القيادة الداعشية.. دوائر الاختراق وفصل تساقط الثمار

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

هل وصلت عمليات الاختراق الاستخباراتى، لتطال دائرة القيادة الداعشية الأهم للتنظيم؟ ما جرى من أحداث خلال الأسبوع الماضى وما سبقه بشهور قليلة يشى بأن هناك نجاحاً ما تحقق، وفعلياً ثمة ثغرة تنظيمية مؤثرة طالت دائرة القادة التاريخيين، ومن تمكنوا من الاستقرار فى ملاذات آمنة منذ هزيمة التنظيم منتصف العام 2019. هذا الاختراق الأحدث تديره بعض العناصر الموالية لتركيا فى الشمال السورى، باعتبارهم يمتلكون قدرة النفاذ على الأرض وسط خطوط اقتراب من عناصر تنظيم «داعش» الموجودة ببلدات تلك المنطقة وتخومها، هذه العناصر تمكنت فى وقت سابق من الإيقاع بمجموعة نافذة فيما يسمى بـ«ولاية الشام»، بل هناك من يرجح أن القيادى الداعشى…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

هل وصلت عمليات الاختراق الاستخباراتى، لتطال دائرة القيادة الداعشية الأهم للتنظيم؟ ما جرى من أحداث خلال الأسبوع الماضى وما سبقه بشهور قليلة يشى بأن هناك نجاحاً ما تحقق، وفعلياً ثمة ثغرة تنظيمية مؤثرة طالت دائرة القادة التاريخيين، ومن تمكنوا من الاستقرار فى ملاذات آمنة منذ هزيمة التنظيم منتصف العام 2019. هذا الاختراق الأحدث تديره بعض العناصر الموالية لتركيا فى الشمال السورى، باعتبارهم يمتلكون قدرة النفاذ على الأرض وسط خطوط اقتراب من عناصر تنظيم «داعش» الموجودة ببلدات تلك المنطقة وتخومها، هذه العناصر تمكنت فى وقت سابق من الإيقاع بمجموعة نافذة فيما يسمى بـ«ولاية الشام»، بل هناك من يرجح أن القيادى الداعشى المعين بمنصب أميرها، سقط فى قبضة هذه العناصر ومن ثم تم تسليمه إلى أجهزة الأمن التركية.

هذا الصيد الثمين الذى صار بقبضة الأجهزة التركية، يبدو أنه كان سبباً رئيسياً فى نجاح ما أعلن عنه الأسبوع الماضى بشكل مقتضب، عن نجاح الأمن التركى فى إلقاء القبض على ما أسمته «عنصراً بارزاً» فى مدينة اسطنبول، بعد مراقبة استغرقت أسابيع أثمرت فى النهاية عن اقتحام شقته دون إطلاق نيران، وإلقاء القبض عليه حياً. ما دار من تكهنات صاحبتها ترجيحات لمقربين من أخبار التنظيم، كشفت أن والى الشام بتنظيم داعش أعطى للجانب التركى معلومات تفصيلية عن القائد العام الجديد للتنظيم، وأنه هو الذى ألقى القبض عليه حيث كان يعيش متخفياً فى مدينة اسطنبول. وبدا أن التكتم التركى الرسمى فى الإفصاح عن معلومات تؤكد تلك الفرضية، كون القائد الجديد للتنظيم فى الأصل غامض الهوية حتى من قبل إلقاء القبض عليه.

ما يمثل إشكالية إضافية فى هذا الأمر، أن المعلن منذ شهور من قبل «داعش» أن قائده هو «أبو الحسن الهاشمى القرشى»، وهى تسمية حركية بالطبع لا تكشف عن شخصية القائد الحقيقية، وقد عللت دوائر القيادة فى التنظيم ومنابره الإعلامية حجب هذا الأمر باعتباره احترازاً لـ«دواعٍ أمنية»، بعد أن اكتشف الجهاز الأمنى للتنظيم عن نشاط «تجسس» يدور بين جنباته، لم يتمكن من الإحاطة الكاملة بعناصره بعد، وإن كان متأكداً من تأثيره الواضح فى الإيقاع بأكثر من عنصر قيادى مؤخراً. الإعلان عن أمير التنظيم الجديد صدر فى 10 مارس الماضى؛ فى ظل تلك الأجواء القلقة التى امتدت لما بعد هذا التاريخ وتبدو أنها مستمرة حتى الآن، حيث تعد أبرز تجليات تلك الحالة نموذج عملية قتل «أبو حمزة القرشى» القيادى والمسئول الإعلامى البارز وإخفاء حقيقة ما جرى له، بل وتزييف التاريخ والمكان الذى لقى حتفه فيه على أنصار التنظيم. لكن هذه الواقعة التى أثارت حالة واسعة من اللغط داخل صفوف التنظيم، لم تكن النموذج الوحيد، فعملية القبض على أمير «ولاية الشام» التى تعد الولاية الأهم فى التراتبية القيادية لدوائر القرار تؤكد هذه الهزة العميقة الداخلية، وتعكس انكشافاً غير مسبوق يتعرض له التنظيم، يتسبب فى الوصول السلس إلى العناصر التى ظلت لسنوات، تعيش خلف ستار حديدى قابضة على ما لديها من معلومات وأموال، تجرى الصفقات وتصدر التكليفات للعناصر وللفروع البعيدة وتتمتع بهالة تنظيمية استثنائية.

إذا كان أمير «ولاية الشام» هو الذى أوصل الأمن التركى لمقر اسطنبول، لكن تبقى حقيقة الشخصية غامضة حتى الآن إلى أن يجرى التأكد منها، فهناك تضارب بين شخصيتين كلتاهما لها وزن كبير داخل «داعش». الأولى ترجحها بعض المصادر من داخل العراق؛ تؤكد أن «أبو الحمزة القرشى» هو «جمعة عواد البدرى» شقيق الخليفة السابق للتنظيم «أبوبكر البغدادى»، وأنه صار منذ مارس الماضى الخليفة الجديد لداعش بعد مقتل عبدالله قرداش التركمانى المعروف بـ«أبو إبراهيم الهاشمى القرشى». هذا الترجيح يذهب إلى أن الهروب الذى نفذته عناصر الصف الأول القيادية، جاء بأوامر تنظيمية من «أبوبكر البغدادى» قبيل اغتياله مباشرة فى الجلسة الشهيرة التى بثها التنظيم، وهو يوزع على القيادات الملفات الخاصة بالمهام المكلف بها إمارات «الخلافة» المزعومة، وتنبه عليهم حينها الخروج من سوريا والعراق بعد الانحسار المكانى الذى ظل يضيق للحد الذى مثل خطراً حقيقياً، لم يجد البغدادى سوى مواجهته بتشتيت هؤلاء القادة بما يحملونه من أسرار، حتى لقى هو شخصياً حتفه بالغارة الأمريكية التى وقعت بعد شهور قليلة من هذا الاجتماع.

«جمعة عواد البدرى» شقيق البغدادى، المعلومات تؤكد أنه لم يهرب بأسرار التنظيم وحدها، الأهم أنه كان يضع يده على ما يقارب «نصف مليار دولار» من أموال الخلافة، وفى حال تأكد أنه هو المقبوض عليه لا أحد يعلم مصير تلك الأموال. «جمعة» وفق تاريخه الحركى يعد أحد الجهاديين العراقيين المخضرمين، فهو انضم إلى سرايا السلفية الجهادية التى أسست فى العراق بعد 2003، حتى قبل بروز نجم أخيه فى هذا المجال، لكن بعد تولى أبوبكر الخلافة الداعشية عمل جمعة لسنوات كحارس شخصى ومستشار شرعى لشقيقه، وتولى مسئولية نقل الرسائل والتكليفات المهمة بين ديوان الخليفة ومسئولى العمليات الخارجية. كما تولى أيضاً منصب رئيس مجلس شورى داعش أعلى هيئة قيادية؛ التى يناط بها اختيار الخليفة والولاة وأمراء اللجنة المفوضة العليا، فضلاً عن أمراء الدواوين الداعشية التنفيذية المندرجة تحت قيادة اللجنة المفوضة. ظل جمعة البدرى بعيداً عن الأضواء لفترة طويلة ولم يظهر طوال تلك السنوات لمرة واحدة علانية، كما لا تعرف له صورة لا بداخل التنظيم ولا لدى الأجهزة الأمنية التى تلاحقه. هناك رواية أخرى؛ تضع القيادى الداعشى «بشار غزال الصميدعى» المعروف بحجى زيد العراقى، باعتباره هو القيادة البارزة التى تم إلقاء القبض عليها فى تركيا، وله هو الآخر قصة طويلة بالتنظيم، لكن حتى تتأكد الشخصية على حقيقتها يظل الثابت أن اختراقاً كبيراً قد نجح، وأن التنظيم دخل فى فصل تساقط الرؤوس الذى يمكن لأول مرة أن ينذر بأفول أسطورته العالمية.

نقلا عن جريدة الوطن بتاريخ 30 مايو

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب