن التيجراي إما بمزيد من صلاحيات الحكم الذاتي، أو الانفصال التام الذي يكفله الدستور الحالي، وهو بمثابة القنبلة الموقوتة على وضع انتظار كلمة النهاية للمنتصر، الذي سيمد يديه وسلاحه ليعبث بها لامحالة.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية