وحدة الأمن السيبراني

“ميتا”: سياسات ودلالات مواجهة الضغوط الدولية

تعرضت شركة “ميتا” لانتقادات عدة جراء المحتوى المتطرف المتداول على منصاتها الرئيسية، وفي مقدمتها “فيسبوك” و”إنستجرام”، بجانب تأثيراتها السلبية على الأطفال والمراهقين والشباب، وتفضيلها الربح المادي على حساب الكشف عن تلك الآثار أو معالجتها، وغير ذلك. وقد مثّلت إعادة تسمية الشركة في أواخر شهر أكتوبر الماضي فرصة لاستعادة المكانة وتشتيت الانتباه عن عدد من الفضائح التي طالتها في إطار جهودها لإعادة تسويق نفسها وإصلاح سمعتها. وهو ما يثير التساؤل عن أبرز السياسات التي انتهجتها الشركة في أعقاب تغيير اسمها، ومدى فعالية تلك الجهود في تحقيق الأهداف المرجوة منها، ولا سيما الحد من الضغوط الدولية التي تواجهها. أبرز السياسات تعددت السياسات…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

تعرضت شركة “ميتا” لانتقادات عدة جراء المحتوى المتطرف المتداول على منصاتها الرئيسية، وفي مقدمتها “فيسبوك” و”إنستجرام”، بجانب تأثيراتها السلبية على الأطفال والمراهقين والشباب، وتفضيلها الربح المادي على حساب الكشف عن تلك الآثار أو معالجتها، وغير ذلك. وقد مثّلت إعادة تسمية الشركة في أواخر شهر أكتوبر الماضي فرصة لاستعادة المكانة وتشتيت الانتباه عن عدد من الفضائح التي طالتها في إطار جهودها لإعادة تسويق نفسها وإصلاح سمعتها. وهو ما يثير التساؤل عن أبرز السياسات التي انتهجتها الشركة في أعقاب تغيير اسمها، ومدى فعالية تلك الجهود في تحقيق الأهداف المرجوة منها، ولا سيما الحد من الضغوط الدولية التي تواجهها.

أبرز السياسات

تعددت السياسات التي انتهجتها شركة “ميتا” في أعقاب تغيير اسمها، وذلك على النحو التالي:

1- تطوير منتجات الواقع الافتراضي: تُطوّر شركة “ميتا” نماذج مختلفة للواقع الافتراضي، منها -على سبيل المثال لا الحصر- قفاز يُمكّن مرتديه من محاكاة الإحساس نفسه عند لمس أشياء حقيقية في الواقع المادي (بما في ذلك الملمس والضغط والاهتزاز)، وجهاز آخر يُوضع على المعصم كي يُترجم إشارات أعصاب المحرك الكهربائي إلى أوامر رقمية، ونظارة رأس ثالثة لدعم الصور الرمزية الواقعية. وبجانب تلك المنتجات، سبق اعتبار نظارة (Oculus Quest2) واحدة من أفضل نظارات الرأس اللا سلكية المتاحة للواقع الافتراضي، وقد حققت مبيعات ضخمة في الأشهر القليلة الماضية، فحتى نوفمبر 2021، باعت شركة “ميتا” ما يقرب من 10 ملايين نظارة منها. وهو ما يشير إلى جهود الشركة لدفع التفاعل بين الإنسان والحاسوب، وخلق اختراقات جديدة لجعل القفازات اللمسية حقيقة، ودفع الابتكار والتطوير من خلال “مختبرات الواقع ” (Reality Labs).

2- تقويض المنافسة: تستثمر شركة “ميتا” أموالها للقضاء على المنافسين، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من مليارات الدولارات التي تدفعها الشركة لصناع المحتوى من المتابعين ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي بهدف استضافة جلسات افتراضية باستخدام ميزة (Live Audio Rooms) بمبالغ مالية تصل إلى 50 ألف دولار على نحو يفوق تلك التي دفعها تطبيق “كلوب هاوس” لصناع المحتوى، مما يعكس توظيف القوة المالية لشركة “ميتا” لاقتحام مجال الصوت المباشر المزدحم بعدد كبير من الشركات الناشئة والرائدة وفي مقدمتها: “كلوب هاوس”، و”ديسكورد”، و”تويتر”، و”سبويتفاي”، وغير ذلك.

3- خوض غمار القضايا والتحقيقات: يُقاضي المدعي العام في ولاية أوهايو شركة “ميتا” بزعم تضليل الجمهور عمدًا بشأن أثر منتجاتها السلبي في مختلف المستخدمين، وانتهاك قانون الأوراق المالية الفيدرالي، وإخفاء سبل إدارة خوارزمياتها المستخدمة، وصولًا إلى إتاحة المجال للانشقاقات المجتمعية والأنشطة غير القانونية والمحتوى المتطرف. وبجانب هذا، يقاضي تطبيق الصور المعروف باسم (Phhhoto) شركة “ميتا” التي تظاهرت بالعمل معه إلى أن نسخت ميزاته، وأخفت اسمه من نتائج البحث، مما أسفر عن توقفه عن العمل. كما تواجه الشركة تحقيقات عدة على خلفية الاحتكار، ولا سيما بسبب شراء “إنستجرام” و”واتساب” من أجل القضاء عليهما كمنافسين، بجانب انتهاك قوانين حماية المستهلك، وغير ذلك.

4- دعم تطعيم الأطفال: في اتجاه مضاد للانتقادات الموجهة لشركة “ميتا” بسبب آثار تطبيقاتها السلبية على الأطفال، وفي أعقاب إجازة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تلقيح الأطفال ضد فيروس كورونا، اتجهت الشركة إلى تعزيز المعلومات الموثوقة للآباء على مختلف تطبيقاتها بما في ذلك الرسائل الواردة في خلاصة الأخبار. كما هدفت إلى مكافحة المعلومات المضللة من خلال فرض سياسات صارمة على المحتوى الضار ذي الصلة بالأطفال ولقاح فيروس كورونا بهدف الحفاظ على سلامة الجميع من خلال الترويج لمعلومات موثوقة، واتخاذ إجراءات ضد المعلومات الخاطئة لوقف انتشار الادعاءات الكاذبة، على نحو يُدلل على تعدد جهودها الرامية إلى خدمة المجتمع ومكافحة المحتوى الضار على منصاتها.

5- إعادة التفكير في المحتوى: أجلت شركة “ميتا” خطط تشفير رسائل المستخدمين حتى عام 2023، وتختبر طرقًا جديدة لتخصيص محتوى خلاصة الأخبار للحفاظ على أمن المنصة على نحو يسمح للأشخاص بتعديل تفضيلاتهم للتحكم في نقص أو زيادة المحتوى الذي يرونه من أصدقاء بعينهم أو مجموعات وصفحات بعينها. بيد أن هذا التعديل يأتي ضمن تعديلات عدة دأبت “فيسبوك” على إدراجها في السنوات الماضية.

6- تتبع القراصنة: على خلفية الاتهامات الموجهة إلى عملاق التواصل الاجتماعي كونه ساحة للمحتوى المتطرف، وكونه زاخرًا بالحسابات المزيفة والمجموعات مجهولة الهوية أيضًا، اتخذت “فيسبوك” إجراءات ضد أربع مجموعات مختلفة من المتسللين في كل من باكستان وسوريا على مدار الأشهر العديدة الماضية، وقد أتى في مقدمتها “الجيش السوري الإلكتروني” (APT-C-27) والمجموعة الباكستانية المعروفة باسم (SideCopy) التي سبق لها أن استهدفت عددًا من الشخصيات ذات الصلة بالحكومة الأفغانية السابقة. وعليه، قامت “فيسبوك” بتعطيل حساباتهم، وحظرت نشر نطاقاتها عبر المنصة، وتعاونت مع مختلف جهات التحقيق وإنفاذ القانون للتأكيد على جهود المنصة في التصدي لمختلف التهديدات، بما في ذلك عمليات اختراق المنصة والتجسس السيبراني.

7- تعزيز التجارة الإلكترونية: عدّدت “فيسبوك” خيارات التسوق بهدف تعزيز التجارة الإلكترونية الموسعة، وطرحت ميزات تسوق جديدة تتمثل فيما يُسمى “المتاجر في المجموعات” التي تتيح إنشاء متاجر عبر الإنترنت، وعرض العناصر في لوحة منفصلة داخل خلاصة المجموعة، مما يسلط الضوء على منتجات بعينها تحظى باهتمام مجتمعات محددة، وهي المجموعات التي تُسهم عمليات الشراء في دعمها على نطاق واسع. وبالإضافة إلى ذلك، أضافت “فيسبوك” أيضًا توصيات المنتج في مجموعات بهدف الاستفادة من خبرة المجتمع، وتسهيل العثور على مزيد من العناصر ذات الصلة، وخلق فرص جديدة للعلامات التجارية ومنشئي المحتوى.

8- وقف التعرف على الوجوه: أوقفت شركة “ميتا” ميزة التعرف على الوجوه والخوارزميات ذات الصلة اللازمة لتمييز الأشخاص في الصور ومقاطع الفيديو. كما حذفت بالتبعية قوالب التعرف على الوجه المستخدمة في تحديد الهوية من خلال وضع خطة تستهدف حذف بصمة الوجه لأكثر من مليار شخص، وذلك في أعقاب دعوى قضائية اتهمت “فيسبوك” بانتهاك قانون الخصوصية البيومترية في ولاية إلينوي، وهو ما أدى إلى تسوية بقيمة 650 مليون دولار في شهر فبراير الماضي. 

أبرز الدلالات

تثير السياسات السابقة جملة من الدلالات التي يمكن الوقوف عليها من خلال النقاط التالية:

1- تطوير مستمر: قبل إطلاق اسم “ميتا” بمدة طويلة، ومع الجدل العالمي حول تقنيات الواقعين الافتراضي والمعزز، بدأت شركة “ميتا” في الكشف عن أجزاء رئيسية من “ميتافيرس” المتصور. وتدور جميع جهود الشركة الحالية والمستقبلية حول إضفاء صفة الواقعية على العالم الرقمي، وهو ما يتطلب في المقام الأول دمج المشهد والصوت واللمس معًا، وهو الأمر الذي يواجه مشكلة العزلة عن العالم الحقيقي بمجرد ارتداء نظارات الواقع الافتراضي، وهي المشكلة التي لا تزال الشركات التقنية تبحث لها عن حلول ممكنة.

2- سياسات متبعة: لا تعد سياسة دفع الأموال لصناع المحتوى سياسة جديدة؛ فقد سبق أن دفع تطبيق إنستجرام لتعزيز ميزة (Reels) المنافسة لمنصة “تيك توك”، كما دفع لصناع المحتوى ما يصل إلى 35 ألف دولار للنشر عبر المنصة. ودفعت “فيسبوك” ما يتراوح بين 10 آلاف دولار إلى 50 ألف دولار للموسيقيين وصناع المحتوى الآخرين لكل جلسة عبر منتجها للصوت المباشر، بالإضافة إلى رسوم للضيوف تبلغ 10 آلاف دولار أو أكثر مقابل استضافة صناع المحتوى أربع إلى ست جلسات على الأقل لمدة 30 دقيقة. وإجمالًا، لا تُعد شركة “ميتا” هي الشركة الوحيدة التي تدفع لصناع المحتوى مقابل استخدام منصاتها لاجتذاب المواهب والاحتفاظ بها. فعلى سبيل المثال، يمتلك تطبيق “تيك توك” صندوقه الخاص للدفع لصناع المحتوى، ولدى تطبيق “تويتر” برنامج تسريع مدفوع مقابل خاصية (Spaces).

3- تأجيل التشفير: دفع كثيرون بأن تشفير الرسائل الخاصة لا يعدو كونه خط الدفاع الأول عن الاعتداءات الجنسية عبر الإنترنت، لأنها تحول دون اطلاع جهات إنفاذ القانون والمنصات التكنولوجية على الرسائل المرسلة التي لا يطلع عليها بطبيعة الحال سوى المرسل والمستقبل. ويتفاقم الأمر سوءًا مع تزايد عدد مستخدمي تطبيقات شركة “ميتا” والذي يتجاوز 2 مليار شخص. ومع التزايد العددي في حالات الاعتداء الجنسي باستخدام “فيسبوك” على نحو تجاوز 20 مليون حالة عالميًا في عام 2020 تبعًا لإحصاءات المركز الوطني الأمريكي للأطفال المفقودين والمستغلين، أجلت شركة “ميتا” خطط تشفير رسائل المستخدمين حتى عام 2023 استجابة للضغوط التي تطالبها بالتخلي عن خطط التشفير كلية.

4- توقف مؤقت: على الرغم من جهود شركة “ميتا” الداعمة لتطعيم الأطفال، ينبغي الإشارة إلى ما أعلنته الشركة سلفًا على صعيد إنشاء نسخة من “إنستجرام” لمن تقل أعمارهم عن 13 عامًا، وإن أوقفت الشركة العمل على تطوير تلك النسخة جراء الضغوط الدولية، وهو ما وصفه مشرعو الكونجرس الأمريكي بغير الكافي لكونه دليلًا على عجز الشركة عن حماية الأطفال، ووسيلة لاستقطاب المراهقين، وتعبيرًا عن تجاهل الآثار الجسدية والنفسية السلبية للتطبيق وما قد ينجم عنه من ممارسات غير قانونية واستغلال جنسي لجني مزيد من الأرباح المادية.

5- سياسات مرتعشة: في عام 2015، كانت “فيسبوك” بصدد تغيير خلاصة الأخبار لتفضيل محتوى الأصدقاء على مثيله من العلامات التجارية. وفي عام 2016، أكدت “فيسبوك” تعديل خوارزميتها كي تحظى منشورات الأصدقاء بالأولوية على حساب محتوى الناشرين. وفي عام 2018، اتجهت الشركة إلى تغيير خلاصة الأخبار لإظهار المشاركات التي قد تثير نقاشًا أكثر من المحتوى السلبي، في حين عدلت خلاصة الأخبار مرة أخرى في عام 2020 لتفضيل مزيد من الأخبار الموثوقة ذات الجودة، لكنها تراجعت عن ذلك في ديسمبر من العام نفسه. وعليه، يمكن القول إن سياسة خلاصة الأخبار لا تعدو كونها لغزًا كبيرًا إلى الحد الذي يثير استياء موظفي الشركة أنفسهم.

6- ملاحقة الإرهابيين والقراصنة: اتجهت المنصات الرئيسية وفي مقدمتها “فيسبوك” و”تويتر” وغير ذلك لإغلاق الحسابات المستخدمة من قبل حركة طالبان في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وعلى إثر الأخير، كثفت “فيسبوك” مراجعتها لحسابات المستخدمين، وحذفت شبكات قرصنة بأكملها. وهو ما يدلل على أن مجموعات القرصنة والتجسس السيبراني وغيرها تستفيد من فترات عدم اليقين أكثر من أي وقت آخر من ناحية، وأن جهود المنصات الرئيسية تأتي في إطار التأكيد على أمنها في المقام الأول من ناحية ثانية، وأن تلك المنصات لا يمكنها الحيلولة دون إساءة استخدامها من قبل العصابات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية ابتداءً من ناحية ثالثة.ختامًا، مع تزايد الانتقادات الموجهة إلى “ميتا” على خلفية قوتها السوقية وقراراتها الرقمية وذيوع المحتوى المتطرف على منصاتها الرئيسية، تراوحت سياسات الشركة بين الإذعان والتطوير والمهادنة والتأجيل استجابة للانتقادات والضغوط الدولية؛ فقد أذعنت الشركة لوقف ميزة التعرف على الوجوه والخوارزميات ذات الصلة، فيما تواصل جهودها لتطوير منتجات الواقع الافتراضي، وتختبر طرقًا جديدة لدفع التجارة الإلكترونية، وأجلت النظر في سياسة التشفير خاصتها بالتوازي مع القضاء على المنافسين المحتملين باستخدام سلاح المال. وعلى تعدد تلك السياسات، ترتفع القيمة السوقية لفيسبوك وإيراداتها التي من المتوقع أن تصل الإيرادات إلى 117 مليار دولار هذا العام، مما يدلل على النجاح النسبي لسياساتها في الوقت الراهن.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني