الدراسات الأمريكية

محفّزات للاستمرار: العنف في الولايات المتحدة

شهدت احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي، في الرابع من يوليو 2022، أكثر من 10 حوادث إطلاق نار جماعي حوت مشاهد دموية مروعة. فقد أفادت شبكة “إن بي سي نيوز يورك” بمقتل 13 شخصًا على الأقل بالرصاص وثلاثة آخرين في ستة حوادث أخرى في مدينة نيويورك، كما أفادت شبكة “سي بي إس” المحلية بإصابة ثمانية أشخاص في إطلاق نار في بوم آيلاند بارك في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، بينما ذكرت شبكة “إن بي سي شيكاغو” أن شيكاغو شهدت مقتل تسعة أشخاص وأصيب العشرات، كما شهدت هايلاند بارك بولاية إلينوي مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 30 آخرين. ولم تكن حوادث العنف…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

شهدت احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي، في الرابع من يوليو 2022، أكثر من 10 حوادث إطلاق نار جماعي حوت مشاهد دموية مروعة. فقد أفادت شبكة “إن بي سي نيوز يورك” بمقتل 13 شخصًا على الأقل بالرصاص وثلاثة آخرين في ستة حوادث أخرى في مدينة نيويورك، كما أفادت شبكة “سي بي إس” المحلية بإصابة ثمانية أشخاص في إطلاق نار في بوم آيلاند بارك في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، بينما ذكرت شبكة “إن بي سي شيكاغو” أن شيكاغو شهدت مقتل تسعة أشخاص وأصيب العشرات، كما شهدت هايلاند بارك بولاية إلينوي مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 30 آخرين. ولم تكن حوادث العنف المتزامنة مع الاحتفالات مجرد أحداث عرضية أو استثنائية، وإنما هي مجرد حلقة ضمن سلسلة العنف المتزايد التي تشهدها الساحة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة؛ الأمر الذي يُثير التساؤل حول دوافع ومحفزات النطاق المتسع للعنف في الداخل الأمريكي. 

معدلات متزايدة

تشهد الولايات المتحدة مسارًا مستمرًا ومتواترًا لظاهرة العنف الداخلي، والتي تحمل مؤشرات على اتجاهها للتزايد وليس الانحسار. وتعتبر الولايات المتحدة (بجانب جواتيمالا والمكسيك) هي الدول الثلاث فقط في العالم التي يُعتبر حمل السلاح فيها حقًا دستوريًا. ووفقًا لمسح الأسلحة الصغيرة (SAS) بسويسرا، في تقريره الصادر في يونيو 2018، تعد الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي يفوق فيها عدد الأسلحة المدنية عدد الأشخاص؛ إذ إن هناك 120 بندقية لكل 100 أمريكي. ويقدر التقرير أن الأمريكيين يمتلكون 393 مليونًا من أصل 857 مليون سلاح مدني متاح، أي ما يمثل حوالي 46٪ من الأسلحة المدنية في العالم. 

كما أفاد معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME)، وهو مركز أبحاث صحي عالمي مستقل بجامعة واشنطن، على موقعة الإلكتروني بتاريخ 21 مارس 2021 والمحدث في 31 مايو 2022، بأنه من بين 64 دولة ومنطقة مرتفعة الدخل، تشهد الولايات المتحدة مستويات مرتفعة من عنف السلاح؛ إذ تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثامنة، كما تحتل بورتوريكو وجزر فيرجن الأمريكية المرتبة الأولى والثالثة في تلك القائمة. ومن الجدير بالذكر أن معدلات القتل بالأسلحة النارية حسب العمر في الولايات المتحدة أكبر 13 مرة مما هي عليه في فرنسا، و22 مرة أكبر منها في الاتحاد الأوروبي ككل، و23 ضعف معدل جرائم القتل بالأسلحة النارية في أستراليا.

وفقًا لشبكة “سي إن إن” استنادًا إلى تحليل “جيسون آر سيلفا”، الأستاذ المساعد في علم الاجتماع والعدالة الجنائية بجامعة “ويليام باترسون”، لا توجد دولة متقدمة أخرى لديها عمليات إطلاق نار جماعي بنفس الحجم أو النطاق مثل الولايات المتحدة. إذ لم تشهد أي دولة أكثر من ثمانية حوادث على مدار 22 عامًا، بينما شهدت الولايات المتحدة أكثر من 100 حادث تسبب في سقوط ما يقرب من 2000 شخص بين قتيل وجريح. كما استندت إلى أرشيف عنف السلاح، وهو منظمة غير ربحية مقرها في واشنطن العاصمة، في حصر أعداد عمليات إطلاق النار الجماعي التي وصلت إلى 417 عملية في عام 2019، وشهد العام الجاري 2022 بالفعل تسجيل 213 عملية.

علاوة على ذلك، نشرت The Trace (الوكالة المختصة بالإبلاغ عن العنف المسلح في الولايات المتحدة) على موقعها الإلكتروني إحصائيات حول عنف الأسلحة في الولايات المتحدة خلال عام 2021؛ أوضحت فيها أن عدد الوفيات الناجمة عن استخدام الأسلحة النارية بلغ 20.726، كما بلغت حوادث إطلاق النار الجماعي خلال العام ذاته 693 حادثًا، بينما بلغ حجم البنادق المباعة 18.8 مليونًا، في حين قُتل 22 شخصًا وجُرح على الأقل 80 شخصًا في حوار إطلاق النار بالمدارس خلال الفترة ذاتها. 

وبالنظر إلى عدد الجرائم ومعدلات العنف التي وقعت خلال العامين الآخرين يتضح صعوبة التوصل إلى أرقام دقيقة بشأنها. فوفقًا لمشروع مارشال The Marshall Project، وهي منظمة إخبارية غير حزبية وغير ربحية تهتم بنظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي إحصائيات الجريمة للربع الأول من عام 2022، تم تجميعها من 56٪ من وكالات إنفاذ القانون، بينما كانت البيانات من أكثر من 8000 وكالة غير متاحة. أي إن هناك ما يقرب من 40 ٪ من وكالات إنفاذ القانون في جميع أنحاء البلاد لم تقدم أي بيانات عن عام 2021 لبرنامج جمع إحصاءات الجريمة المنقح حديثًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، مما ترك فجوة هائلة في المعلومات. وقد اعتبرت المنظمة أن هذه مسألة يمكن استغلالها من قبل السياسيين في الحملات الانتخابية للتجديد النصفي للكونجرس. ولفتت المنظمة إلى أن هذه الفجوة تشمل أكبر مدينتين من حيث عدد السكان، مدينة نيويورك ولوس أنجلوس؛ بالإضافة إلى معظم الوكالات في خمس من الولايات الست الأكثر اكتظاظًا بالسكان؛ وهي: كاليفورنيا، ونيويورك، وإلينوي، وبنسلفانيا، وفلوريدا. 

عطفًا على ما سبق، فقد أشارت المنظمة إلى أنه من المحتمل أن نتعايش مع قدر أكبر من عدم اليقين على الأقل لمدة بضع سنوات، واستندت في ذلك إلى ما قاله “جاكوب كابلان”، عالم الجريمة في جامعة “برينستون”، الذي أوضح أنه بسبب توقف العديد من المدن الكبرى والولايات المكتظة بالسكان عن الإبلاغ، سيكون من الصعب استخلاص استنتاجات من بيانات عام 2021. مضيفًا أنه “سيكون من الصعب حقًا على صانعي السياسات النظر إلى شكل الجريمة في مجتمعهم”. وهو تعليق مشابه لما صرح به “ريتشارد روزنفيلد”، أستاذ علم الجريمة في جامعة “ميسوري سانت”؛ حينما وصف عدم اليقين بشأن بيانات عام 2021 بأنه “فوضى”. معتبرًا أن ذلك لن يؤدي إلى حلول للجريمة على الإطلاق. 

المعركة القانونية

جددت إدارة الرئيس “جو بايدن” دعواتها لإصلاح الأسلحة بعد عمليات إطلاق نار جماعية في كولورادو وساوث كارولينا وتكساس العام الماضي. ففي مارس 2021، أقر مجلس النواب تشريعًا يُلزم البائعين غير المرخصين والخاصين، بالإضافة إلى جميع البائعين المرخصين بإجراء فحوصات الخلفية الفيدرالية قبل جميع مبيعات الأسلحة لضمان فحص المشترين بالكامل قبل إجراء عملية البيع. 

ثم دعا الرئيس “بايدن” خلال كلمته، التي أتت في أعقاب عدة حوادث إطلاق نار جماعية، في 3 يونيو الماضي، إلى تعديل التشريعات المتعلقة بحيازة الأسلحة، وأوضح أن “الحقوق الممنوحة بموجب التعديل الثاني من الدستور ليست غير محدودة”؛ مطالبًا برفع السن القانونية لحيازة السلاح إلى “21 عامًا”، مع حظر بيع “البنادق الهجومية” للأفراد. وشدد على ضرورة “التحري جيدًا عن هوية مشتري السلاح”؛ ومطالبًا بـ”حظر بعض أنواع الأسلحة وتشديد القوانين”. ودعا في سبيل ذلك الكونجرس إلى “اتخاذ تدابير للحد من بيع السلاح”؛ مشيرًا إلى أن “الجمهوريين في مجلس الشيوخ لا يريدون مناقشة بعض المسائل الخاصة بتشديد قوانين حيازة السلاح”.

وفي تطور غير متوقع، تبلور قانون جديد بهدف وضع ضوابط على حيازة وتداول الأسلحة في الولايات المتحدة. وقد نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن السيناتور الديمقراطي “كريس ميرفي”، الذي قاد جهود التشريع الجديد، قوله إن “المناقشات حول قانون العلم الأحمر Red Flag تحرز تقدمًا”. ويعد قانون “العلم الأحمر”، على المستوى الفيدرالي، تعميمًا لقوانين محلية تصدرها المجالس التشريعية للولايات لتحديد ومنع الأفراد الخطرين من شراء أسلحة، وكذا مصادرة الأسلحة مؤقتًا منهم. وارتباطًا بذلك، تجدر الإشارة إلى أن لدى واشنطن العاصمة و19 ولاية ديمقراطية وجمهورية، بما في ذلك أوريجون وكاليفورنيا وفلوريدا وإنديانا وماساتشوستس، شكلًا من أشكال قانون العلم الأحمر.

 إلا أن موقع “أكسيوس” Axios أفاد بأن العديد من الجمهوريين لا تزال لديهم قناعة بأن الأمر متروك للولايات، وليس الكونجرس. ويُلقي أغلب اليمينيين باللوم على ألعاب الفيديو، والأمراض العقلية، وأي شيء آخر غير الأسلحة، في عمليات إطلاق النار الجماعية في أمريكا. فقد اتجهت ولاية تكساس إلى تخفيف القوانين المرتبطة بالأسلحة؛ إذ أقر السياسيون قانونًا يخفف من إجراءات الترخيص أو التدريب لحمل المسدس. وقد اقترح السيناتور الجمهوري “تيد كروز” Ted Cruz إتاحة المزيد من الأسلحة لمواجهة عمليات العنف الأخيرة التي وقعت في المدارس من خلال تسليح معلمي المدارس وحراس الأمن. 

وفي أواخر يونيو الماضي، وقع الرئيس “بايدن” أول قانون فيدرالي يتعلق “بتنظيم حمل الأسلحة في الولايات المتحدة” منذ عقود. وقال “بايدن” إن هذا القانون “ينقذ أرواحًا”، لكنه “لا يفي بما هو مطلوب فعلًا”. وبموجب القانون الجديد، أصبح من الملزم على الولايات “التحقق من السجلين الجنائي والنفسي” لكل شاب يتراوح عمره بين 18 و21 عامًا ويرغب في شراء سلاح ناري. كما يتيح القانون صرف أموال فيدرالية للولايات التي تسن قوانين تسمح للمحاكم بسحب الأسلحة مؤقتًا من أفراد تعتبر أنهم يشكلون تهديدًا على الآخرين. 

وقد علق “ديفيد روزنبلوم”، أستاذ السياسة والإدارة في جامعة “بوسطن”، قائلًا في حديث لموقع “الحرة” إن “القانون الجديد قد يساعد، في حالات محددة، بالحد من امتلاك الأسلحة لبعض الأشخاص في الولايات المتحدة”. موضحًا أن هذا القانون الفيدرالي يعالج ثغرة مهمة حول الحد من امتلاك الأسلحة لمن يعانون من “أمراض نفسية” أو لديهم اتهامات “بالعنف ضد شركائهم أو من يعيشون معهم”. كما اعتبر أن هذا القانون من شأنه أن يقلل من “حوادث الانتحار”، وحوادث العنف الأسري. وعليه، يبدو أن القانون الفيدرالي الجديد هو ثمرة حالة الزخم الواسعة التي تعززت في أعقاب المذبحة التي وقعت داخل سوبر ماركت في بافالو بولاية نيويورك حيث قُتل 10 أشخاص سود بمنتصف مايو الماضي؛ وحادثة اقتحام المدرسة وإطلاق النار في يوفالدي بولاية تكساس التي راح ضحيتها 21 شخصًا بينهم 19 طفلًا في نهاية الشهر نفسه. 

وفي المقابل، جاء قرار المحكمة الأمريكية العليا –في أواخر يونيو الماضي- في سياق التأكيد مجددًا على الحق في حمل السلاح، وضمن النمط الثابت من الأحكام التي وسعت حقوق حمل السلاح؛ إذ أكدت أن الحق في حمل الأسلحة النارية سواء في المنزل أو في الأماكن العامة مكفول بموجب التعديل الثاني للدستور الأمريكي. وحتى في ظل عمليات إطلاق النار الجماعية التي وقعت في أوفالدي وبافالو والتي تقع بين هنا وهناك، أيد ستة قضاة في المحكمة العليا تفسيرًا واسعًا للتعديل الثاني الذي أكدته للمرة الأولى غالبية أعضاء المحكمة في عام 2008؛ ثم في عام 2010 حينما صدر القرار التاريخي الذي أكد على حق حمل السلاح للولايات والأفراد على حدٍ سواء. القرار الذي مثّل تقويضًا للقيود المفروضة على حمل الأسلحة التي أُقرت منذ عام 1913 بموجب قانون ولاية نيويورك، الذي ينص على الحاجة لإثبات وجود حاجة مشروعة أو أسباب مناسبة للحصول على تصريح حمل السلاح. 

أسباب محفزة

استنادًا إلى ما سبق، يبدو العنف في الداخل الأمريكي قضية بالغة التعقيد يتسبب في استمرار واتساع نطاقها عدد من المحفزات التي يتضح من تفكيكها أنها ستكون الدافع وراء استمرارها وتشابك مآلاتها في المستقبل. ويمكن تحديد أبرزها على النحو التالي:

دستورية حمل السلاح

يعطي التعديل الثاني من الدستور الأمريكي، الذي تم سنه في 1791، حقًا للمواطنين في حمل السلاح، وينص على أن “وجود مليشيا جيدة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرة، ولا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء الأسلحة وحملها”؛ وهو الحق الذي أيدته المحكمة العليا في أكثر من مناسبة. الأمر الذي يشير إلى العلاقة بين اتساع نطاق انتشار الأسلحة وتزايد معدلات العنف. إذ وجدت دراسة نشرت عام 2019 في المجلة الطبية البريطانية أن الولايات الأمريكية التي لديها قوانين أكثر تساهلًا بشأن الأسلحة وملكية أكبر للأسلحة لديها معدلات أعلى من عمليات إطلاق النار الجماعية. وهي نتيجة مشابهة لما جاء في تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لعام 2019، الذي أشار فيه إلى أن القانون يمكن أن يشجع الناس على الاستجابة للمواقف باستخدام القوة المميتة، بدلًا من استخدامها كملاذ أخير.

ثقافة حمل السلاح

يرتبط الأمريكيون بعلاقة “فريدة” و”استثنائية” مع فكرة حمل وامتلاك السلاح، على حد وصف تقرير نشرته شبكة “سي إن إن”. ويوضح التقرير أن “الحق في امتلاك السلاح” يعتبر أمرًا “مقدسًا” بالنسبة لشريحة ليست بالقليلة من الشعب الأمريكي. وحتى في ظل حوادث إطلاق النار وحوادث العنف المتكررة، لم تتراجع الرغبة في حمل السلاح أو تقييده لدى شريحة واسعة من الشعب الأمريكي. فوفقًا لمسح أجرته مؤسسة “بيو” Pew للأبحاث في أبريل 2021، وجدت أن 34٪ يعتبرون أن امتلاك عدد أكبر من الناس للأسلحة سيؤدي لمزيد من الجرائم؛ في حين اعتبر ما يقرب من 31٪ أن امتلاك عدد أكبر من الناس للأسلحة من شأنه أن يقلل الجرائم؛ بينما يرى 34٪ أن زيادة عدد الأشخاص الذين يمتلكون أسلحة لن يحدث فرقًا في مستويات الجريمة.

 نفوذ “لوبي” الأسلحة

تمارس مجموعات الضغط المرتبطة بالأسلحة ضغوطًا كبيرة من أجل تعزيز الحق في حمل السلاح لتحقيق أكبر قدر من المبيعات. وتُعد الرابطة الوطنية للأسلحة النارية أقوى “لوبي” يمارس الضغط دفاعًا عن حقوق ملكية السلاح في الولايات المتحدة. وقد تأسست في عام 1871 من قبل اثنين من قدامى المحاربين الأمريكيين في الحرب الأهلية كمجموعة ترفيهية “لتعزيز وتشجيع إطلاق النار بالبنادق على أساس علمي”، وبدأت في ممارسة الضغط السياسي في عام 1934 بشأن مشروعات قوانين الأسلحة النارية. وفقًا لـ”بي بي سي”، تنفق الرابطة رسميًا حوالي 3 ملايين دولار سنويًا للتأثير على سياسة الأسلحة داخل الولايات المتحدة؛ إذ تمارس ضغوطًا شديدة ضد جميع أشكال الرقابة على الأسلحة، وتدافع بقوة عن تفسير واسع للتعديل الثاني من الدستور. هذا، وقد مثل قرار المحكمة العليا الأخير انتصارًا لهذا اللوبي. ففيما عبر الرئيس “بايدن” عن خيبة أمله من قرار المحكمة، احتفلت الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح بالحكم.

التداعيات السلبية للجائحة 

تسببت جائحة كورونا (كوفيد-19) في موجاتها المتتالية في تعقد العديد من الضغوطات الاقتصادية التي ألقت بظلالها على المجتمع والأسرة في الداخل الأمريكي؛ حيث عززت من فجوة التفاوتات والعزلة الاجتماعية وتزايد معدلات البطالة. فقد أشار مركز “بيو” Pew للأبحاث، ووفقًا للإحصاءات المنشورة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، إلى أن عام 2020 شهد وفاة عدد أكبر من الأمريكيين بسبب إصابات متعلقة بالأسلحة النارية أكثر من أي عام مسجل آخر. هذا، وقد شهدت الولايات المتحدة عمليات إطلاق نار شبه يومي في الأماكن العامة، كما سجلت المدن الكبرى كنيويورك وشيكاغو وميامي وسان فرانسيسكو ارتفاعًا في معدل الجرائم بواسطة أسلحة نارية، خصوصًا منذ بدء جائحة كورونا في عام 2020، بحسب وكالة “فرانس برس”.

اتساع حالة الاستقطاب 

تعاني الساحة الأمريكية من استقطاب متنامٍ، وبالرغم من أن هذه الحالة كانت قد اتسعت بسبب التداعيات السلبية لجائحة كورونا وحادثة مقتل “جورج فلويد”؛ إلا أنها اتجهت إلى أن تصبح أكثر تعقيدًا، ويرجع السبب في ذلك لتراجع دور المعتدلين في المعسكرين (الديمقراطي والجمهوري) لصالح الأقل اعتدالًا، حيث يتصدر التقدميون المعسكر الديمقراطي، بينما يتصدر المحافظون المعسكر الجمهوري، وهو الأمر الذي يدفع كل طرف لاستخدام السلاح ضد الطرف الآخر، سيما مع توظيف الجماعات المسلحة الداخلية في حالة الاستقطاب الجارية. فقد خلص تقرير صدر في أكتوبر 2020 عن وزارة الأمن الداخلي إلى أن “المتطرفين العنيفين بدوافع عنصرية وعرقية سيظلون التهديد الأكثر استمرارًا وفتكًا في الوطن”، وهو ما انعكس بصورة واضحة في حوادث العنف التي تزامنت مع السباق الانتخابي بين الرئيس السابق “دونالد ترامب” والرئيس “بايدن”؛ فخلال المناظرة الرئاسية الأولى طلب “ترامب” من المجموعة القومية البيضاء The Proud Boys “التراجع قليلًا مع البقاء جاهزين” stand back & stand by؛ مما اعتبرته بعض التحليلات بمثابة دعوة لتعزيز نشاط اليمين المتطرف. كما هددت حينها حركة المؤامرة QAnon وجماعة The Oath Keepers اليمينية المتطرفة، بأنهما قد تلجآن إلى العنف حال خسر “ترامب”. 

تأثير “السوشيال ميديا”

لعب الإنترنت، وبالأخص مواقع التواصل الاجتماعي، دورًا ليس بالقليل في حوادث العنف استنادًا إلى ركيزتين رئيسيتين؛ هما انتشار خطابات التحريض ونشر عدوى العنف. إذ تشير بعض التحليلات إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤثر على انتشار حوادث إطلاق النار الجماعية من زاويتين، تنصرف الأولى إلى اتساع نطاق وانتشار خطابات التحريض والكراهية، وتستند الثانية إلى تأثير “العدوى”، إذ يمكن أن يؤدي وقوع حادثة إطلاق نار جماعي إلى زيادة احتمالية حدوث إطلاق نار جماعي آخر في المستقبل القريب. كما تعتبر بعض التحليلات أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت مسئولة عن تقليل تعاطف معظم الأمريكيين. إضافة إلى أنه قد بات من السهل “التعبير عن رأيك” على شخص ما على وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة قد تتطور إلى عداء؛ وحتى الأفراد المتشابهون في التفكير ولديهم اهتمامات مماثلة قد يجدون أنفسهم في حالة احتقان كبيرة قد تتحول إلى حالة عدائية.

انعكاسات الظروف الجوية

قد تبدو مسألة تحليل العنف من منظور مناخي أو بيئي غير شائعة بقدر كبير، وقد يرجع ذلك إلى صعوبة التعلل بالمناخ كسبب وحيد لممارسة العنف؛ إلا أن وضعه في الاعتبار قد يساهم في تعزيز التحليلات المرتبطة بالعنف ويجعله أكثر شمولية. فوفقًا لموقع NDTV، بحثت دراسة تحليلية حديثة من جامعة “دريكسيل”، ونشرت في مجلة الصحة الحضرية في عام 2017، عن جرائم العنف في فيلادلفيا. وتوصلت الدراسة إلى أن الجرائم العنيفة حدثت في كثير من الأحيان في الأشهر الأكثر دفئًا (من مايو إلى سبتمبر) وكانت الأعلى في الأيام الحارة. كما أشار الموقع أيضًا إلى دراسة نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في عام 2019 تضمنت وضع طلاب الجامعات في كينيا وكاليفورنيا في غرف ساخنة أو باردة وقياس تأثير ذلك عليهم. وتوصلت الدراسة إلى أن “الحرارة تؤثر بشكل كبير على رغبة الأفراد في تدمير أصول المشاركين الآخرين”. 

مجمل القول، إن قضية العنف في الداخل الأمريكي تمثل مسألة في غاية التشابك والتعقيد تعززها مجموعة من المحفزات التي تؤشر إلى صعوبة التوقع بتراجع أو انحسار وتيرتها في المستقبل القريب. وعليه، يبدو أن مسألة مواجهة العنف الداخلي باتت بحاجة إلى استراتيجية أمريكية متعددة الأبعاد، وتحمل هامشًا لا بأس به من المرونة التي تسمح بإعادة النظر فيما تعتبره الولايات المتحدة ثوابت.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية