وحدة الدراسات العربية والإقليمية

بدائل محدودة… خيارات تركيا لمواجهة الأزمة الاقتصادية

ترزح تركيا تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة تمثل اختبارًا صعبًا لأردوغان، لا سيمَّا أن السياق التاريخي لاعتلاء حزب العدالة والتنمية الحكم كاشفًا لدور الأزمات الاقتصادية المُحدد لمستقبل الأنظمة السياسية التركية؛ فقد شهدت انتخابات 2002 تصويتًا مكثفًا للحزب مدفوعًا بعوامل اقتصادية تتعلق بانخفاض قيمة الليرة بنسبة 100% مقابل الدولار وارتفاع أسعار الفائدة الحاد خلال عهد رئيس الوزراء بولنت أجاويد، وكان هذا كفيلًا بإنهاء المسيرة السياسية للحزبين الحاكمين. المشهد ذاته تكرر على خلفية الأزمة الاقتصادية الأولى عام 1994 التي أسقطت الائتلاف الحاكم بعدما فشلت حكومة رئيسة الوزراء تانسو تشيلر في احتواء أزمة اقتصادية حادة عكسها فقدان الليرة 160% من قيمتها وارتفاع عجز…

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

ترزح تركيا تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة تمثل اختبارًا صعبًا لأردوغان، لا سيمَّا أن السياق التاريخي لاعتلاء حزب العدالة والتنمية الحكم كاشفًا لدور الأزمات الاقتصادية المُحدد لمستقبل الأنظمة السياسية التركية؛ فقد شهدت انتخابات 2002 تصويتًا مكثفًا للحزب مدفوعًا بعوامل اقتصادية تتعلق بانخفاض قيمة الليرة بنسبة 100% مقابل الدولار وارتفاع أسعار الفائدة الحاد خلال عهد رئيس الوزراء بولنت أجاويد، وكان هذا كفيلًا بإنهاء المسيرة السياسية للحزبين الحاكمين. المشهد ذاته تكرر على خلفية الأزمة الاقتصادية الأولى عام 1994 التي أسقطت الائتلاف الحاكم بعدما فشلت حكومة رئيسة الوزراء تانسو تشيلر في احتواء أزمة اقتصادية حادة عكسها فقدان الليرة 160% من قيمتها وارتفاع عجز الميزانية.

وقياسًا على ذلك، تتوقع الأوساط السياسية هزيمة مشابه لحزب العدالة والتنمية وشريكه الحكومة حزب الحركة القومية اليميني المتطرف خلال الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية المُقررة عام 2023، بحيث يفقدون قدرتهم على تشكيل حكومة أغلبية منفردين، خاصة أن قياسات الرأي العام تشير لانخفاض حاد في تأييد الائتلاف الحاكم “تحالف الشعب” ليصل إلى 37.8% في المتوسط بما يمثل تراجعًا حادًا عن نسبة 53.6% التي أحرزها في انتخابات 2018، مقابل ارتفاع تأييد تحالف الأمة الذي يضم أحزاب (الشعب الجمهوري – الشعب الديمقراطي – الخير – السعادة) إلى 42.57%.

أزمة ضاغطة

دفعت سياسة أردوغان التدخلية ونظريته الاقتصادية المنافية للنظريات الاقتصادية التقليدية – التي أطلق عليها الخبراء مسمى أردوغانوميكس – القائمة على فكرة أن خفض أسعار الفائدة سيؤدي لخفض التضخم، بقيمة العُملة ومعدل التضخم إلى مستويات خطيرة؛ فقد فقدت الليرة أكثر من 40% من قيمتها منذ بداية العام ليتم تداولها عند 15.45مقابل الدولار، وتبعها ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 21.31% بحسب التقديرات الرسمية، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع الأساسية مما يجعل الواردات والوقود والسلع اليومية أكثر تكلفة في بلد تعتمد على استيراد 70% من المواد الخام. وفي غضون ذلك، ارتفعت الإيجارات وأسعار المنازل بنسبة 35%. علاوة على ذلك، ترتبط أزمة العملة بمسألة الديون إذ إن نسبة كبيرة منها بالعملات الأجنبية ويجعل ضعف الليرة خدمة هذه الديون صعبة لاسيمَّا أن أنقرة مقبلة على تسديد 168 مليار دولار من ديونها الخارجية البالغة 422 مليار دولار خلال الأشهر الـ 12 المقبلة. 

ويُصر أردوغان على سياسة الخفض بدعوى المساعدة في تحفيز النشاط الاقتصادي لاسيمَّا في قطاعي العقارات والبناء وزيادة الصادرات، ومع ذلك، فإن المصنعين الأتراك يعتمدون على المواد المستوردة بالعملات الأجنبية وبالتالي امتصاص الزيادات في الأسعار خلال دورة الإنتاج. علاوة على ذلك، يروج أردوغان بأن تقلب العملة جزء من “حرب التحرير الاقتصادي” التي من شأنها أن تجعل تركيا في نهاية المطاف أكثر قدرة على المنافسة كمركز لسلاسل التوريد وجذب الشركات والمصانع الأجنبية استفادةً من انخفاض تكاليف العمالة وقربها النسبي لأوروبا، لكن هذا يتطلب بيئة أعمال أكثر استدامة لجذب المستثمرين والتركيز على استقرار الأسعار وبرامج تعليمية مستدامة لدعم قوة عاملة عالية المهارات.

ولعبت العوامل السياسية الداخلية والخارجية المتعلقة بالانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2018 ومنح الرئيس سلطات مهيمنة في المجالات كافة وفقدان استقلالية المؤسسات الاقتصادية كالبنك المركزي ووزارة المالية، والمأزق الجيوسياسي الذي وجدت فيه أنقرة مصالحها متداخلة مع المصالح الغربية والشرق أوسطية والآثار المترتبة على الأزمات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والأمنية، وارتهانها لعزلة إقليمية ودولية عكستها التحالفات الكبيرة المناهضة لها التي شكلتها دولًا كانت حليفة لأنقرة يومًا ما، وفشل الأخيرة في استبدال حلفائها التقليديين بآخرين جدد وبالأخص روسيا كونهما على طرفي النقيض بشأن المسائل السورية والليبية والأذرية والأوكرانية، دورًا مفاقمًا للأزمات الاقتصادية التي تأثرت أيضًا بتداعيات جائحة كورونا.

ونتيجة لذلك، تعالت الأصوات المناهضة لاستمرار حكم أردوغان على الصعيدين الشعبي والحزبي؛ فبينما اندلعت مظاهرات مطالبة باستقالة أردوغان وحكومته في إسطنبول وأنقرة ومدن أخرى، طالبت أحزاب المعارضة بإجراء انتخابات مبكرة والتوحد خلف مرشح وحيد على غرار سيناريو الانتخابات المحلية لعام 2019، وأظهرت استطلاعات الرأي تدهورًا غير مسبوق لشعبية الائتلاف الحاكم “تحالف الشعب” لتصل إلى 37.8% في المتوسط نزولًا من نسبة 53.6% التي أحرزها في انتخابات 2018 بما لا يؤهله لتشكيل حكومة بمفرده، مقابل تصاعد شعبية تحالف الأمة أحزاب (الشعب الجمهوري، الشعب الديمقراطي، الخير والسعادة) إلى 42.57%.

وفي استجابة مندفعة وغير محسوبة العواقب، اتبع أردوغان استراتيجية “الهروب إلى الخارج” – التي غالبًا ما يلجأ إليها النظام عند تأزم الموقف الداخلي – بافتعال أزمة دبلوماسية تتعلق بمحاولة طرد سفراء 10 دول غربية تتقدمهم الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا والدنمارك وهولندا والنرويج والسويد وفنلندا ونيوزيلندا بعد دعوتهم لإطلاق سراح الناشط عثمان كافالا، لحشد الدعم المحلي وتقديم نفسه باعتباره “رجل تركيا القوي” الذي لن يتسامح مع الانتقادات والضغوط الغربية وهي ورقة تستقطب العديد من الأتراك القوميين، لكنه سرعان ما تراجع مدفوعًا بإدراك حقيقة أن عدائه سيفضي إلى مستوى منخفض جديد لعلاقات أنقرة الهشة بالفعل مع العديد من الدول الغربية، ويُمثل خطوة إضافية لعزل البلاد دوليًا، علاوة على أنه لم يجد المردود المأمول لدى المعارضة التي اتهمته بخلق أعذار لانهيار الاقتصاد الذي دمره هو بنفسه.

بدائل محدودة التأثير

مثلما ساعدت العوامل السياسية كالتحول الاستبدادي والانتقال لنظام الهيمنة الفردية داخليًا وتبني سياسة تدخلية خشنة خارجيًا، وهي المرحلة التي تصفها التقديرات السياسية بمرحلة الاستقلالية عن الحلفاء التقليديين واعتماد سياسة مصلحية بحته، تركيا على تحقيق مكاسب استراتيجية على بعض الساحات الإقليمية كسوريا وليبيا وناجورنو كاره باخ ومكنتها من تطوير ترسانتها العسكرية، فإنها رتبت أعباء اقتصادية باهظة مرتبطة بتمويل المغامرات العسكرية والعقوبات الأمريكية والأوروبية وعدم التوصل لاتفاقيات بشأن الموارد الكربوهيدراتية لشرق المتوسط والإصرار على عمليات التنقيب غير المشروعة. وعليه، كانت الأدوات السياسية حاضرة في قلب محاولات الإنعاش الاقتصادي   

كسر العزلة الإقليمية: تبنت أنقرة خطوات تصالحية تجاه الدول العربية والإقليمية ذات الثقل السياسي والاقتصادي بعدما كلفها نهج العسكرة والتوجه التوسعي خسائر باهظة، وأعطى اتفاق العُلا الموقع في يناير 2021 دفعة لتهدئة النبرة العدائية واتخاذ خطوات تدريجية لاختراق الجمود والتمهيد لدفع العلاقات الثنائية قدمًا وفتح آفاق جديدة للتنسيق على أساس قاعدة تقبل التباينات المصلحية بشأن بعض القضايا وتجاوزها للتركيز على المصالح المشتركة لبناء مناخات تصالحية تحقق التنمية الاقتصادية بديلًا من التنافس والصراع. 

وقد توجت محاولات كسر العزلة بزيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد لأنقرة بعد فترة طويلة من العلاقات المجمدة؛ إذ قرر الجانبان فصل المساران السياسي والاقتصادي بحيث لا يؤثر الأول على المضي قدمًا بخطوات سريعة نحو اغتنام الفرص الواسعة التي يتيحها التعاون الاقتصادي في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والصحة، لذلك، شهدت الزيارة المذكورة تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا وتوقيع 10 اتفاقيات في مجالات الطاقة والبيئة والتمويل والتجارة، وتمثل الإمارات سوقًا واعدًا للصادرات التركية التي بلغت 9.2 مليار دولار عام 2017 لكنها انخفضت إلى 2.1 مليار دولار عام 2018، كما أنها سوقًا للشركات التركية التي امتلكت 100 مشروع بقيمة 8.5 مليار دولار حتى عام 2013.

ويُمهد هذا التقارب لخطوات مماثلة مع السعودية ومصر وإسرائيل يتطلع أردوغان لأحرازها بحلول مطلع العام المقبل 2022 حيث استبقها بمبادرات لإبداء حسن النية واستمرار الاتصالات رفيعة المستوى لفتح قنوات دبلوماسية. ورغم اتخاذ العلاقات الاقتصادية مع مصر وإسرائيل منحى ثابتًا وربما صاعدًا بعكس الجمود السياسي، إلا أن أنقرة تنظر للبلدين من زاوية مركزيتهما في الصراع على احتياطات غاز شرق المتوسط ذا الأهمية المحورية في تطلعها للعمل مركزًا للتداول الطاقة. 

ومع ذلك، يجب التأكيد على أن سياسة الانفتاح الإقليمي ليست قاصرة على البُعد الإقليمي وإنما مدفوعةً أيضًا بحسابات جيوسياسية معقدة ترتبط بتغير موازين القوى الإقليمية وميلها لصالح إيران والسعودية والإمارات بالتزامن مع تحولات المشهد الإقليمي التي تنذر بتنسيق أمريكي-روسي بشأن التسويات المحتملة في الشرق الأوسط وفق قاعدة “رابح-رابح” وتجاهل المصالح التركية. 

الانخراط في تكتلات إقليمية ذات أبعاد اقتصادية: اتجهت أنقرة للانخراط في شراكات متعددة الأطراف تفتح أمامها أسواقًا جديدة، منها على سبيل المثال إعلان تحويل المجلس التركي لمنظمة الدول التركية خلال أعمال القمة الثامنة لدول المجلس في 12 نوفمبر، والذي إلى جانب دوره في تحقيق التوازن والأمن الجيوسياسي بمنطقة آسيا الوسطى، فإنه يحمل أبعادًا تكاملية اقتصادية واضحة عكستها “رؤية العالم التركي – 2040″ و”استراتيجية – 2026” اللتان أقرتهما القمة وتُظهران رغبة الأطراف في تحقيق التكامل التجاري الكامل، وإنشاء مساحة استثمارية واحدة، وتحقيق التكامل الرقمي، ورفع مستوى النقل وتوصيل الطاقة والتنقل داخل المنطقة، لا سيمَّا أن دول المنظمة تمثل سوقًا كبيرًا يبلغ عدد سكانه أكثر من 250 مليون نسمة، ويزيد إجمالي ناتجه المحلي على 3.8 تريليون دولار، وحجم تجارته البينية نحو 9 مليارات دولار في عام 2019، بينما يبلغ حجم تجارته في الاقتصاد العالمي 536 مليار دولار.

علاوة على ذلك، اقترحت أنقرة إنشاء تكتل اقتصادي إقليمي يضم أيضًا إيران والعراق لرفع مستويات التنسيق الاقتصادي والتبادل التجاري، فمن ناحية تطلع تركيا لرفع قيمة التبادل التجاري مع بغداد إلى 50 مليار دولار سنويًا من 21 مليار دولار حاليًا. ومن جهة أخرى، تبرز إيران شريكًا تجاريًا مهمًا حال رفع العقوبات الأمريكية مع العودة المتوقعة للاتفاق النووي بما يعني فتح السوق الإيراني الضخم أمام الاستثمارات والبضائع التركية، وجعلها بوابة إلى دول الخليج، لا سيمَّا أن البلدين يطلعان لزيادة حجم التبادل التجاري لنحو 30 مليار دولار سنويًا ارتفاعًا من 10 مليارات دولار، كذلك تطمح أنقرة لزيادة واردات الغاز الطبيعي الإيراني ضمن سياسة تنويع الواردات بعيدًا عن موسكو، ومع ذلك، يواجه هذا التكتل عقبات لعل أخطرها تضارب المصالح الاستراتيجية والاقتصادية بين البلدين داخل العراق نفسه.

توظيف مخرجات حرب ناجورنو كره باخ: إلى جانب المصالح الجيوسياسية المرتبطة بدعم تركيا لأذربيجان خلال حرب ناجورنو كره باخ الأخيرة، فإن السلوك التركي اكتسب بُعدًا اقتصاديًا يتعلق بموقع أذربيجان كبوابة تتيح لأنقرة تعزيز وجودها الاقتصادي في آسيا الوسطى الذي لا يزال منخفضًا ويضعها على طريق خطوط التبادل التجاري والربط الطاقوي بالمنطقة؛ حيث يتيح إنشاء ممر زانجيزور بين باكو وإقليم ناختشيفان عبر منطقة سيونيك الأرمينية وإنشاء تركيا خط سكة حديد “قارص-ناختشيفان” كامتداد له وإمكانيه ربط الأخير بخط سكة حديد “باكو-تبليسي-كارس”، بما يجعل أنقرة جزءًا من شبكة النقل في بحر قزوين بما في ذلك ممر النقل الأوسط “بين الشرق والغرب” وممر النقل الدولي “بين الشمال والجنوب”، بحيث تصبح أحد نقاط الربط بين آسيا وأوروبا ويضعها على مسار طريق الحرير الصيني.

الأمر الآخر المترتب على نتائج الحرب هو جعل تركيا دولة عبور مهمة لنقل الغاز الآسيوي إلى الأسواق الأوروبية لمنافسة الغاز الروسي بما يخدم طموحها للتحول لمركز إقليمي لتداول ونقل الطاقة، إذ تعمل أذربيجان كنقطة انطلاق لخطي أنابيب لنقل والنفط والغاز إلى تركيا ومنها إلى العالم الخارجي، وهما خط أنابيب النفط “باكو-تبليسي-جيهان”، الذي ينقل نحو 600 ألف برميل يوميًا من الخام الأذري الخفيف عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط للتصدير. والثاني هو خط أنابيب غاز “باكو-تبليسي-أرضروم” المعروف بخط أنابيب “جنوب القوقاز”، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من نظام خطوط الأنابيب الأكبر الذي يعبر ستة بلدان والمعروف باسم “ممر الغاز الجنوبي”، حيث جرى ربطه بخط الأنابيب الغاز العابر للأناضول “تاناب”، ومن المقرر ربطه بخط أنابيب عبر البحر الأدرياتيكي يمتد بين اليونان وألبانيا وإيطاليا.

اللجوء لأدوات السياسة النقدية: ويشمل ذلك بيع احتياطات النقد الأجنبي ورفع أسعار الفائدة وفرض ضوابط على رأس المال بمعنى منع هروب العملات الأجنبية للخارج. وبالفعل، لجأ البنك المركزي التركي للخيار الأول لوقف نزيف الليرة التي استقرت وقتيًا عند 13 دولارًا لتعاود مجددًا الانخفاض التاريخي مدفوعةً بالإصرار على سياسية خفض سعر الفائدة، والخروج الجماعي لرأس المال الأجنبي والاندفاع في الطلب على العملات الأجنبية بين المستثمرين المحليين، وتراجع السياحة، وهروب المستثمرين الناجم عن حالة اللايقين والتخبط، واتجاه المواطنون لتحويل مدخراتهم إلى العملات الأجنبية والذهب لحمايتها من ارتفاع التضخم. 

ختاما، لا تزال السياسات التركية لاحتواء الأزمة الاقتصادية مؤقتة التأثير ومحدودة الفاعلية، وفي بعض الأحيان منعدمة، ويظل ضمان استقلالية المؤسسات المالية والنقدية وتبني نهجًا اقتصاديًا علميًا يتعلق برفع سعر الفائدة الضمان الوحيد لكسر حدة الأزمة واتخذها منحى إيجابي، فوفقًا للخبرة التاريخية أدت سياسة رفع أسعار الفائدة التي تبناها البنك المركزي عام 2018 –بعكس رغبة أردوغان– لخفض معدلات التضخم إلى 8.55% في أكتوبر 2019 نزولًا من 25.24% في أكتوبر 2018. 

أما سياسيًا، فإن التخلي عن المشاريع العقائدية التوسعية بمحطاتها السورية والليبية والعراقية وفك ارتباطها بمكانة تركيا الإقليمية، ومراجعة الأساليب التدخلية الخشنة التي حكمت السياسة الخارجية منذ عام 2014، والعودة لمفاهيم حقبة أحمد داوود أوغلو – مرحلة الانفتاح الليبرالي – القائمة على تفعيل سياسية خارجية إيجابية هادفة لتعزيز الثقة بتركيا ورفع مستويات التكامل الإقليمي ارتكانًا إلى أساليب القوة الناعمة ومفاهيم الديمقراطية والعلمانية، لهو السبيل الوحيد لتخفيف الأعباء الاقتصادية الباهظة للمغامرة الإقليمية التركية التي فشلت في تحقيق أهدافها، ويبدو أن هذا ما أدركه أردوغان مؤخرًا بمحاولته طي صفحات الخلاف والعودة تدريجيًا إلى “صفر مشاكل” مع إدارة التباينات المصلحية الطبيعية. 

ولعل القضيتان السورية والليبية هما البوابتان الحقيقيتان لتصفير الخلافات الإقليمية؛ فالانخراط في مصالحة حقيقية مع نظام الرئيس بشار الأسد تُفضي إلى تسويات مقبولة بشأن مناطق الشمال السوري وقضية اللاجئين، وسحب القوات التركية والمرتزقة من شمال سوريا وليبيا (كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان صدور أوامر لـ 2000 مرتزق من أصل 7 آلاف في ليبيا بالعودة إلى سوريا عقب الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية مع مصر)، سيعيدان الوضع إلى ما قبل 2014 ويتيح للشركات التركية المشاركة في عمليات إعادة الأعمار. ومع ذلك، يُهدد استمرار سياسته العدائية تجاه حلفاء الناتو التقليديين والميل للانخراط في علاقات تعاونية عسكرية مع روسيا والصين بتقويض جهود كسر العزلة عربيًا وإقليميًا والانتقال لمرحلة أشد وطأة في ظل عزلة وربما عقوبات أمريكية أوروبية.

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية