السجال الكبير فى ٢٠٢٢

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ثلاثة تطورات مهمة ذات صلة شهدها الشهر الأخير من عام ٢٠٢١.الأول هو إصدار المكتب الإعلامى لمجلس الدولة الصينى فى الرابع من ديسمبر تقريرا مهما بعنوان الصين: الديمقراطية التى تعمل، دافع عن فكرة أساسية مفادها تجذر فلسفة وقيم الديمقراطية داخل النظام السياسى الصينى، وذلك بعيدا عن الجوانب والمكونات الإجرائية التقليدية المعروفة فى الأنظمة الديمقراطية حسب الخبرة الغربية الراهنة.الثانى، هو إصدار وزارة الخارجية الصينية فى الخامس من ديسمبر تقريرا حول حالة الديمقراطية فى الولايات المتحدة. فند التقرير عيوب الديمقراطية الأمريكية، ليس فقط بالنسبة للمجتمع الأمريكى ولكن بالنسبة للعالم بسبب إصرار الولايات المتحدة على تصدير نموذجها السياسى إلى الخارج. الثالث، هو عقد إدارة…

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ثلاثة تطورات مهمة ذات صلة شهدها الشهر الأخير من عام ٢٠٢١.الأول هو إصدار المكتب الإعلامى لمجلس الدولة الصينى فى الرابع من ديسمبر تقريرا مهما بعنوان الصين: الديمقراطية التى تعمل، دافع عن فكرة أساسية مفادها تجذر فلسفة وقيم الديمقراطية داخل النظام السياسى الصينى، وذلك بعيدا عن الجوانب والمكونات الإجرائية التقليدية المعروفة فى الأنظمة الديمقراطية حسب الخبرة الغربية الراهنة.الثانى، هو إصدار وزارة الخارجية الصينية فى الخامس من ديسمبر تقريرا حول حالة الديمقراطية فى الولايات المتحدة. فند التقرير عيوب الديمقراطية الأمريكية، ليس فقط بالنسبة للمجتمع الأمريكى ولكن بالنسبة للعالم بسبب إصرار الولايات المتحدة على تصدير نموذجها السياسى إلى الخارج. الثالث، هو عقد إدارة بايدن قمة افتراضية تحت عنوان قمة من أجل الديمقراطية، يومى ٩ و١٠ ديسمبر، بمشاركة ممثلين عن أكثر من مائة دولة (ليس من بينها الصين وروسيا) استتبعه إصدار الخارجية الصينية فى ١١ ديسمبر بيانا حول الموقف الصينى من هذه القمة. التطورات الثلاثة تشير إلى أن سجالا عالميا مهما حول مستقبل الديمقراطية سوف يستحوذ على جزء كبير من أجندة ٢٠٢٢. الولايات المتحدة تسعى إلى توظيف الديمقراطية كأداة إضافية فى إدارة صراعها الراهن مع الصين (وروسيا)، ومحاولة تكييف هذا الصراع على أنه صراع بين عالم ديمقراطى وآخر غير ديمقراطي. لكن هذا التقسيم فى حقيقته لن يكون مفيدا فى هذا الصراع، بقدر ما هو كاشف عن مأزق الديمقراطية فى خبرتها الغربية.

هناك ثلاث ملاحظات مهمة يمكن طرحها فى سياق هذا السجال:

الأولى، أن الديمقراطية باتت تواجه أزمة كبيرة وحقيقية فى بيئاتها الغربية (الأمريكية والأوروبية)، لم تكشف عنها فقط العديد من الظواهر والاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل هذه البيئات، بقدر ما كشفت عنهاأيضا السياسات الخارجية لهذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، على نحو يفرض على المنظرين والسياسيين الغربيين إجراء مراجعات ضرورية لتصحيح هذه الاختلالات.

الثانية، رغم أن التقارير الصينية المشار إليها أعلاه جاءت فى سياق الرد الصينى على الهجوم الأمريكى على الصين، وما تصفه الولايات المتحدة بانتهاكات ضد حقوق الإنسان داخل الصين، لكنها تؤسس بالفعل لسجال عالمى مهم وضرورى، للإجابة عن أسئلة عديدة؛حول ماهية القيم العليا للمجتمعات الإنسانية، وطريقة تحقيق هذه القيم؟ وهل الديمقراطية وسيلة أم غاية؟ وليس المقصود هنا إعادة المجتمعات الإنسانية إلى مربع ما قبل الديمقراطية أو حالة الديكتاتورية الأولى إن صح التعبير، لكن المقصود هو كيف يمكن إعادة الاعتبار للقيم الأساسية والعليا للديمقراطية، وتحقيق التوازن المطلوب بين القيم والإجراءات الديمقراطية؟ كما يطرح هذا السجال أسئلة مهمة حول مدى وجود شكل واحد للديمقراطية فى الخبرة الإنسانية؟ ومدى قابلية الديمقراطية للتصديرأوالفرض من الخارج؟

الإجابة الصينية واضحة, أنه ليس هناك شكل واحد للديمقراطية، ومن ثم لا يجب فرض نموذج أو شكل بعينه على أى مجتمع، وهى إجابة تدعمها خبرة السياسات الأمريكية فى نشر الديمقراطية فى الخارج، والتى انتهت إلى فشل كبير فى حالات عدة، أبرزها حالة أفغانستان التى عادت إلى مربع ما قبل ٢٠٠١، رغم التكاليف المالية والبشرية التى دفعتها الولايات المتحدة طول عقدين كاملين. ولم تقتصر هذه التكاليف على الاقتصاد الأمريكى، لكنها طالت المجتمعات والدول المستهدفة. ويكفى هنا أن نراجع التكاليف الاقتصادية والبشرية والسياسية والأمنية التى دفعتهاأفغانستان والعراق جراء المشروعين الأمريكيين هناك، وقبلهما حالات أخرى عديدة،وهو ما يثير سؤالا كبيرا حول الأساس الأخلاقى لتكبيد مجتمعات مثل هذه التكاليف دون عائد ملموس، أو مقابل عائد لا يتناسب مع حجم هذه التكاليف.

الثالثة، أنه لن يكون من اليسير تقسيم العالم إلى ديمقراطى وآخر غير ديمقراطى حسب التصور الأمريكى البسيط. الموضوع هنا لا يتعلق بالموقف من الصين أو روسيا من عدمه فى الصراع الراهن،بقدر ما بات يتعلق بقواعد تصنيف الأنظمة السياسية فى العالم.تقسيم العالم إلى ديمقراطى وآخر غير ديمقراطى لا يؤسس فقط لتأجيج صراع غير مرغوب على قمة النظام العالمى، ويخلق صراعات أو احتقانات سياسية إضافية فى مناطق أخرى من النظام، لكنه يقدم أيضا قراءة غير دقيقة لحالة الدول والأنظمة السياسية فى العالم، خاصة إذا أدخلنا فى الاعتبار متغيرات أخرى مهمة مثل التنمية، والأمن، والاستقرار، والرشادة السياسية، والأمن الإنساني.. إلخ. إدخال هذه المتغيرات فى تصنيف الأنظمة السياسية سينتهى بنا إلى بناء خريطة أو مصفوفة أكثر تعقيدا لدول العالم.الحجج الصينية فى الدفاع عن النموذج السياسى الصينى لا تخلو من نقاط قوة مهمة فى هذا السجال.

هذا السجال لم يؤسس له الصراع الأمريكى – الصينى الراهن، لكن أسس له العديد من الكتابات المهمة التى ظهرت خلال السنوات الأخيرة، والتى مارست نقدا ذاتيا لحالة الديمقراطيات الغربية، وتلك التى حاولت فهم طبيعة وفلسفة خبرات ونظم سياسية خارج الخبرة الغربية. ومن المساهمات الجيدة فى هذا السياق كتاب دانييل بيل، النموذج الصينى: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية، الصادر فى عام ٢٠١٥، والذى حاول فيه الإجابة عن العديد من الأسئلة السابقة.المساهمات الغربية والصينية ستكون مهمة فى هذا السجال، لكن تطوير سجال موضوعى يبنى تراكما حقيقيا بعيدا عن حالة الاستقطاب العالمى سيكون مرهونا بمساهمات أوسع من خارج هذين المعسكرين.

نقلا عن جريدة الاهرام الأربعاء 5 يناير 2022

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب