تعتبر الرياضة شكلًا هامًا من أشكال الترويح عن النفس، ووسيلة للحفاظ على الصحة، والتي يمارسها الملايين من الهواة والمحترفين في جميع أنحاء العالم. ومنذ منتصف القرن العشرين، أصبحت الرياضة صناعة رئيسية توفر فرص عمل للملايين. وقد قَدرت الدراسات قيمة سوق الرياضة العالمي بـنحو 614 مليار دولار أمريكي، باستثناء صناعة المعدات الرياضية.
فقد ساهمت الرياضة بشكل متزايد في دفع عجلة النمو الاقتصادي لعدد من الدول المستضيفة للفعاليات والأحداث الرياضية، من خلال مبيعات التذاكر والرعاية وعائدات حقوق البث في وسائل الإعلام. ويمثل مونديال كأس العالم لكرة القدم أحد أهم وأكبر الفعاليات الرياضية التي تقام بصورة دورية، ويعد الفائـز الأكبر مـن بطولـة كأس العالـم هو الاتحاد الدولـي لكـرة القـدم “فيفـا”، فمن المتوقـع أن تصـل عوائده إلـى 5.6 مليـارات.
كما كشفت اللجنة المنظمــة لمونديــال 2018 أن تأثيــر كأس العالــم علــى الناتــج المحلــي الإجمالـي الروسـي بيـن عامـي (2013 و2018) بلـغ 952 مليـار روبـل، أي نحو 5.14 مليـارات دولار، بما يعادل 1.1% مـن الناتـج المحلـي الإجمالي.
وتمثل استضافة قطر لكأس العالم أكبر حدث رفيع المستوى يتم تنفيذه في منطقة الخليج العربي، فقد كانت استضافة الأحداث الرياضية اتجاهًا جديدًا في المنطقة في السنوات الأخيرة. ووفقًا لشركة الأبحاث (PwC)؛ يُظهر هذا القطاع نموًا واعدًا بنسبة 8.7٪ في السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، حيث تستثمر المنطقة الآن بشكل كبير في الرياضة، فقد تطورت الفعاليات التي شهدتها المنطقة من سباقات “الفورميولا وان” في المملكة العربية السعودية والبحرين وأبو ظبي إلى بطولات التنس في دبي وأحداث الجولف الدولية في أبو ظبي.
تكاليف إقامة المونديال
تُشير التوقعات إلى أن يكون لإقامة المونديال تأثير واسع مع ظهور فرص استثمارية جديدة لقطر ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى والمنطقة المحيطة، ففي الدوحة نفسها سيكون للبنية التحتية الجديدة المبنية للأحداث الرياضية الضخمة تأثير فوري على الاقتصاد المحلي. والبطولة هذا العام عالية التكاليف بشكل واضح، فقد أشار تقرير “مونديال الشرق المالي 2022” إلى أنَّ إجمالي تكلفة مونديال قطر بلغ 220 مليار دولار، بما يفوق مونديال روسيا بنسبة 1800% والتذي كانـت تكاليفهـ 11.6 مليـار دولار، فقد تم بناء حوالي ثمانية ملاعب لكأس العالم خالية من الكربون ومبردة بالهواء صممها مهندسون معماريون مشهورون عالميًا ومناطق المشجعين ومواقع التدريب ومناطق خارجية أخرى تم بناؤها واستحداثها.
المصدر: مونديال الشرق المالي 2022.
وفيما يلي تطور إنفاق الفيفا عبر 5 بطولات السابقة. ويظهر من خلالها انخفاض قيمة ما تم إنفاقه في قطر بالمقارنة بما تم في مونديال البرازيل وروسيا السابقين، مقسمة إلى 440 مليون دولار قيمة الجوائز المالية للفائزين، ونحو 322 مليون دولار قيمة المصروفات التشغيلية و247 مليون دولار قيمة النقل التليفزيوني، إلى جانب 209 ملايين دولار برنامج عوائد الأندية، وهي تعويضات تُدفع للأندية لاشتراك لاعبيها في أنشطة المونديال.
2. العوائد الاقتصادية:
تُحقق استضافة البطولات والفعاليات الرياضية عددًا من المكاسب، سواء للدول المستضيفة أو على مستوى الجهات المنظمة (الفيفا)، ويتوقع أنَّ أرباح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لمونديال قطر 2022 قد تصل إلى 6.4 مليارات دولار، فيما لا تتجاوز ميزانيته للبطولة 1.7 مليار دولار، موزّعة ما بين 440 مليون دولار للجوائز المالية، و322 مليونًا للمصروفات التشغيلية، و247 مليونًا للنقل التلفزيوني، و209 ملايين لبرنامج عوائد الأندية، و478 مليون دولار لمصروفات أخرى كتذاكر السفر والضيافة وغيرها. ويُشير الشكل التالي إلى تطور عائدات الفيفا عبر آخر خمسة أحداث من كأس العالم.
كما بلغت عوائد البث التلفزيوني في مونديال روسيا نحو مليارين و760 مليون دولار. بينما في البرازيل في عام 2015 كانت هذه القيمة تبلغ مليارين و484 مليون دولار، وفي نسخة جنوب أفريقيا بلغت نحو مليارين و400 مليون دولار. وذلك بارتفاع كبير عن نسخة ألمانيا في عام 2006، إذ بلغت عوائد البث حينها قرابة مليار و300 مليون دولار، بينما كانت تقل عن مليار دولار في نسخة عام 2002 التي عُقدت في كوريا واليابان.
3. العوائد الاقتصادية المتوقّعة للدول المستضيفة:
تُمثل استضافة الأحداث الرياضية الكبرى علامة فارقة في عددٍ من الاقتصاديات، وفي حالة قطر يمثل المونديال فرصة لتنويع اقتصاد البلاد والانفتاح على المجتمع الدولي مع توقع أكثر من مليون زائر، بما سيسرع الحدث النمو في قطاعات متنوعة مثل السفر والسياحة والضيافة والبنية التحتية، ويساعد في ترسيخ مكانتها كمركز للرياضة، والدبلوماسية، والثقافة، والأعمال.
كما أن البطولة ستعود بالفائدة على دول مجلس التعاون الخليجي بأكملها، حيث تتوقع هيئة السياحة السعودية استقبال نحو 30 ألف زائر بفضل كأس العالم. كما أعلن منظمو الرحلات في المملكة السعودية عن تنظيم مسارات ورحلات خاصة لمشجعي كرة القدم وتسهيل الانتقال إلى قطر، هذا وقد خصصت عمان نحو 20 ألف غرفة فندقية كما سهلت حجز رحلات اليوم الواحد بأسعار مخفضة.
وقد استحدثت دول الخليج عددًا من خطوط الطيران من وإلى الدوحة لنقل المشجعين، حيث تم توقيع عقود شراكة بين الخطوط القطرية وشركات (فلاي دبي) والخطوط الكويتية والعمانية والسعودية لتشغيل نحو 160 رحلة يومية من الدول المجاورة إلى قطر.
فمع توقّع عشرات الآلاف من مشجعي كرة القدم، معظمهم من أوروبا وأمريكا الجنوبية، ستصبح البلدان المجاورة قاعدة لكأس العالم في قطر مثل الإمارات العربية المتحدة خيارًا جيدًا، حيث تقوم العربية للطيران وفلاي دبي بتشغيل 45 رحلة يوميًا إلى الدوحة.
ختامًا، يمكن القول إنه على الرغم من ارتفاع قيمة العوائد الاقتصادية المتوقعة من استضافة وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى والتي يأتي على رأسها (كأس العالم لكرة القدم)، إلا أن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي سلط الضوء على الجوانب الأخرى السلبية من الاستضافة، للأسباب التالية:
- السبب الأول: تكلفة الفرصة البديلة لاستضافة بطولة رياضية كبرى؛ والمقصود بها أن يتم استخدام الأموال التي يتم إنفاقها على البنية التحتية الرياضية الجديدة أو المطورة بصورة أكثر حكمة في الاستثمارات طويلة الأجل في المجالات الحيوية من الاقتصاد؛ وهذا يعني الإنفاق لتحقيق النمو الاقتصادي وتحسينات مستدامة وواسعة النطاق لمستويات المعيشة.
فإن البنية التحتية الرياضية مكلفة في البناء والتشغيل، وغالبًا ما يكون من الصعب استخدامها بتكرار كافٍ لتغطية تكاليف الصيانة.
- السبب الثاني: تغيير أنماط السياحة؛ فالأحداث الرياضية الكبرى تجذب بالتأكيد الآلاف من عشاق الرياضة. لكنها قد تعطل التدفقات السياحية القائمة وتؤدي في نهاية المطاف إلى إبعاد حركة المرور عن المواقع والمعالم السياحية الشهيرة. أما فيما يتعلق بما إذا كانت هذه البطولات تعزز أعداد السياح الإجمالية، فقد تشير الأدلة إلى عكس ذلك.
ففي كل من بكين ولندن، انخفضت الزيارات السنوية في عامي 2008 و2012 على التوالي، بينما شهد المتحف البريطاني الأكثر شهرة عددًا أقل من الزوار بنسبة 22٪ خلال الشهر الذي أُقيمت فيه الألعاب.