تعرضت أربعة كابلات إنترنت بحرية قبالة سواحل اليمن على البحر الأحمر من الكابلات الرئيسة التي تربط قارتي أوروبا وآسيا لأضرار مساء 26 فبراير 2024، وهي: EIG، AAE-1، Seacom، TGN-EA. وذكرت مصادر إسرائيلية أن حركة أنصار الله الحوثيين هي من استهدفت هذه الكابلات البحرية، خاصة وأن تهديدات سابقة قد صدرت عن أذرع إعلامية للحركة على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن استهداف هذه الكابلات البحرية في إطار التصعيد الجاري في البحر الأحمر جرّاء استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة. ومن شأن هذا الاستهداف لكابلات الإنترنت البحرية أن ينقل هذا التصعيد إلى مستوى جديد.
سياقات تصعيدية
يأتي هذا الاستهداف أو الضرر الذي تعرضت له كابلات الإنترنت في البحر الأحمر ضمن مجموعة من السياقات التصعيدية التي يمكن أن تقود إلى انتقال التصعيد بين حركة الحوثي والغرب ممثلًا في تحالف “حارس الازدهار” إلى مرحلة استهداف الكابلات البحرية بكل ما تحمله من تداعيات وتأثيرات واسعة النطاق. وتتمثل هذه السياقات فيما يلي:
تهديدات سابقة: سبق وأن هددت حركة الحوثي باستهداف كابلات الإنترنت في البحر الأحمر كإحدى الأدوات التي من شأنها إيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ إذ نشرت قناة تابعة للحركة على تطبيق التواصل الاجتماعي “تليجرام” في 24 ديسمبر 2023 خريطة لشبكة كابلات الاتصالات البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط وبحر العرب والخليج العربي، وأرفقتها بجملة “توجد خرائط للكابلات العالمية وهي تربط بين جميع أنحاء العالم وتمر عبر البحار، ويبدو أن اليمن جاء في موقع استراتيجي بحيث تمر بجانبه خطوط الإنترنت التي تغذي قارات وليس دول فقط”. وهي الرسالة التي تناقلتها حسابات أخرى على “تليجرام” تابعة للفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء “محور المقاومة” سواء في لبنان أو العراق أو سوريا.
يضاف إلى ذلك أن المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللا سلكية باليمن والشركة اليمنية للاتصالات الدولية قد حذرتا في بيان مشترك في 4 فبراير 2024 من حدوث اعتداء حوثي ضد الكابلات البحرية الدولية، وحمّلتا التحالفات الدولية للاتصالات مسئولية هذه الاعتداءات لإصرارها على التعامل مع حركة الحوثي ومنحها معرفة بعمليات الكابلات البحرية الدولية.
استهداف مكثف: يأتي هذا التعرض للكابلات البحرية في وقت يتكثف فيه استهداف الولايات المتحدة وبريطانيا ضمن أعمال تحالف “حارس الازدهار” لمواقع عسكرية حوثية؛ فمنذ الضربات الأولى التي نفذتها واشنطن ولندن ضد أهداف حوثية في 11 يناير 2024، تتواصل الضربات بصورة شبه يومية، مستهدفة موانئ يمنية يستخدمها الحوثيون، ومنشآت تحت الأرض لتخزين الأسلحة والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، وأجهزة رادار، وطائرات هليكوبتر، وحتى صواريخ كانت معدة للإطلاق. وقد أثرت هذه الضربات والاستهدافات على القدرات الحوثية بشكل كبير، وخاصة على مستويات الاستطلاع والرصد وحتى استهداف السفن في البحر الأحمر، ولكنه لم يقضِ عليها تمامًا، مما قد يكون دافعًا إلى استثمار أوراق أخرى في المواجهة لتعويض الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية.
انتشار عسكري في البحر الأحمر: بالإضافة إلى الانتشار العسكري الأمريكي والبريطاني منذ بدء عملية “طوفان الأقصى” والذي عززه إطلاق تحالف “حارس الازدهار”، فإن الأيام الأخيرة قد شهدت تصاعدًا في الانتشار العسكري الأجنبي في البحر الأحمر الذي أصبح ساحة استراتيجية للعديد من القوى الإقليمية والدولية في توجه متنامٍ لعسكرته ومن هذا الانتشار إعلان الاتحاد الأوروبي إطلاق مهمة بحرية تُعرف بعملية “أسبيدس” في إقليم البحر الأحمر وخليج عدن، بمشاركة فرنسا واليونان وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا؛ لحماية الملاحة البحرية وضمان أمن الطاقة الأوروبي. ذلك علاوة على إعلان الصين إرسال الأسطول الـ 46 الجنوبي إلى منطقة البحر الأحمر في مهمة مرافقة للأسطول البحري الـ 45 الذي أرسلته إلى خليج عدن في سبتمبر 2023، وهو التحرك الذي على الرغم من كونه اعتياديًا إلى حد كبير في حركة وانتشار الأساطيل الصينية خلال السنوات الماضية، فإنه لا يمكن فصله عن التطورات الجارية في البحر الأحمر، وارتفاع وتيرة التوترات هناك، والسعي إلى إحداث نوع من التوازن مع الحضور العسكري المتنامي للغرب في هذه المنطقة الحيوية للتجارة الصينية على وجه الخصوص.
رؤية مغايرة
على الرغم من تواتر التقارير التي تجزم بمسئولية حركة الحوثي عن استهداف الكابلات البحرية في البحر الأحمر، فإنه لا يمكن الجزم حتى الآن بهذه المسئولية، بل يمكن الوقوف على بعض الأسباب التي يمكن أن تجعل الحوثيين ينأون بنفسهم عن هذا الاستهداف، ومنها ما يلي:
مصدر تمويل: أشار البيان المشترك للمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللا سلكية باليمن والشركة اليمنية للاتصالات الدولية السابق الإشارة إليه والصادر في 4 فبراير 2024 إلى أن حركة الحوثي قد استغلت خلال السنوات الماضية عائدات قطاع الاتصالات من أجل تمويل أنشطتها وجمع المعلومات لقمع معارضيها، وذلك نتيجة تعامل التحالفات الدولية للاتصالات مع الحركة ومنحها المعرفة بعمليات الكابلات البحرية الدولية، وأن الحركة حصلت على مليارات الدولارات نتيجة سيطرتها على هذه الكابلات مثل كابل آسيا – أفريقيا – أوروبا 1 (AAE-1) وكابل جنوب شرق آسيا – الشرق الأوسط – غرب أوروبا وغيرها. وهو ما يعني أن الحركة في ظل الضغوط التي تتعرض لها راهنًا على المستويات كافة وليس أقلها المستوى الاقتصادي قد لا يكون من مصلحتها استهداف هذه الكابلات.
اكتساب أعداء جدد: حرصت حركة الحوثي منذ بدء عملياتها في البحر الأحمر كأحد أوجه الإسناد لفصائل المقاومة في قطاع غزة على التأكيد أنها تستهدف السفن الإسرائيلية فقط ثم الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية والدول التي تشترك في العدوان على غزة أو في استهداف الحركة في اليمن. وهو تأكيد يمكن أن يُعزى إلى حرص الحركة على اكتساب شرعية أخلاقية عالميًا بوصفها داعمًا للمقاومة الفلسطينية وأنها لا تستهدف الدول الأخرى ولا تسعى إلى اكتساب عداوة الرأي العام العالمي. ومن شأن استهدافها لكابلات الإنترنت في البحر الأحمر وتأثيرات ذلك المحتملة على دول كثيرة أن تكتسب أعداءً جددًا خارج إطار إسرائيل والدول الغربية الكبرى المشاركة في استهدافها.
عدم خشية المواجهة: صعدت حركة الحوثي منذ اليوم الأول لعملياتها في البحر الأحمر بشكل كبير من حدة المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بشكل أساسي، وأعلنت أكثر من مرة استعدادها لشتى أنواع المواجهات، واستهدفت بالفعل عددًا من السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية وحتى القطع العسكرية المنتشرة في البحر الأحمر. الأمر الذي قد يعني أنه لو أرادت الحركة استهداف كابلات الإنترنت فإنها لن تخشى الإعلان عن ذلك كما لم تخشَ تصعيد المواجهة من قبل، ولكنها في المقابل نفت من خلال عضو مكتبها السياسي حزام الأسد ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في صنعاء قيامها بذلك.
تداعيات محتملة
أجمعت تقديرات قادة وخبراء عسكريين غربيين أن حركة أنصار الله الحوثي لا تمتلك القدرات العسكرية البحرية اللازمة لاستهداف الكابلات البحرية التي توجد على أعماق كبيرة تحت سطح البحر. ولكن في الوقت ذاته فإن بعض هذه الكابلات توجد على أعماق تتراوح بين 100 و170 مترًا فقط تحت سطح البحر، وأشارت عدة تقارير إلى أنها تتأثر بأمور كثيرة منها سفن الشحن ومراكب الصيد. وقال كبير المسئولين الرقميين في شركة Seacom المشغلة لهذه الكابلات: إن العطل وقع في الكابلات الموجودة على عمق يتراوح بين 150 و170 مترًا، مما يشير إلى سهولة استهدافها وامتلاك الحوثيين القدرة على ذلك سواء من خلال غواصين أو الألغام البحرية أو ما أُعلن مؤخرًا عن امتلاك الحوثيين له وهو الغواصات الموجهة أو غير المأهولة. وهو أمر إن ثبت صحته فإنه يمكن أن يقود إلى مجموعة من التداعيات، ومنها ما يلي:
تصعيد المواجهة: من شأن تنفيذ الحوثيين لهذا الاستهداف أن ينقل العمليات والمواجهات في البحر الأحمر إلى مستوى آخر أكثر تصعيدًا؛ بالنظر إلى أن إقدام الحركة على الإضرار ببعض الكابلات وإن لم يؤثر بشكل كبير على الاتصالات الدولية فإنه لا ينفي إمكانية تنفيذ ضربات أكثر دقة لكابلات أخرى من شأنها التأثير على حركة الإنترنت في آسيا وأوروبا، بما يؤثر بشكل كبير على حركة الاتصالات والاقتصاد وحتى على القدرات العسكرية وأنظمة المراقبة والرادار والتوجيه. الأمر الذي يمكن أن يدفع الولايات المتحدة وبريطانيا ودولًا أخرى إلى تكثيف الضربات الاستباقية للقدرات الحوثية لدرء أي استهدافات مستقبلية على هذا الغرار. وبقراءة إجماع التقديرات الغربية على عدم امتلاك الحوثيين القدرات اللازمة لتنفيذ مثل هذه الاستهدافات، ولكن امتلاك إيران لها، فإن الأمر قد يتطور لمحاولة إثبات ضلوع إيران وراء هذه العمليات وتحميلها المسئولية عن ذلك، بما يعنيه ذلك من رد فعل.
توسع بنك الأهداف: تسهم هذه العملية إذا ما كانت حركة الحوثي هي منفذها بالفعل في توسع بنك الأهداف بصورة كبيرة وبشكل متبادل؛ إذ تشير هذه العملية إلى أن الحوثيين لديهم المزيد من الأهداف التي يمكنهم إصابتها أو استهدافها ومن شأنها التأثير بصورة مباشرة على المصالح الغربية خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، وربما تكون الكابلات البحرية أول أهداف هذا البنك وتعقبها استهدافات أخرى سواء لكابلات بحرية أكثر حيوية وتأثيرًا أو لأهداف أخرى في بحر العرب والخليج العربي. وفي المقابل، يتوسع بنك الأهداف لدى تحالف “حارس الازدهار” باستهداف الولايات المتحدة وبريطانيا لمجموعة واسعة من الأهداف الحوثية التي من شأنها تقويض القدرات العسكرية الحوثية إلى حد كبير.
تكثيف الضغوط لوقف إطلاق النار: إن استهداف كابلات الإنترنت في البحر الأحمر في هذه العملية كان تأثيره محدودًا نسبيًا، ولكن لا تزال هناك أهداف أخرى ستكون أكثر تأثيرًا على المصالح الغربية ولن يتوقف تأثير توقف خدمات الإنترنت على جيبوتي مثلما هو الحال جرّاء الاستهداف الأخير. وهو ما يزيد الضغوط من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة؛ إذ إن هذ التصعيد الحوثي مرتبط بالتصعيد الأهم في المنطقة وهو العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولطالما أعلن الحوثيون وقف التصعيد إذا ما جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، وسبق وأن التزمت الحركة بوقف التصعيد خلال الهدنة التي سرت في نوفمبر 2023.
إجمالًا، تُظهر الوقائع المشابهة لمثل هذه الحادثة أنه يظل من الصعب الجزم بالطرف الذي يقف وراءها، مثل حادثة تفجير خط أنابيب “نورد ستريم” في سبتمبر 2022، ولكن يمكن أن يسهم هذا الحادث في المزيد من عسكرة البحر الأحمر وأن يتزايد التنافس الدولي على هذا الممر الملاحي المهم، فضلًا عن إمكانية أن تستغل الولايات المتحدة مثل هذا الحادث لمحاولة توسيع تحالف “حارس الازدهار” وتوجيه الضربات للحوثيين بمشاركة دول إقليمية أخرى بوصفها الدول التي ستكون أكثر تأثرًا إذا ما تضرر المزيد من الكابلات البحرية.