لن أركز فى هذا المقال على تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ونتائجها، وهل انتهت عملية “الغضب الملحمى” كما أطلقت عليها الولايات المتحدة من عدمه حيث أن هذه الأزمة سوف تنتهي خلال فترة أعتقد لن تطول كثيرًا، ولكن من المهم أن أشير إلى أن كافة الأطراف المباشرة أو المعنية بهذه الحرب بدأت بالفعل فى استخلاص الدروس المستفادة منها، وكيف ستتحرك خلال المرحلة المقبلة التى من المؤكد أنها ستكون مختلفة عما قبلها، وبالتالى من المهم أن نحاول إلقاء نظرة على مواقف مختلف الأطراف وسياساتها المتوقعة فى المستقبل القريب.
وإذا بدأنا بالموقف الإسرائيلى فمن الواضح أن الاهتمام الرئيسى لإسرائيل سوف يركز فى المقام الأول على ضمان إنتهاء التهديد الوجودى الذي تروج له منذ سنوات والمتمثل فى الملف النووى الإيرانى ، وستحرص تل أبيب على أن يظل هذا الملف معلقًا حتى تضمن تمامًا إغلاقه سواء من خلال المفاوضات بين واشنطن وطهران أو باستئناف العمليات العسكرية مرة أخرى، بمعنى أنه إذا لم يتم حل هذه المشكلة النووية فى الوقت الراهن بالشكل المرضي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة فإن الجولة العسكرية القادمة ضد إيران تعد فقط مسألة وقت.
وبالتوازي مع نتائج العمليات العسكرية سوف تسعى إسرائيل لمزيد من بلورة سياسة إقليمية أكثر تأثيرًا على إيران حيث ستحرص على أن تستثمر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج فى محاولة لتكوين جبهة عربية بصفة عامة وجبهة خليجية بصفة خاصة على أن تكون هى جزءًا من هذه الجبهة – قدر المستطاع – بهدف مواجهة هذه الاعتداءات فى حالة تكرارها مستقبلاً إستغلالاً لانهيار عامل الثقة بين إيران ودول الخليج، وسوف يكون هذا التوجه الإسرائيلى أحد المداخل الرئيسية التى سوف تستغلها لتحقيق أهم أهدافها وهو الإندماج الكامل فى المنظومة الإقليمية سواء بجهودها الذاتية أو بدعم أمريكي.
ومن ناحية أخرى لم يصبح من الضرورى أن نراهن على طبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة التي سوف تتشكل عقب الإنتخابات العامة التى من المقرر أن تجرى رسمياً فى أكتوبر من العام الحالى 2026 ، حيث أن أية حكومة قادمة سواء برئاسة بنيامين ناتانياهو أو نفتالى بينيت أو حتى يائير لابيد أو ليبرمان سوف تنتهج نفس السياسات الحالية من حيث رفض إقامة الدولة الفلسطينية وضرورة نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية وتحديدًا حماس وحزب الله كشرط أساسى للانسحاب من قطاع غزة أو الجنوب اللبنانى وحتى من الأراضى التى احتلتها فى سوريا، بالإضافة إلى توافق الجميع على وجوب ضمان عدم امتلاك إيران السلاح النووى بأى وسيلة سياسية أو عسكرية ، إلا أن غياب ناتانياهو عن الساحة السياسية لأى سبب قد يحسن الصورة السلبية العامة لإسرائيل نسبيًا ولكن فى رأيى أن هذا التحسن سيقتصر على الجانب الشكلي فقط وليس على الجانب الموضوعي.
وعلى المستوى الأمريكى أعتقد أن السياسة التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب لن تشهد أى تغيير جوهرى على المستويين الإقليمى والدولى ، وسوف تواصل الولايات المتحدة التحرك انطلاقًا من مبدأ الهيمنة والسيطرة وإستنادًا على القناعة بأن القوة هى التى تحقق السلام بل وتحقق الرخاء الإقتصادى ، كما أنها سوف تحرص على الاستفادة من نتائج هذه الحرب خاصة بالنسبة للسيطرة بأي وسيلة على الممرات المائية الدولية، مع إتباع سياسة أكثر مرونة مع كل من الصين وروسيا بما يدعم الإقتصاد الأمريكى الذى سيصبح أحد أولويات الرئيس ترمب من الآن وحتى إنتخابات التجديد النصفى للكونجرس المقررة فى نوفمبر 2026.
أما فيما يتعلق بالخطة الشاملة التي أعلنها الرئيس ترمب بشأن حل أزمة غزة فى التاسع عشر من سبتمبر من العام الماضى 2025، فبالرغم من تراجع الاهتمام بهذه الخطة إلا أن ترمب سوف يؤكد على ضرورة الاستمرار فى تنفيذها حتى تمثل إنجازًا يضاف إلى مايراه من إنجازات قد حققها فى الشرق الأوسط، ومن المؤكد أن واشنطن سوف تتبنى الموقف الإسرائيلى تمامًا بالنسبة لضرورة نزع سلاح حركة حماس حتى يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة ، وهنا أرى أن الرئيس الأمريكى لن يعارض استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية على ما تبقى من أراضى قطاع غزة لتحقيق هذا الهدف إذا فشلت الجهود السياسية التى تسعى إلى نزع سلاح حماس بطريقة سليمة وآمنة ومتفق عليها.
وإذا انتقلنا إلى الموقف الإيرانى ففى التقدير أن إيران سوف تتحرك خلال المرحلة المقبلة على ثلاثة محاور رئيسية: الأول يتمثل فى التأكيد على أنها أصبحت من الناحية العملية قوة إقليمة مؤثرة فى المنطقة من خلال نجاحها فى مواجهة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبالتالى أصبحت قادرة على مواجهة أى قوى أخرى فى حالة الضرورة، أما المحور الثانى فهو محاولة إعادة الثقة التى فقدت تماماً مع كافة دول الخليج نتيجة اعتداءاتها المتكررة وغير المبررة عليها، أما المحور الثالث فهو العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة المختلفة التى تم تدميرها خلال الحرب وما يتطلبه ذلك من تعاون وتنسيق إقليمى ودولى وهو ماسوف يفرض عليها إنتهاج سياسات مرنة بصفة عامة.
وفى رأيي أن نجاح إيران فى التحرك بإيجابية على هذه المحاور الثلاثة المشار إليها سوف يعتمد على طبيعة السياسات التى من المقرر أن تنتهجها على مستوى المنطقة بصفة خاصة وطبيعة رسائل الثقة التى سوف تخرج من النظام الإيرانى بكافة مكوناته ومدى تطبيق هذه الرسائل على أرض الواقع، بالإضافة إلى مدى قناعة وقابلية هذا النظام بأن يندمج بشكل طبيعى مع الدول العربية ويتخلى تماماً وبصورة جادة لامواربة فيها عن الطموحات غير المشروعة والمرفوضة التى تشكل فى مجملها تهديداً لدول الجوار ، وأعتقد أن هذا هو التحدى الحقيقى والرئيسى للنظام الإيرانى فى مرحلة ما بعد الحرب وسنرى هل سينجح فى ذلك من عدمه .
ومن ناحية أخرى فمن المؤكد أن دول الخليج العربى التى تأثرت بشكل واضح وغير مسبوق من جراء هذه الحرب بل وتفاجأت بتداعياتها، سوف تكون أكثر الأطراف الجادة التي ستستخلص الدروس المستفادة من الحرب، كما ستكون أكثر حرصًا على أن تتحرك داخليًا وخارجيًا بالشكل الذى يحقق لها ثلاثية الأمن والاستقرار والتنمية، بالإضافة إلى أنها ستقوم بتحديد واضح وغير مسبوق لأسس جديدة للتعامل الخليجى الإيجابى والفعال فى حالة إذا ما تجددت هذه الاعتداءات الإيرانية فى أية مرحلة قادمة.
وبالنسبة للموقف العربى فمن المفترض أن هذه الحرب لابد أن تكون قد دفعت الدول العربية إلى أن تنتقل من مجرد الحديث عن أهمية العمل العربى المشترك إلى التفعيل الحقيقى لهذا العمل فى كافة المجالات الممكنة وذلك بالتوافق أو بالأغلبية وليس بالضرورة بالإجماع خاصة وأن التحديات والتهديدات التى ستشهدها المنطقة فى الفترة القادمة ستكون مختلفة تمامًا عن المراحل السابقة وستطرق هذه المخاطر كل الأبواب العربية دون استثناء.
وفي هذا المجال من المهم أن ننبه إلى التحركات المتوقعة من بعض الأطراف وخاصة إسرائيل وتوجههم لتحقيق مصالحهم فى المنطقة حتى على حساب المصالح العربية، وهو الأمر الذى يتطلب رؤية عربية أكثر فاعلية وواقعية وعملية تقفز على العواطف والحساسيات وتستهدف التعامل مع طوفان المرحلة المقبلة بأكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الخسائر.
الخلاصة تشير إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومانجم عنها من نتائج تؤكد أن هذه الحرب كانت خطوة فارقة بين مرحلة وأخرى وأدت إلى حدوث متغيرات قد لاتكون كلها فى الحسبان ولكنها فى النهاية دقت ناقوس الخطر بأن منطقة الشرق الأوسط دخلت ليس فقط فى حزام المخاطر ولكنها دخلت فى مرحلة بدء تنفيذ بعض المشروعات المشبوهة التى لن تنجح أية دولة عربية وحدها فى التصدى لها مهما كانت قوتها وعلاقاتها ومن ثم لابديل عن الجهد العربى الذى يستشعر حقيقة وجدية هذه المخاطر وهذا هو طريق النجاح لإفشال المشروعات التى تستهدف فى مجملها هدم أو إضعاف القوى أو القوة العربية لصالح أطراف أخرى.
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
