تشارك تركيا، إلى جانب مصر وباكستان، في قيادة جهود وساطة دبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة لخفض مستوى التصعيد في الشرق الأوسط، وبينما لا تزال هذه الجهود محصورة في تبادل الرسائل بهدف استكشاف المواقف وتحديد شروط التفاوض، دون الانتقال إلى مرحلة الجولات التفاوضية الجدية، فقد أحرزت تقدمًا جزئيًا تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد مهلة توجيه ضربات ضد محطات الطاقة الإيرانية والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام إضافية اعتبارًا من 23 مارس 2026، ورغم الهشاشة الشديدة للمهلة فإنها تكشف عن حراك إقليمي واسع لاحتواء الموقف، تتحرك من خلاله تركيا وفق مسارين رئيسيين؛ أحدهما: توسيع الحوار الدبلوماسي مع أطراف الأزمة المباشرين وجهات فاعلة أوروبية وخليجية وإقليمية أخرى لبناء جبهة موحدة في المفاوضات لموازنة النفوذ الإسرائيلي، والآخر: نقل الرسائل غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وعليه، تناقش هذه الورقة دوافع جهود الوساطة التركية، كما تتناول ما كشفته التحركات التركية منذ بدء الأزمة عن حدود تأثير أنقرة في المفاوضات الدبلوماسية ومستقبل دورها كوسيط في الأزمة الإيرانية، وسقف شراكاتها والتزاماتها العسكرية تجاه دول الخليج، ومدى إمكانية مشاركتها في الترتيبات الأمنية لحماية الملاحة في المضائق الاستراتيجية، وموضعها في معادلات التوزان والنفوذ الجديدة التي تتشكل في منطقة الشرق الأوسط.
العوامل المحفزة للوساطة التركية
تضافرت عوامل عدة بعضها ذات طابع استراتيجي وأخرى تكتسب بُعدًا محليًا حفزت انخراط تركيا المبكر في جهود الوساطة، وهو ما سيتم استعراضه على النحو التالي:
• تجنب المسارات غير المرغوبة للتصعيد العسكري: ترغب أنقرة في وضع حد للتصعيد العسكري لتجنب مسارات غير مرغوبة قد يتطور إليها الصراع إذا ما طال أمده، لا سيَّما الشراكة المحتملة بين الولايات المتحدة والمجموعات الكردية الإيرانية المعارضة التي تتخذ من إقليم كردستان العراق ملاذًا لها؛ حيث كشفت تحركات أمريكية دبلوماسية وميدانية اعتزامها استخدام المجموعات الكردية كقوة برية محتملة ضد طهران، ومن شأن حرب مطولة تفشل فيها واشنطن في تحقيق أهدافها بالاعتماد على القوة الجوية فقط، أن تدفعها وإسرائيل إلى البحث عن شريك بري، وسيبرز حينها الأكراد كأحد أكثر الخيارات احتمالًا؛ مما يُنذر بظهور نموذج مماثل للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على حدودها الجنوبية مع إيران، وهو سيناريو ترفضه أنقرة بشدة وقد يدفعها لبحث خيارات عسكرية لمواجهته قد تتضمن تنفيذ عمليات عسكرية ضد مناطق انتشار تلك المجموعات في كردستان العراق أو طرح إقامة مناطق عازلة داخل الأراضي الإيرانية.
• إبقاء الحرب ضمن نطاقها الحالي: شاركت تركيا في جهود دبلوماسية هدفت إلى إبقاء الحرب ضمن نطاقها الحالي ومنع انخراط أطراف إقليمية إضافية، فقد جاء اجتماع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان على هامش اجتماع وزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية في الرياض يوم 18 مارس 2026، كجزء من نشاط دبلوماسي مكثف يستهدف الحد من احتمالات انضمام أطراف خليجية إلى العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة؛ حيث دفعت الهجمات الإيرانية المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وامتدادها إلى بنى تحتية حيوية في مجالي الطاقة والمياه، بعض هذه الدول إلى تصعيد خطابها السياسي والتلويح بخيارات عسكرية في إطار الدفاع عن النفس، وهو سيناريو من شأنه توسيع نطاق الصراع القائم، وامتداده إلى مسرح البحر الأحمر وقناة السويس عبر تفعيل ورقة الحوثيين، بما ينذر بتداعيات اقتصادية إقليمية وعالمية بالغة، ويضيف طبقات من التعقيد على محاولات الوساطة والتهدئة.
• بقاء النظام الإيراني الحالي: رغم التنافس بين النظامين الإيراني والتركي، فإن أنقرة تميل إلى الحفاظ على بقاء النظام الإيراني ولا تنظر إليه كعدو أو تهديد وجودي، اتصالًا بحسابات جيوسياسية تتعلق بتوازنات القوى في المنطقة؛ إذ أن وجود حكومة موالية للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران من شأنها إخراج موازن رئيسي لإسرائيل من معادلة التوازن في الشرق الأوسط، ويترك تركيا في موقع القوى الإقليمية الوحيدة في مواجهة إسرائيل، كما تخشى أنقرة أن يُقلل هذا الترتيب الإقليمي من مكانتها داخل المنظومة الغربية ومن أهميتها كعقدة لوجيستية محورية ضمن الممر الأوسط.
ورغم أن تركيا قد تستفيد من ضعف إيران كقوة إقليمية، فإن أنقرة لا ترغب في أي سيناريو ينطوي على انهيار الدولة أو تغيير جذري في بنية السلطة أو اضطرابات خارجة عن السيطرة في إيران، غير أنه كلما طال أمد هذه الحرب، ازداد احتمال حدوث مثل هذه السيناريو، ولذلك، تستخدم أنقرة القنوات الدبلوماسية لخفض حدة التوترات بين واشنطن وطهران. وفي هذا الإطار، تعتقد تركيا أن اللحظة الحالية مناسبة لتحقيق المعادلة الدقيقة؛ إيران ضعيفة اقتصاديًا وعسكريًا لكنها باقية، بحيث تكون ضعيفة بما يكفي كي لا تتمكن من عرقلة طموحات تركيا الإقليمية، وقوية بما يكفي لتشكل تحديًا يُبقي تركيا ذات أهمية بالغة بالنسبة للغرب ولا غنى عنها.
• تفادي الانجرار إلى الصراع: تسعى تركيا إلى تجنب الانزلاق إلى وضع تجد فيه نفسها مضطرة لتبني سلوك عسكري مباشر للدفاع عن أمنها ومصالحها، في ظل ما تنطوي عليه إطالة أمد الحرب من مخاطر متزايدة لوقوع احتكاكات، سواء كانت مقصودة أو ناجمة عن سوء التقدير. وقد عكست الاستهدافات الصاروخية التي تعرضت لها الأراضي التركية في 4 و9 و13 مارس 2026، هذا النمط من المخاطر؛ إذ التزمت أنقرة إزاءها بضبط النفس واقتصرت ردودها على المسار الدبلوماسي، في محاولة لاحتواء التصعيد. غير أن تكرار مثل هذه الهجمات، أو احتمالات تحرك المجموعات الكردية على حدودها الجنوبية، قد يضعها أمام خيارات محدودة تسعى لتفاديها. وفي هذا السياق، يأتي انخراطها المبكر في جهود الوساطة كأداة مزدوجة لتقليل احتمالات التصعيد من جهة، وحجز موقع متقدم على طاولة المفاوضات من جهة أخرى، بما يضمن لها دورًا فاعلًا في صياغة ترتيبات اليوم التالي، ويرسخ مكانتها كطرف رئيسي في معادلة التوازن الإقليمي الجديدة التي ستفرزها الحرب الحالية، ويحد في الوقت ذاته من انفراد إسرائيل بصياغة مستقبل المنطقة.
• مواجهة محاولات تعديل موازين القوى في شرق المتوسط: أوجدت التهديدات العسكرية المرتبطة بالحرب الحالية مبررًا لرفع مستوى الحشد العسكري في شرق المتوسط؛ حيث عززت اليونان وعديد من الدول الأوروبية من أبرزها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وإسبانيا انتشارها العسكري في قبرص وجزر بحر إيجة من خلال نشر قطع بحرية، كما نشرت اليونان منظومات دفاعية صاروخية في بعض جزرها التي ترى تركيا أنها يجب أن تبقى منزوعة السلاح، وبالتوازي، تصاعد الحديث مجددًا عن إمكانية شراء إسرائيل عدد من جزر بحر إيجة اليونانية غير المأهولة لاستخدامها كمنطقة إجلاء محتملة للمواطنين الإسرائيليين بواسطة أموال من الصندوق القومي اليهودي.
ورغم رفض الصندوق لهذا المقترح، فإنه –أي المقترح– إلى جانب رفع مستوى العسكرة في شرق المتوسط، يكشف عن حجم الارتباط والتداخل بين إقليمي الشرق الأوسط وشرق المتوسط، ومدى تأثيراتها على إعادة صياغة معادلات القوى والنفوذ في المنطقة، وتعتقد تركيا أن استمرار الصراع الحالي من شأنه تثبيت واقع جيوسياسي جديد في شرق المتوسط لصالح تحالف قبرصي يوناني إسرائيلي، على حساب مصالحها.
للمزيد انظر: انعكاسات حرب إيران على الداخل التركي والتوازنات في شرق المتوسط
• احتواء الضغوط الاقتصادية المتوقعة: رغم الانخفاض النسبي لتأثير تعطل الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي على إمدادات الطاقة لتركيا نظرًا لمساهمته بـ 10% فقط منها، فإن استمرار الأزمة في الشرق الأوسط يجلب مزيدًا من الضغوط الاقتصادية التي لا ترغب بها الحكومة التركية بينما تستعد للانتخابات العامة المقبلة وسط حديث عن تعديل دستوري محتمل أو الدعوة لانتخابات مبكرة بهدف منح أردوغان ولاية رئاسية رابعة. ورغم أن الجانب الأيديولوجي يلعب دورًا رئيسيًا في توجيه السلوك التصويتي للناخبين، فإن العامل الاقتصادي يتم توظيفه بشدة من جانب المعارضة لا سيَّما مع ارتفاع معدل التضخم لأكثر من 30%، وارتفاع أسعار السلع والإيجارات، وعدم الرضاء الكامل عن الحد الأدنى للأجور المعلن رسميًا وشكوى المتقاعدين من انخفاض قيمة المعاشات.
ومن شأن استمرار الحرب الحالية ونقص إمدادات الطاقة وتعطيل الملاحة التجارية بمضيق هرمز مفاقمة تلك الضغوط؛ حيث ستؤثر أسعار الطاقة المرتفعة على الاقتصاد التركي من خلال اتساع عجز الميزان التجاري، والضغط على احتياطيات النقد الأجنبي والليرة التركية، وزيادة الضغوط التضخمية، فكل زيادة قدرها 10 دولارات للبرميل في سعر النفط تضيف 3 مليارات دولار إلى عجز الحساب الجاري، وتزيد التضخم بنحو 1.2%. وإذا بقيت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية، فقد يرتفع عجز الحساب الجاري بنحو 10-12 مليار دولار، ويزيد التضخم بمقدار 4-5 نقاط.
ولا يقف التأثير عند قطاع الطاقة، وإنما يمتد إلى القطاعين الصناعي والزراعي؛ حيث تستورد تركيا سنويًا ما بين 700 مليون ومليار دولار من الألومنيوم ومنتجاته من دول الخليج، مثل البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان، وتبلغ قيمة الواردات البتروكيماوية من المنطقة نفسها نحو 2 مليار دولار سنويًا، وعادة ما يتم شحن هذه المواد من موانئ في الخليج العربي وتمر عبر مضيق هرمز قبل وصولها إلى تركيا؛ مما يعني أن الاضطراب المستمر في حركة الملاحة البحرية يخلق اختناقات لوجستية للمدخلات الصناعية. ومن المدخلات الصناعية المتأثرة أيضًا مادة أحادي إيثيلين جليكول (MEG)، وهي مادة خام تُستخدم في إنتاج ألياف البوليستر والبولي إيثيلين (PET)، وتستورد تركيا ما قيمته حوالي 700 إلى 900 مليون دولار منها سنويًا، ويأتي ما بين 35% و40% من هذه الإمدادات من منتجين خليجيين، وبالتالي فإن اضطرابات الإمداد وارتفاع تكاليف النقل يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج في قطاعات النسيج والملابس والتغليف في تركيا، وهي قطاعات تدر أكثر من 30 مليار دولار من الصادرات السنوية.
كما تؤثر الأزمة على القطاع الزراعي من خلال ارتفاع تكاليف الأسمدة؛ حيث تستهلك تركيا ما يقارب 6 و7 ملايين طن من الأسمدة الكيميائية سنويًا، وتمثل الواردات نسبة كبيرة من الإمدادات، وتستحوذ دول الخليج على ما بين 15% و25% من واردات تركيا من الأسمدة النيتروجينية، وقد تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة والاضطرابات اللوجستية إلى زيادة تكاليف الأسمدة؛ مما يرفع تكاليف إنتاج المحاصيل الرئيسية كالقمح والذرة وعباد الشمس، وربما يسهم في تضخم أسعار الغذاء. وعلى الجانب الآخر، فإن ارتفاع تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد المخاطر واستمرار إغلاق مضيق هرمز يؤدي إلى زيادة النفقات وتأخر جداول التسليم للمصدرين الأتراك في قطاعات مثل المنسوجات والآلات ومكونات السيارات والأجهزة المنزلية إلى الدول الخليجية.
ويمتد التأثير أيضًا إلى احتياطات النقد الأجنبي للبنك المركزي التركي والتي سجلت مستويات قياسية تقارب 200 مليار دولار، غير أن وجود حصة كبيرة من هذه الحيازات بالذهب (بلغت احتياطات الذهب في الأسبوع السابق للحرب 136.83 مليار دولار ارتفاعًا من 116.9 مليار دولار في الأسبوع الأخير من عام 2025) عرضها بشكل كبير للمخاطر؛ حيث أدت الحرب إلى إحياء جاذبية الدولار كملاذ آمن؛ مما أدى إلى انخفاض أسعار الذهب عالميًا، وبالتالي انخفاض قيمة احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التركي؛ حيث بلغت 134.1 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، وفق البيانات المتاحة التي تعود إلى الأسبوع المنتهي يوم الجمعة 13 مارس 2026، وبالنظر إلى استمرار انخفاض أسعار الذهب، فمن المرجح أن تكون الاحتياطيات قد انخفضت أكثر.
الوساطة التركية: ما الذي تكشفه عن الدور والتحالفات؟
تكشف التحركات التركية ضمن جهود الوساطة الإقليمية متعددة الأطراف عن مساحات الحركة التركية وحدودها ومستوى العلاقات مع إيران، ومستقبل الدور التركي في الوساطة، إلى جانب معادلات التوزان والنفوذ الجديدة التي تتشكل في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يُمكن تفصيله على النحو التالي:
• وجود مستوى من التنسيق الاستخباراتي بين تركيا وإيران: رغم صيغة “التنافس التعاوني” التي ميزت العلاقات التركية الإيرانية لسنوات طويلة، والمواقف المتعارضة التي تبنتها الدولتين في عديد من الساحات من القوقاز لسوريا، فإن قنوات التنسيق الاستخباراتي ظلت قائمة وفاعلة، وقد تجلى ذلك في عدة محطات سابقة، من بينها مشاركة تركيا في جهود العثور على حطام طائرة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في مايو 2024 شمال غرب إيران. وفي السياق الراهن، أعادت التفاعلات التركية الإيرانية التأكيد على استمرار هذا النمط من التنسيق؛ حيث اتسم الموقف التركي بمستوى انضباط مرتفع يُظهر إدراكًا للمخاطر الجيوسياسية طويلة الأمد للحرب، تمثل في الامتناع عن تأييد الهدف الأمريكي الإسرائيلي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، مع الحفاظ في الوقت ذاته على موقف رافض للاستهدافات الإيرانية التي طالت بعض دول الخليج. وبالمقابل، حرصت طهران على تجنب توسيع دائرة التصعيد باتجاه تركيا؛ إذ أصرت على نفي مسئوليتها عن الاستهدافات الصاروخية الثلاثة التي طالت الأراضي التركية، وهو ما أكده المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي خص تركيا بالذكر في أحد خطاباته مؤكدًا عدم استهدافها من جانب إيران.
ويمتد هذا التنسيق إلى البعد الأمني الميداني؛ حيث شدد الجانب الإيراني سيطرته على المعابر الحدودية البرية مع تركيا، مانعًا بعض الإيرانيين الذين أرادوا العبور مع السماح فقط بحركة الأتراك الراغبين في العودة إلى بلدهم، وهو ملف شديد الحساسية بالنسبة لأنقرة ويُعد أحد المحددات الحاكمة لموقفها من الأزمة الراهنة، بالنظر إلى التهديدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يُمكن أن تُشكلها موجة لجوء جديدة غير مرغوب فيها، فأي تدفق مفاجئ سيزيد من تعقيد ترتيبات الهجرة التي تربط أنقرة بالاتحاد الأوروبي، كما سيسمح بمزيد من التوظيف السياسي لقضية اللاجئين من قِبل المعارضة ضد الحكومة التركية وأردوغان في توقيت حساس سياسيًا يسعى فيه النظام التركي إلى تحقيق توافق حزبي ومجتمعي بشأن تعديل الدستور، علاوة على ما قد يترتب من تعزيز المشاعر المعادية للمهاجرين نظرًا لإجهاد الخدمات العامة وتزايد الصعوبات الاقتصادية.
• النفوذ المتزايد في إدارة الأزمات الإقليمية: رغم الرفض الإيراني السابق على الحرب لاستضافة إسطنبول المحادثات النووية مع الولايات المتحدة وتفضيل مسار عُمان اتصالًا باعتبارات الموثوقية والحياد السياسي، فإن الانخراط التركي الحالي في تيسير قنوات التواصل الأمريكية الإيرانية يؤكد نفوذها المتزايد في إدارة الأزمات الإقليمية، الذي يستند إلى نهج التوزان الذي تبنته منذ اندلاع الصراع، واحتفاظها بقنوات اتصال مفتوحة مع المسئولين الأمريكيين والإيرانيين على حد سواء؛ مما يُنذر بدور تركي محتمل أوسع خلال مرحلة المفاوضات النهائية يضعها في قلب عملية إعادة التشكيل الجيوسياسي للمنطقة، يتضمن تسهيل جولات محادثات أو استضافتها أو نقل رسائل بين الجانبين أو العمل كضامن أمني على غرار الضمانة التركية لاتفاق غزة. ومع ذلك، يتحدد نطاق هذا الدور بالموقف الإيراني، الذي لا يزال ينظر بحذر إلى الأهداف الإقليمية لأنقرة، فضلًا عن تفضيل طهران في الوقت الحالي الإبقاء على تعددية مسارات الوساطة بدلًا من إسنادها إلى طرف واحد، بما يجعل من غير المرجح أن تنفرد تركيا بدور الوسيط الرئيسي.
• رمزية الالتزام العسكري التركي تجاه الخليج: توضح الاستجابة التركية للهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد دول الخليج سقف الالتزامات العسكرية التركية تجاه المنطقة بدقة. فرغم ارتباط تركيا وقطر باتفاقية تعاون عسكري موقعة عام 2014 وتوسعت لاحقًا عام 2017 في إطار مقاطعة الرباعي العربي لقطر، بما تضمنته من إقامة قاعدة عسكرية تركية في الدوحة، هي قاعدة طارق بن زياد، فإن هذه الالتزامات ظلت محصورة في نشر قوات برية، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، والتعاون المعلوماتي، ولم تتضمن نشر منظومات استراتيجية جوية أو دفاع جوي؛ إذ أن ذلك يتطلب تفاهمات منفصلة أو بروتوكولات إضافية، ولا يتم تلقائيًا بموجب اتفاقية التعاون العسكري القائمة. ويعني هذا أن الوجود العسكري التركي في قطر –وبصرف النظر عن عدم امتلاك تركيا منظومة دفاع جوي ضد الصواريخ البالستية– يظل رمزيًا لا ردعيًا، ولا يشكل غطاءً دفاعيًا حقيقيًا، ومن غير المتوقع أن يتطور مستقبلًا؛ مما يعني أن الوجود العسكري التركي في الشرق الأوسط عمومًا، والخليج خصوصًا، يهدف أساسًا إلى تثبيت النفوذ لا الدفاع عن الشركاء، كما يظل تحديد مستواه مرهونًا بتعريف تركيا لمصالحها الاستراتيجية العليا، فيما ستقتصر تدخلاتها العسكرية الفعلية، على غرار العمليات في شمال سوريا والعراق، على ما تعتبره تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
• تجنب الانخراط العسكري في تأمين مضيق هرمز: بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين فتح مضيق هرمز، فإن مصادر تركية استبعدت إمكانية المشاركة بهكذا عملية، وهو خيار مماثل لرفض أنقرة إرسال قطع بحرية ضمن مهمة “حارس الازدهار” المُشكلة عام 2025 لحماية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويُمكن إيعاز الموقف التركي إلى اعتبارات عدة؛ أولها: التمسك بسياسة التوازن وتجنب الانخراط في تحالفات قد تُفهم باعتبارها اصطفاف إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة؛ مما يرفع منسوب الاحتكاكات المحتملة مع الجانب الإيراني الذي قد يشن هجمات صاروخية داخل الأراضي التركية لا سيَّما ضد قاعدة إنجرليك الجوية التابعة للناتو أو استهداف القطع البحرية التركية العاملة ضمن المهمة، علاوة على الإضرار بمكانة تركيا كوسيط رئيسي وهو دور تحرص أنقرة على تثبيته.
وثانيها: تعزيز مركزية تركيا في منظومة الطاقة العالمية، فرغم التأثيرات السلبية التي تطال البلاد جراء تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وبالأخص على قطاعات الزراعة والصناعات النسيجية والضغوط المحتملة على عجز الموازنة جراء ارتفاع أسعار الطاقة، فإنها لا تتأثر بشكل مباشر بإغلاقه من حيث الإمدادات نظرًا لعدم اعتمادها على النفط والغاز الخليجي بشكل أساسي، فوارداتها النفطية متنوعة وتشمل بخلاف السعودية، روسيا والعراق وكازاخستان وأذربيجان وإيران، وجميعها لا تأتي عبر هرمز، كما أن وارداتها الغازية تأتي بالأساس عبر روسيا (خطي أنابيب ترك ستريم ونورد ستريم) وأذربيجان (خط أنابيب باكو-تبليسي-أرضروم) وإيران، إلى جانب شحنات من الغاز المسال الأمريكي ومن مصادر أخرى، ومن ثم فإن تعطل وصول إمدادات الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية عمومًا، والأوروبية خصوصًا، يعزز مكانة تركيا كدولة عبور مهمة استراتيجيًا في قطاع الطاقة العالمي.
• التعبير عن ملامح المحاور الإقليمية الجديدة: تكشف جهود الوساطة عن تنظيم جيوسياسي جديد يُعبر عن نفسه في المنطقة، تعود ملامحه إلى ما قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؛ حيث تشكل محورًا يضم تركيا وباكستان والسعودية، وربما قطر أيضًا، مع إمكانية إدراج مصر في هذا السياق والأخذ في الاعتبار تحفظها التقليدي على الاصطفاف ضمن سياسة محاور أو تحالفات. ويبدو واضحًا أن هذا المحور –الذي تقوم مقاربته على منع إحداث تغييرات جذرية في خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية القائمة– وبالأخص دول تركيا وباكستان ومصر هو الذي يقود جهود دفع المفاوضات والوساطة الحالية؛ مما يؤشر إلى أن تركيا ستصطف خلال المرحلة المقبلة ضمن محور يسعى إلى كسر الهيمنة الإسرائيلية على السياسة الإقليمية (الشرق الأوسط وشرق المتوسط) ومواجهة تحركاتها ضمن محور مقابل “التحالف السداسي” (يضم أيضًا الإمارات والهند وقبرص واليونان وأطراف أفريقية مثل أرض الصومال وربما إثيوبيا والمغرب) التي تسهم في تطويق مصالحها.
وقد أظهرت جهود الوساطة المصرية التركية الباكستانية نهجًا منسقًا وتكاملًا للأدوار بين الأطراف الثلاثة، فبينما تحركت القاهرة وأنقرة وفق صيغة دبلوماسية تقليدية تقوم على التواصل مع الطرف الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية؛ أي المزج بين المسئولين الإيرانيين والحرس الثوري، وهي تحركات تكتسب أهمية بالنظر لتعدد مراكز صنع في طهران ما يتطلب إقناع جميع الأطراف الفاعلة لجعل الجهود الدبلوماسية ملموسة، فإن باكستان انتهجت نهجًا أمنيًا أكثر تركيزًا؛ حيث تواصلت مباشرةً مع الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية للترويج لفكرة وقف إطلاق النار.
ختامًا،أتاح الموقف التركي المتوازن من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مساحة لأنقرة للانخراط في جهود الوساطة الدبلوماسية كفاعل إقليمي رئيسي، مستفيدة من قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف. ومع ذلك، لا يزال هذا الدور في مراحله الأولية، كما لا يُرجح أن تنفرد به تركيا، في ضوء استمرار تحفظات الجانب الإيراني بشأن مستوى الموثوقية السياسية لأنقرة. ورغم هذه القيود، نجحت الوساطة التركية حتى الآن في تحقيق اختراقات جزئية، من بينها التراجع المؤقت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، إلى جانب المساهمة في الحد من انخراط أطراف إقليمية إضافية في الصراع. غير أن تطور هذا الدور نحو الإسهام في الانتقال من المسار العسكري إلى المسار السياسي يظل مرهونًا بمدى إدراك الأطراف المتحاربة لحدود جدوى التصعيد العسكري وضرورة الانتقال إلى التفاوض، وهو إدراك لم يترسخ بعد لدى الأطراف الرئيسية، التي لا تزال ترى أنها تمتلك أدوات ضغط ميدانية قابلة للتوظيف؛ الأمر الذي يفرض قيودًا على فاعلية الوساطة في المرحلة الراهنة.