نُشر في 20 أبريل الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يظهر فيه جندي من الجيش الإسرائيلي وهو يحطّم تمثال المسيح في إحدى قرى جنوب لبنان. في البداية، صرّح الجيش بأنه سيقوم بالتحقق من مصداقية التسجيل، ثم أعلن لاحقًا أن الفيديو حقيقي وأن الحادثة تُعد خطيرة.
أدى هذا التوثيق إلى إلحاق ضرر دولي بالغ بإسرائيل، ما دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إصدار تصريح مفصل بالإنجليزية حول الواقعة — وهو ما لم يفعله عند نشر مقاطع فيديو أخرى مثيرة للجدل للجنود خلال الحرب. وقال نتنياهو: “بصفتنا دولة يهودية، تقدر إسرائيل وتحافظ على القيم اليهودية المتمثلة في التسامح والاحترام المتبادل بين اليهود وأتباع جميع الديانات. تزدهر جميع الديانات في أرضنا، ونرى في أتباع جميع المعتقدات شركاء متساوين في بناء مجتمعنا ومنطقتنا. مثل الغالبية العظمى من الإسرائيليين، شعرت بالذهول والحزن لسماع أن جنديًا من الجيش الإسرائيلي أساء إلى رمز ديني في جنوب لبنان، وأدين هذا الفعل بشدة”.
ومع مرور أكثر من أسبوعين على تلك الواقعة، إلا أنه برز في الإعلام الإسرائيلي مقالًا منشورًا في مركز سياسات الشعب اليهودي JPPI، وفي صحيفة “هآرتس”، بعنوان “نتيجة الجهل” للبروفيسور ميخال بار-أشير سيجل، أستاذة في قسم الفكر الديني اليهودي بجامعة بن جوريون ومتخصصة في دراسات التلمود، وتشغل أيضًا منصب نائبة رئيس الجامعة. وقد علّقت في مقالها على واقعة تحطيم التمثال قائلة: “هذا الانحراف الأخلاقي ينبع أولًا وقبل كل شيء من جهل عميق. كثير من الإسرائيليين لا يعرفون ديانات أخرى سوى اليهودية، ولا يتعرضون للنصوص المؤسسة لها، ولا يفهمون أهميتها لمعتنقيها. الجهل يؤدي في كثير من الأحيان إلى سلوكيات وحشية تجاه الرموز المقدسة لديانات أخرى. فالحل لمثل هذه الأحداث، إلى جانب العقاب، يجب أن يكون تعليميًا أيضًا. إسرائيل بحاجة ماسة إلى إدخال التعليم الديني بشكل منهجي في المدارس — ليس كإثراء جانبي، بل كجزء من المنهج الأساسي. التعرف على المعتقدات الأخرى، ونصوصها المؤسسة، وممارساتها ليس ترفًا بل شرط أساسي لمجتمع يسعى للعيش بالاحترام، لا بالجهل”[1].
هنا تزعم ميخال بر-أشير أن سلوك الجندي الذي استهدف تمثال المسيح بالتحطيم ما هو إلا نتاج “فراغ معرفي” وجهل مطبق برموز الديانة المسيحية وقيمها. وهو ما يطرح سؤالا جاداً حول ما إذا كان سلوك هذا الجندى يرتبط بجهله كما إفترضت البروفيسورة الإسرائيلية، أم أنه ترجمة فعلية لعلمه بالشريعة اليهودية والتعليم والتعبئة الفكرية والأيديولوجية التي يتلقاها منذ مولده.
إن تحطيم التمثال ليس غياباً للمعرفة، بل هو تطبيقٌ ميداني لعلم شرعي رسمي بالدولة، يرى في هذه الرموز “أوثانا” يجب استئصالها، وفي أصحابها “مضللين” تجب مخالفتهم. الجندي الذي رفع مطرقته لم يكن يتصرف بعشوائية الجاهل الذي لا يدري ما يفعله، بل كان يتصرف بوعي، وعيٌ تشكل في أحضان نصوص تلمودية تعتبر المسيحية والمسيح موضعاً للازدراء والإنكار.
وفى هذا الإطار، نجد أن علماء التلمود أنفسهم قد وجهوا الإساءة إلى المسيح، وأطلقوا عليه عدة ألقاب مهينة؟ وأكثرها شيوعًا لقب “ישו” (يشو)، حيث ورد في باب سنهدرين: “قال السيد بن برحيا: {يشو} سحر وأغوى وضلل بني إسرائيل“. هذا اللقب يُعد اختصارًا لعبارة “ימח שמו וזכרו”، أي “ليمحَ اسمه وذكره[2].
كما أطلق علماء التلمود على السيد المسيح لقب “בן סטדא” بن سطدا؟ فجاء في باب السبت: “جاء في برايتا: قال الربّي إليعزر للعلماء، ألم يأتِ بن سطدا بالسحر من مصر واضعًا خدوشًا على جسده”. فكلمة סטדא سطدا هي كلمة آرامية مركبة من סטת، فعل ماضٍ بمعنى “مال وانحرف وجنح”، وדא، اسم إشارة للمفرد المؤنث. وبالتالي، تعني كلمة סטדא “تلك التي جنحت”. وفي التقاليد اليهودية، يُقصد بالـ”جانحة” المرأة التي يثير سلوكها شكوك زوجها، دون أن يكون هناك دليل على ارتكابها الزنا. وتشير هذه التسمية إلى مريم أم السيد المسيح، ولذلك أطلق علماء التلمود على يسوع لقب “بن سطدا” أي “ابن المرأة المشكوك في سلوكها”، كإهانة لشخصه.
وقد اعتبروا كذلك أن السيد المسيح وصمة عار وخزيًا له ولأهله؟ حيث جاء في باب الأدعية، وكذلك في باب مجلس القضاء الأعلى: “لن يكون لك ابن أو تلميذ ألحق الخزي والعار بنفسه علنًا مثل يشو الناصري”[3]. ألم يتهم علماء التلمود المسيح بالسحر، وأنه تعلم السحر من مصر، فجاء في باب السبت: “ألم يأتي بن سطدا بالسحر من مصر واضعا خدوشا على جسده”؟[4]
ولم تتوقف إساءات علماء التلمود عند شخص المسيح لكنها طالت أيضًا العقيدة المسيحية، حيث أطلقوا عليها لقب “דברים בטלים” أباطيل؟ فقد جاء في باب العبادات الأجنبية: “قرر العلماء: عندما قُبض على الربّي إليعزر بتهمة اعتناق المسيحية، صُعد إلى المنصة لمحاكمته، وقال له القاضي: “كيف لعاقل مثلك أن يشغل نفسه بتلك الأباطيل؟!“[5].
كما أطلقوا على الأناجيل في نفس الموضع أسماء مهينة، واعتبروها “صفحات الخديعة” و”صفحات الإثم”؟ فقد جاء: “الربّي ميئير كان يطلق على الإنجيل لقب صفحات الخديعة אווןגליון، بينما كان الربّي يوحنان يطلق عليه لقب صفحات الإثم עווןגליון”.[6]

وأخيرًا، نذكر أن المتنصر اليهودي نيقولاس دونين (1236–1238م) قد قدّم للبابا جريجوريوس التاسع، بابا الكنيسة الكاثوليكية، مادة تلمودية مترجمة إلى اللاتينية، تُدين التلمود باعتباره كتابًا معاديًا للمسيحية وسببًا أساسيًا في التطرف الديني لدى اليهود؟
وبالتالي، ليس من المستغرب أن يخرج علينا بن تسيون جوبشتاين، رئيس منظمة “لهافا” وصديق إيتمار بن جفير، داعيًا إلى منع الاحتفال بعيد الميلاد، ومشبّهًا المسيحيين بـ”مصاصي الدماء” ومطالبًا بـ”طردهم” من إسرائيل[7]. بل وصل تطرفه إلى حد التحريض على إحراق الكنائس، مستندًا في ذلك إلى وصايا حاخامات دعوا إلى القضاء على عبادة الأوثان[8].
وليس من المستغرب أن يتعرض المسيحيون في القدس لهجمات من مستوطنين إسرائيليين، فقد شهد أكتوبر 2023 انتشار عدة مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر مجموعة من المستوطنين يبصقون على المسيحيين أثناء عبادتهم دون سبب واضح[9].

كما أن مشهد تحطيم تمثال المسيح لا يُعد حادثًا فريدًا، فهو تكرر لوقائع عديدة داخل الأراضى المحتلة منها ما وقع في فبراير 2023 عندما اقتحم مستوطن كنيسة “حبس المسيح” في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، وقام بتحطيم بعض محتوياتها، بما في ذلك تمثال المسيح، وحاول إشعال النار فيها[10]

إن مشهد الجندي الذي يحطم رمزًا دينيًا ليس حدثًا عشوائيًا، بل هو نتيجة طبيعية للنظام التعليمي الذي يبدأ بتشكيل وعي الطفل منذ مرحلة الحضانة ويستمر معه حتى ارتدائه الزي العسكري. فمن خلال متابعة مستويات التعليم في إسرائيل، يظهر تأثير ذلك بشكل واضح.
في التعليم الحريدي يبدأ الطالب دراسة التلمود من مرحلة التعليم الأساسي “בית ספר יסודי” وتحديدا في الصف الثالث الابتدائي، ويستمر في دراسة مكثفة للسنوات اللاحقة لنصوص تصنف الآخر كـ”عابد أوثان” أو تحتقر معتقدات غير اليهود. هذه الدراسة المكثفة تشكل وعي الطالب على أن إزالة هذه الرموز من الأرض هو تطبيق شرعي وليست جريمة كراهية، لتصبح وقتها مطرقة الجندي مجرد أداة لتنفيذ ما رسخ في ذهنه منذ الطفولة.
أما في قطاع التعليم الديني الرسمي، فيعتبر هذا التعليم أخطر ميدانيًا، لأنه يجمع بين النص التلمودي والخدمة العسكرية. ويبدأ الطلاب بدراسة “نصوص المشنا” ثم “نصوص الجمارا” في المرحلة الإعدادية “חטיבת ביניים”، ويخرج الجندي من هذه الدوائر ليعتبر الجبهة العسكرية، سواء في لبنان أو غزة، امتداد لساحة الدراسة “بيت المدراش”. فالنسبة له، تحطيم تمثال أو الاعتداء على كنيسة لا يُعد خروجًا عن النظام العسكري، بل امتثالًا للنص الديني الذي تعلّمه منذ الصغر.
حتى في المدارس العلمانية، يُدرَّس التلمود كجزء من “الثقافة اليهودية” وربطه بالهوية والأرض. ورغم أن المنهج قد يكون أدبيًا أو فلسفيًا، إلا أنه يكرس فكرة التفوق الثقافي والارتباط الحصري بالأرض. وهذا النوع من التعليم ينتج جنديًا “علمانيًا” قد لا يحركه دافع ديني بحت، لكنه يمتلك الحصانة الأخلاقية تجاه المساس بمقدسات الآخر.
ومن هنا نقول أن تحطيم تمثال المسيح في جنوب لبنان ليس زلّة ناتجة عن نقص المعرفة، بل هو تطبيق عملي لتربية دينية تشربت نصوصاً تلمودية ترى في الآخر الديني عدواً وفي رموزه أباطيل. إن دعوة البروفيسور ميخال إلى إدخال التعليم الديني في المدارس كحلّ للأزمة تبدو قاصرة، فالمشكلة ليست في غياب الدين عن المنهج، بل في نوع الدين الذي يُدرس والمواقف التي تُبنى تجاه الآخر. فالجندي لم يحطم التمثال لأنه لا يعرف من هو المسيح، بل لأنه يعرف جيداً ما قاله الحاخامات عنه، مما يجعل الفعل علماً بالشريعة، لا جهلاً بها.
[1] https://jppi.org.il/he/%D7%96%D7%95-%D7%AA%D7%95%D7%A6%D7%90%D7%94-%D7%A9%D7%9C-%D7%91%D7%95%D7%A8%D7%95%D7%AA/
[2] אורה לימור, בין יהודים לנוצרים, יהודים ונוצרים במערב אירופה עד ראשית העת החדשה (ישראל: האוניברסיטה הפתוחה, 1997) , 394.
[3] סנהדרין דף קג,א גמרא – ברכות דף יז,א – ב גמרא
[4] שבת דף קד,ב גמרא
[5] עבודה זרה דף טז,ב – יז,א גמרא
[6] שבת דף קטז,א גמרא
[7] https://www.haaretz.co.il/news/law/2015-12-21/ty-article/0000017f-dba3-d856-a37f-ffe3199f0000
[8] https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4689650,00.html
[9] https://english.wafa.ps/Pages/Details/137895
[10] https://wafa.ps/Pages/Details/65036