تنمية ومجتمع

ضمان الجودة في التعليم الجامعي

تمثل جودة التعليم، ولا سيما التعليم الجامعي، أهم التحديات التي تواجه نظم التعليم في معظم الدول النامية ومن بينها مصر، وذلك في ضوء تأكيد جميع المنظمات الدولية على ضرورة إعادة النظر في فلسفة التعليم الجامعي، مع التركيز على أهمية وضع معايير تحقق الجودة في الخدمة التعليمية المقدمة، وكذا مخرجات التعليم الجامعي. ولكن: ما هو مفهوم الجودة في الجامعات؟ وكيف يتحقق؟ وما التحديات التي تواجهه خاصة مع افتتاح جامعات جديدة بمفهوم مختلف مثل الجامعات التكنولوجية والجامعات الأهلية بالإضافة إلى الجامعات الحكومية والخاصة؟ وهل تطبيق معايير الجودة هو ضمان لتحقيق الجودة في الجامعات؟ وكيف يمكن تجنب تحول الأمر إلى إجراء روتيني لاستيفاء…

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة

تمثل جودة التعليم، ولا سيما التعليم الجامعي، أهم التحديات التي تواجه نظم التعليم في معظم الدول النامية ومن بينها مصر، وذلك في ضوء تأكيد جميع المنظمات الدولية على ضرورة إعادة النظر في فلسفة التعليم الجامعي، مع التركيز على أهمية وضع معايير تحقق الجودة في الخدمة التعليمية المقدمة، وكذا مخرجات التعليم الجامعي. ولكن: ما هو مفهوم الجودة في الجامعات؟ وكيف يتحقق؟ وما التحديات التي تواجهه خاصة مع افتتاح جامعات جديدة بمفهوم مختلف مثل الجامعات التكنولوجية والجامعات الأهلية بالإضافة إلى الجامعات الحكومية والخاصة؟ وهل تطبيق معايير الجودة هو ضمان لتحقيق الجودة في الجامعات؟ وكيف يمكن تجنب تحول الأمر إلى إجراء روتيني لاستيفاء أوراق؟.

مفهوم الجودة في التعليم العالي

الجامعة هي مؤسسة تعليمية تتولى إعداد الموارد البشرية، وإجراء البحوث العلمية، والمساهمة في عملية التنشئة الاجتماعية، ونقل الثقافة وتشكيل الوعي لدى الطلاب، وتناول قضايا ومشكلات المجتمع، والعمل على خدمة وتنمية المجتمع. كما أن الجامعة بما تقدمه من كفاءات مؤهلة ومدربة في مجالات متعددة تعتبر عاملًا من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

وشهد التعليم العالي تطورًا كبيرًا نتيجة عوامل عديدة، منها: الاحتياجات المتجددة لسوق العمل، وتزايد أعداد الطلاب في بعض التخصصات، والمتغيرات السريعة في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وظهور اقتصاد المعرفة. وقد أدى كل ذلك إلى وضع الجامعات المصرية أمام تحد كبير، فمؤسسات التعليم العالي ليست بمنأى عما يجري على الساحة العالمية من تطورات؛ بل أصبحت تواجه تحديات وتهديدات نشأت عن المتغيرات التي غيّرت شكل العالم، وأوجدت نظامًا يعتمد على العلم والتطور التكنولوجي، ويستند إلى تقنيات عالية التقدم. لذا فتطبيق نظم ضمان الجودة والاعتماد من شأنه تمكين الجامعات المصرية من مواجهة التحديات، وتحقيق التطوير والتحسين المطلوب لقدرتها المؤسسية وما تقدمه من تعليم وبحث علمي، وما يتطلبه كل ذلك من تنمية لمهارات أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة والجهاز الإداري والارتقاء بمستوى الأداء الأكاديمي، وتطوير أساليب التقويم والقياس والتدريب.

تتوقف جودة التعليم العالي على جودة عناصر العملية التعليمية المكوّنة من الطالب، وعضو هيئة التدريس، وجودة المادة التعليمية بما فيها من برامج وكتب جامعية وطرق التدريس وجودة مكان التعلم في الجامعات والمعامل، وتوافر الحاسب الآلي والتكنولوجيا الحديثة، والورش التعليمية، بالإضافة إلى هياكل تنظيمية وموارد تمويل وتسويق.

متطلبات الجودة في مؤسسات التعليم العالي

العملية التعليمة تتكون من مجموعة متعددة من العناصر هي: 

  •  الطلاب: من الضروري انتقاء الطلاب الذين تم تأهيلهم في مراحل التعليم السابقة، وبالتالي وضع معايير مناسبة للالتحاق بالجامعات، حيث إن انتقاء الطلاب وقبولهم يمثل الخطوة الأولى في جودة التعليم الجامعي، بالإضافة إلى ملاحظة عدد الطلاب بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس في الجامعة، فكلما كان عدد الطلاب أقل لكل عضو هيئة تدريس كانت جودة التعليم أفضل ودافعية الطلاب للتعلم أكثر.
  •  أعضاء هيئة التدريس: يحتل عضو هيئة التدريس المركز الأول من حيث أهميته في نجاح العملية التعليمية، فمهما بلغت البرامج التعليمية من تطوّر وجودة، فإنها لا تحقق الفائدة المرجو منها ما لم يتوافر عدد من السمات لدى عضو هيئة التدريس، أهمها تأهيله العلمي والأكاديمي، فضلًا عن السمات الشخصية والنفسية والقدرة على التواصل، بالإضافة إلى الالتزام بالمنهج العلمي، والعمل على تنمية المهارات الفكرية التنافسية بين الطلاب.
  •  جودة المناهج التعليمية: تُعدّ المناهج التعليمية من حيث المحتوى والأسلوب من العوامل المرتبطة بجودة الخدمة التعليمية، وتقيس معايير الجودة المرتبطة مدى قدرة المناهج على تنمية قدرات الطلاب وإكسابهم المعارف اللازمة.

ويتكامل مع هذه العناصر الثلاثة الهامة مجموعة أخرى من العناصر لا تقل أهمية؛ بل إنها تعتبر كلمة السر في إنجاح هذه المنظومة، وهي جودة القيادة الإدارية للجامعات ومؤسسات التعليم العالي، والتي تستطيع تحقيق أهداف الجامعة وتطبيق معايير الجودة وقيادة هذه المنظومة بشكل صحيح، بالإضافة إلى الإمكانات المادية للجامعة ووسائل التمويل، فبدون توافر التمويل اللازم يقف نظام التعليم عاجزًا عن أداء مهامه وأهدافه. وتظهر نتيجة ومحصلة كل هذه العوامل في مخرجات الجامعة من الأبحاث العلمية المنشورة دوليًا، وربط الجامعة بالصناعة، وسوق العمل، ومساهمتها في حل مشكلات المجتمع.

الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد

أدركت الدولة أهمية ضمان جودة العملية التعليمية، فأنشأت الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد بالقانون رقم (82) لسنة 2006، وتعد الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد إحدى الركائز الرئيسية للخطة القومية لإصلاح التعليم في مصر، وذلك باعتبارها الجهة المسئولة عن نشر ثقافة الجودة في المؤسسات التعليمية والمجتمع، وعن تنمية المعايير القومية التي تتواكب مع المعايير القياسية الدولية لإعادة هيكلة المؤسسات التعليمية وتحسين جودة عملياتها ومخرجاتها على النحو الذي يؤدي إلى كسب ثقة المجتمع فيها، وزيادة قدراتها التنافسية محليًا ودوليًا، وخدمة أغراض التنمية المستدامة في مصر.

وفي ضوء ذلك، تسعى الهيئة إلى التطوير المستمر للتعليم وضمان جودته وفقًا لمجموعة من المبادئ والقيم التي تؤكد الشفافية والموضوعية والعدالة، والحرص على معاونة المؤسسات التعليمية على توفيق أوضاعها وتحسين أدائها الكلى. الهيئة ليست جهة رقابية، بل هي جهة اعتماد للمؤسسات التعليمية التي تتمكن من تحقيق متطلبات المعايير القومية، ومن ثم فإنها تقوم على تقديم التوجيه والإرشاد والدعم لهذه المؤسسات بما يساعدها في اتخاذ الخطوات اللازمة للحصول على الاعتماد وليس للتحسين المستمر في مخرجاتها.

ويشمل اختصاص الهيئة التعليم ما قبل الجامعي، التعليم الجامعي، التعليم الأزهري، وكذا التدريب، وهناك إدارات متخصصة في الهيئة لهذه القطاعات بالإضافة إلى الاعتماد الداخلي والاعتماد الدولي. ويشتمل قطاع التعليم الجامعي في الهيئة على حوالي 27 جامعة حكومية بها 450 كلية و26 جامعة خاصة بها 162 كلية، بالإضافة إلى 158 معهدًا عاليًا، فضلًا عن الجامعات الأهلية والتكنولوجية الجديدة التي تم افتتاحها مؤخرًا والجامعات الأزهرية، وفروع الجامعات الدولية، ويدرس بهذه الجامعات والمعاهد أكثر من 2.7 مليون طالب.

تلتزم هيئة ضمان الجودة بشروط معينة للاعتماد وضمان الجودة، أهمها: 

  • أن تكون المؤسسة حاصلة على الترخيص من وزارة التعليم العالي للعمل كمؤسسة للتعليم العالي.
  • أن تكون قد منحت شهادة دراسية في أحد برامجها التعليمية (أتمت دورة دراسية كاملة) مرة واحدة على الأقل.
  • أن تكون للمؤسسة رسالة محددة ومعتمدة ومعلنة وخطة استراتيجية ونظم ضمان جودة داخلية ونظم تقارير سنوية.
  • تقديم ما يُفيد موافقة الجهة التابعة لها المؤسسة مباشرة (الجامعة / الأكاديمية) على طلب التقدم.

وهناك قائمة لبعض الشروط الأخرى التي يجب استيفاؤها عند التقدم لاعتماد الجودة تشمل: نسخة من الخطة الاستراتيجية للجامعة، وتوصيفًا للمناهج والبرامج الدراسية والأقسام العلمية والأنشطة الأكاديمية بالمؤسسة، بيان بالمواد الدراسية وعدد أعضاء هيئة التدريس ومؤهلاتهم وكذلك الإداريين، معايير اختيار القيادات والدورات التدريبية الحاصلين عليها، التقارير المالية للجامعة خلال ثلاث سنوات سابقة لعام التقدم والموازنة الحالية للجامعة، بيان الأبنية التابعة للجامعة، خطط الإخلاء وإدارة الأزمات والكوارث، وبيان بتجهيزات المكتبة المادية والبشرية وخدماتها، قائمة بالمشروعات البحثية والمشاركة المجتمعية وتنمية البيئة، وغيرها، وكل هذه الشروط والمستندات ما هي إلا نماذج معدة مسبقًا يتم استيفاؤها فقط عند التقدم.

من خلال هذه الشروط، نلاحظ غياب عدد من المعايير الموضوعية التي تقيس جودة المضمون التعليمي، ومن ذلك معايير مثل عدد الطلاب بالنسبة لعدد أعضاء هيئة التدريس، أو توافر البنية الأساسية والمعامل والمواد والأدوات اللازمة للتعلم، والموارد المالية وموازنة الجامعة المخصصة للإنفاق على الطلاب والبحث العلمي، أو عدد الأبحاث العلمية المنشورة وجودتها، أو تطور البرامج الدراسية المقدمة في الجامعة وتنوعها، وكلها معايير لا يتم السؤال عنها عند تقييم طلبات الاعتماد.

وتقوم منهجية العمل في الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد على تطبيق معايير الجودة والاعتماد على مستويات مختلفة هي (برنامج دراسي – كلية معينة داخل الجامعة – أو على مستوى الجامعة بشكل عام).

على سبيل المثال، فإن جامعة القاهرة وهي من أعرق الجامعات المصرية التي تدخل سنويًا ضمن التصنيفات الدولية للجامعات، والتي تضم 24 كلية و5 معاهد عليا و3 مراكز أبحاث، تم تجديد اعتماد 7 كليات بها فقط حتى عام 2023-2024، هي (كلية العلاج الطبيعي – الطب – الصيدلة – التمريض – طب الأسنان – الطب البيطري – الاقتصاد والعلوم السياسية) وباقي الكليات في مرحلة استكمال استيفاء متطلبات الاعتماد، وهناك 7 كليات أخرى ما زال اعتمادها من 2017 حتى 2021 ساريًا وهي (الإعلام – الآداب – الحاسبات والمعلومات – الهندسة – دار العلوم – كلية التربية للطفولة المبكرة – المعهد القومي للأورام) ويجب عليها التقدم لتجديد الاعتماد بانتهاء الفترة.

أما اعتماد البرامج الدراسية فيتحدد حسب تقدم كل كلية بطلب لاعتماد برنامج معين من خلال الهيئة. فعلى سبيل المثال، في كلية الهندسة بجامعة القاهرة تم اعتماد ستة برامج دراسية حتى عام 2025، بالإضافة إلى أربعة برامج يجري فحصها من قبل الهيئة، كما تم اعتماد برنامج واحد لكلية التجارة حتى عام 2024.

أما بخصوص اعتماد الجامعات، فقد تم اعتماد الجامعة الأمريكية بالقاهرة من قبل الهيئة للفترة (2020-2025)، ولم يلاحظ اعتماد أي جامعة أخرى.

وفي مطلع يونيو 2021، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن زيادة عدد الكليات والبرامج الحاصلة على الاعتماد من 46 عام 2014 إلى 186 كلية وبرنامج عام 2021.

جدول (1) الجامعات المصرية المعتمدة منالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد

المصدر: الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد https://naqaae.eg/ar/higher_education/decisions_higher_education

تحديات تطبيق الجودة بالتعليم العالي

تواجه مسألة تحسين جودة التعليم العالي عدة تحديات، لعل أهمها زيادة عدد الطلاب، وغياب معايير الالتحاق بالجامعات باستثناء مجموع درجات امتحان الثانوية العامة، والزيادة الكبيرة في عدد الطلاب بالمقارنة بأعضاء هيئة التدريس، حيث بلغت حوالي 53 طالبًا لكل عضو هيئة تدريس واحد، والأكثر من ذلك هو عدم تأهيل أعضاء هيئة التدريس أنفسهم بالشكل الكافي بسبب نمط التعيين القائم على اختيار المعيدين الأعلى تقديرًا، وكذا سيادة ثقافة بيروقراطية تركز على الاشتغال بالبحث العلمي لأغراض الترقي الوظيفي فحسب لا لإضافة القيمة العلمية، فضلًا عن تقاليد التعليم الذي يطغى عليه أسلوب التلقين وليس إدراك المعرفة والإبداع، وبالتأكيد فإن نقص الإمكانات المادية والتمويل تمثل تحديًا رئيسيًا يواجه أكثر الجامعات والمؤسسات الحكومية. والمطلوب هو تطوير نظام للجودة يأخذ بالاعتبار كل هذه العوامل، ولا يقتصر على عدد محدود من الاعتبارات الشكلية، بل ربما نحتاج إلى فصل اعتماد التعليم الجامعي بعناصره المختلفة (الجامعة – الكلية – البرامج الدراسية) عن ذات الهيئة التي تشرف على اعتماد جودة المدارس والتعليم الأزهري، وإنشاء هيئة مستقلة تخضع للمعايير الدولية في تقييم جودة الجامعات. 

المصادر:

  •  الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد: https://naqaae.eg/?page_id=972
  •  شروط التقدم لطلب اعتماد مؤسسات تعليم عالي: 

https://naqaae.eg/ar/higher_education/highterms

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة