تبنت تركيا منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران نهجًا توازنيًا لطالما ميز سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، حيث اقتصرت على تبني النهج الدبلوماسي المتوازن معربة عن أسفها لكل من العملية العسكرية التي تتعرض لها إيران، والهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد دول الخليج على السواء، مع اتخاذ بعض الخطوات الدفاعية الاحترازية في المناطق الحدودية لمنع أي أنشطة غير مشروعة مثل التهريب أو حركات هجرة ولجوء غير منظمة. ورغم تعرضها لثلاث هجمات صاروخية أيام 4 و9 و13 مارس 2026، فإنها أبدت استجابة دبلوماسية منضبطة تدين الهجمات ولكنها تؤكد في الوقت ذاته عدم انزلاقها للمواجهة العسكرية القائمة. وفي هذا الإطار، ظهرت مؤشرات تكشف عن تأثيرات داخلية وخارجية محتملة، وهو ما سيتم مناقشته في هذه الورقة.
تأثيرات محتملة
رغم سياسة التوازن التي تنتهجها تركيا، فإن التصعيد الإقليمي الراهن سيكون له تداعيات داخلية وخارجية تطال الخطاب السياسي والأمني التركي، والتأثير على قطاعات محلية حيوية مثل الطاقة والصناعات الدفاعية ، وليس انتهاءً بترسيخ معادلة عسكرية جديدة في شرق المتوسط، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو التالي:
• إعادة تشكيل الخطاب الأمني التركي: من المرجح أن تتحول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى المعضلة الأمنية الرئيسية التي سيدور حولها الخطاب السياسي التركي خلال المرحلة المقبلة، كوسيلة لتعبئة وتعزيز القاعدة السياسية لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، حيث تكتب الرواية الأمنية مكانة مركزية في الحياة السياسية التركية سواء من حيث دورها المحوري في اكتساب التأييد للنظام السياسي أو توجيه سلوك الناخبين؛ ففي أوقات الاستحقاقات الانتخابية يُمثل الأمن مكونًا جوهريًا للخطاب الانتخابي لأردوغان، بما يتيح له اكتساب شرعية سياسية من قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة بالدولة، وترسيخ صورته باعتباره الضامن الأساسي لأمن الدولة ووحدتها وسلامتها، ويكتسب هذا الخطاب تأثير في تركيا بوصفها دولة ذات طابع مركزي قوي، حيث يُنظر إلى القضايا الأمنية بوصفها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببقاء الدولة واستمرارها وسيادتها، الأمر الذي يمنح الخطاب الأمني صدى واسعًا لدى الرأي العام.
وفي السياق التركي، لم يكن مضمون هذا التهديد الأمني ثابتًا، بل تغير تبعًا للمتغيرات الداخلية والإقليمية، ففي بعض الفترات جرى تصوير حزب العمال الكردستاني باعتباره التهديد الأمني الرئيسي، بالنظر إلى طابعه الانفصالي وما يمثله من تحدي لوحدة الدولة القومية التركية، وهو ما منح الحكومة مساحة واسعة لتأكيد شرعيتها من خلال خطاب الحفاظ على وحدة الدولة ومواجهة النزعات الانفصالية. وفي فترات أخرى، انتقل التركيز إلى التهديدات الإقليمية، لاسيَّما النشاط الكردي في شمالي سوريا والعراق، إلى جانب نشاط تنظيم داعش في البلدين، حيث سعت الحكومة إلى إبراز عملياتها العسكرية في هاتين الساحتين باعتبارها دليلًا على قدرتها على حماية الأمن القومي التركي خارج الحدود.
وفي المرحلة الراهنة، من المتوقع أن تشكل الحرب ضد إيران وما يرتبط بها من تهديدات أمنية جوهر الرواية الأمنية الجديدة في الخطاب السياسي التركي، ويشمل ذلك إبراز المخاوف المرتبطة بدعم الولايات المتحدة وإسرائيل لنشاطات انفصالية كردية على الحدود الإيرانية، والتأكيد على قدرة تركيا على التعامل مع التهديدات العسكرية، بما في ذلك التصدي للهجمات الصاروخية التي طالت أراضيها، كما يتوقع أن يتضمن الخطاب تسليط الضوء على الاستعدادات لمواجهة ما يُصور باعتباره تهديدًا إسرائيليًا متناميًا، من خلال الإشارة إلى تعزيز الصناعات الدفاعية.
علاوة على تأطير المرحلة التالية من عملية “تركيا خالية من الإرهاب” والمتعلقة بوضع الأطر القانونية واتخاذ الخطوات التنفيذية اللازمة لإتمام المصالحة التركية الكردية باعتبارها نجاح حكومي في معالجة القضايا الأمنية الداخلية وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة المخاطر الخارجية المحتملة، والترويج لقدرة الحكومة على إدارة التداعيات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالحرب، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد الرقابة على الحدود لمنع أنشطة التهريب غير المشروع أو اندلاع موجات جديدة من الهجرة واللجوء. كما سيُقدم نهج السياسة الخارجية التركية بوصفه سياسة متوازنة وحكيمة نجحت في إبعاد البلاد عن الانزلاق إلى المواجهة الإقليمية الدائرة باعتبارها فخًا يُراد لتركيا الانزلاق فيه، بمعنى آخر، ستصبح إدارة هذه التهديدات المركبة هي الركيزة الأساسية للخطاب الأمني التركي في المرحلة المقبلة، بما يعزز شرعية أردوغان وحكومته وحزبه ويعيد إنتاج قاعدة دعمه السياسي.
ومن المرجح أن يوظف أردوغان وحزب العدالة والتنمية هذا الخطاب الأمني للتأثير على فرص المعارضة خلال الانتخابات المقبلة، فالميزة الأساسية لهذا النوع من الخطاب أنه يدفع النقاش السياسي إلى مستوى القضايا الوطنية الكبرى المرتبطة بمكانة تركيا الإقليمية وقدراتها الاستراتيجية وتحركاتها على الساحة الخارجية، بما يشمل الحديث عن توسيع النفوذ، وبناء القدرات العسكرية، والتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، بحيث تبدو الحكومة في موقع الطرف الذي يتحرك على مستوى الدولة ككل ويدير ملفاتها الكبرى. بالمقابل، يظل خطاب المعارضة في الغالب محصورًا في القضايا المحلية والإدارية المرتبطة بإدارة المدن والبلديات، مثل آليات الدعم الاجتماعي، وتحسين الخدمات العامة، وتقديم التسهيلات الاقتصادية للسكان، ورغم أهمية هذه القضايا بالنسبة للحياة اليومية للمواطنين، فإنها تُقدم عادة في المجال العام باعتبارها مسائل إدارية محدودة مقارنة بالقضايا الاستراتيجية الكبرى التي يطرحها الخطاب الحكومي. ويعود هذا التفاوت في مستوى النقاش إلى أن الحكومة تتحرك من موقعها في إدارة الدولة وتستطيع توظيف مواردها وخطابها السياسي على المستوى الوطني، بينما تستند المعارضة في سرديتها السياسية أساسًا إلى تجربتها في الحكم المحلي، حيث تركز على إبراز كفاءتها الإدارية وقدرتها على تقديم خدمات مباشرة وملموسة للمواطنين[1].
• تعزيز القاعدة السياسية للنظام التركي: تحظى الرواية الإسرائيلية التي أطلقتها بعض مراكز الدراسات ووردت على لسان مسؤولين إسرائيليين بأن “تركيا هي إيران القادمة” بأهمية لدى النخبة التركية، إذ من المتوقع أن يحتل المشروع التوسعي الإسرائيلي ومخاطره المحتملة على أنقرة بمساحة كبيرة في الخطاب السياسي والنقاشات العامة، بهدف تعزيز القاعدة السياسية لأردوغان وحزب العدالة والتنمية. ومن المحتمل أيضًا أن تتم ترجمة هذه النقاشات إلى مزيد من تسليط الضوء على القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية ومشروعات تطوير المنظومات المحلية وبالأخص الصواريخ والمُسيرات، بالنظر إلى دور التحديث العسكري في حشد الجمهور وإظهار قدرة الدولة على التحرك في المجالات الاستراتيجية وتعظيم القدرات الوطنية. وقد كانت الرموز الدفاعية سابقًا في قلب الحملات الانتخابية، فخلال الانتخابات العامة لعام 2023، عُرضت سفينة الإنزال البرمائية “تي سي جي أناضولو” (TCG Anadolu) للجمهور قبيل التصويت، ودُعي المواطنون لزيارتها. ومع ذلك، فإن أنقرة على الصعيد الرسمي ترغب في عودة العلاقات مع تل أبيب إلى مسارها الطبيعي وتخفيف التوترات في ظل مصالح تجارية واقتصادية وتكنولوجية واسعة.
• التركيز على تطوير بنية الدفاعات الصاروخية: سلطت الاستهدافات الصاروخية الثلاثة التي تعرضت لها الحدود الجنوبية لتركيا في 4 و9 و13 مارس 2026 الضوء مجددًا على أوجه القصور في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي التركية، وهو القصور الذي كان قد ظهر منذ الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم تعزز خلال حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025. ففي الحالات الثلاثة، لم تعتمد أنقرة على منظوماتها الوطنية في التصدي للتهديدات، بل تولت منظومات الدفاع الصاروخي بعيد المدى التابعة لحلف الناتو بالمهمة، حيث تولى رادار الإنذار المبكر AN/TPY-2 المتمركز في كورجيك شرق تركيا رصد الصواريخ الباليستية في مرحلة مبكرة من إطلاقها، بينما قامت صواريخ SM-3 الاعتراضية، المطلقة من مدمرات إيجيس الأمريكية في البحر المتوسط، باعتراضها خارج الغلاف الجوي، وتتم إدارة هذه البنية الدفاعية عبر قيادة القوات الجوية المتحالفة (AIRCOM) في رامشتاين بألمانيا، بما يعكس اعتماد تركيا في هذا المجال على المنظومة الدفاعية التابعة للناتو وليس على قدراتها الوطنية.
وعليه، من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تركيزًا متزايدًا على تطوير بنية الدفاعات الصاروخية التركية على مستويين رئيسيين. يتمثل المستوى الأول في المسار المحلي، حيث تعمل أنقرة على تطوير منظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات تحت مسمى القبة الفولاذية، وتشمل هذه المنظومة عددًا من الأنظمة متعددة المديات، بدءًا من طبقة الدفاع القريب جدًا عبر أنظمة مثل سونجور “SUNGUR” (مدى نحو 8 كم) ومنظومة كوركوت “KORKUT” (مدى نحو 4 كم) المخصصة للتعامل مع الطائرات المسيرة والتهديدات القريبة، ثم طبقة الدفاع القصير عبر نظام حصار –A (مدى نحو 15 كم)، ثم طبقة الدفاع متوسط المدى ممثلة في نظام حصار – O (مدى بين 25 و40 كم). وفي قمة هذه المنظومة يأتي نظام الدفاع الجوي بعيد المدى سيبر “SİPER” (مدى يتجاوز 100 كم وقد يصل إلى نحو 150 كم في النسخ المطورة)، والذي دخلت نسخته الأولى مرحلة الإنتاج والتجريب، بينما لا تزال نسخه الأحدث قيد التطوير. ومع ذلك، تظل هذه المديات محدودة نسبيًا عند مقارنتها بمديات الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وفي هذا السياق، تبرز محدودية القدرة الحالية للمنظومات التركية على اعتراض الصواريخ الباليستية كأحد أبرز أوجه القصور، إذ صمم نظام “سيبر” في الأساس للتعامل مع الطائرات وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، بينما لا تزال قدراته في مجال الدفاع الصاروخي الباليستي محدودة، كما أن منظومة إس-400 التي تمتلكها تركيا لا يتم تشغيلها فعليًا لأسباب تتعلق بالتزامات أنقرة داخل الناتو. كذلك، تعاني تركيا من قصور في قدرات الإنذار المبكر، إذ يعتمد نظامها الدفاعي بشكل رئيسي على الرادارات الأرضية وبعض بيانات الناتو، في ظل غياب منظومة أقمار صناعية مخصصة للإنذار المبكر من إطلاق الصواريخ الباليستية. إلى جانب ذلك، لا تزال بعض مكونات منظومات الدفاع الجوي التركية تعتمد على التكنولوجيا الغربية، خاصة في مجالات الإلكترونيات الدقيقة وتقنيات التوجيه، وهو ما تأثر سلبًا بالعقوبات التي فُرضت على أنقرة عقب صفقة إس-400، كما تواجه منظومة القبة الفولاذية تحديات تتعلق بعملية التكامل بين مكوناتها المختلفة، لاسيَّما فيما يخص دمج الصواريخ والرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالانخراط في مشاريع دولية لتطوير أنظمة دفاع صاروخي باليستي، نظرًا لارتفاع تكلفتها وتعقيدها الفني، حيث تتطلب عادة تعاونًا بين عدة دول. وفي هذا الإطار، برزت مساعي تركيا للمشاركة في إنتاج نسخة الجيل التالي من نظام الدفاع الصاروخي “SAMP/T” الفرنسي–الإيطالي، والتي تعود جذورها إلى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ورغم توقف هذه المساعي عام 2015، فإن الحوار مع فرنسا وإيطاليا استؤنف لاحقًا، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم في يوليو 2017، ما يعكس استمرار الاهتمام التركي بهذا المسار. ورغم تكثيف المشاورات الدفاعية مع الجانب الإيطالي مؤخرًا، فإن مشاركة تركيا في هذا البرنامج لا تزال خيارًا غير معروف.
• رفع الحشد العسكري في شرق المتوسط: أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية الإيرانية إلى ما وراء الجبهة الإسرائيلية إلى التأثير على مسارح جيوسياسية أبعد ولكنها تظل ذات اتصال مباشر بالصراع، فقد كان للهجمات بطائرات مُسيرة استهدفت القاعدة البريطانية في أكروتيري جنوب قبرص، أن ساهمت في رفع مستوى العسكرة في شرق المتوسط. فمن جهة، عززت اليونان والعديد من الدول الأوروبية حضورها انتشارها العسكري في قبرص وجزر بحر إيجة، حيث أرسلت اليونان الفرقاطة إتش إس كيمون HS Kimon (F-601)، إلى قبرص، وتتمتع الفرقاطة التي انضمت حديثًا إلى الاسطول اليوناني في يناير 2026 والمجهزة برادار “سي فاير إيه إي إس إيه” (Sea Fire AESA)، بالقدرة على تتبع 800 هدف في وقت واحد ضمن دائرة نصف قطرها 500 كيلومتر، وتهدف إلى تحقيق تفوق جوي أحادي في المنطقة بفضل صواريخها “أستر-30” (ASTER-30) التي يبلغ مداها 120 كيلومترًا، ورافقت هذه القوة البحرية الفرقاطة “إتش إس بسارا” (HS Psara) المجهزة بنظام “قنطور” (Centaur) اليوناني الصنع المضاد للطائرات المسيرة.
كما تم نشر أربع مقاتلات من طراز إف-16 فايبر من جزيرة كريت إلى قاعدة أندرياس باباندريو الجوية في بافوس بقبرص، بما يحول الجزيرة إلى منصة دفاعية من خلال تنفيذ مهام منسقة مع الفرقاطة كيمون. كذلك، قامت اليونان بتعزيز الدفاعات الجوية لجزر بحر إيجة من خلال نشر بطاريات صواريخ باتريوت في جزيرتي كارباثوس وليمنوس، تحت مبرر أن الصواريخ الإيرانية تهدد المجال الجوي البلغاري والأوروبي.
علاوة عل ذلك، عززت دول أوروبية حضورها العسكري في شرق المتوسط، حيث نشرت فرنسا حاملة الطائرات النووية شارل ديغول والفرقاطة الدفاعية الجوية لانغدوك (FS Languedoc) في شرق المتوسط، وأرسلت إيطاليا الفرقاطة الأكثر تطورًا فيديريكو مارتينينغو من فئة بيرجاميني (FREMM)، وأرسلت ألمانيا نوردراين-فيستفالن (FGS Nordrhein-Westfalen) إلى ميناء ليماسول بقبرص، ونشرت هولندا سفينة الدفاع الجوي والقيادة إيفرتسن (Zr.Ms. Evertsen)، فيما نشرت إسبانيا: الفرقاطة كريستوبال كولون، ونشرت بريطانيا مروحيتين من طراز وايلدكات (Wildcat) مزودتين بأنظمة صواريخ مضادة للطائرات المسيرة، وتعتزم إرسال المدمرة التابعة للبحرية الملكية، إتش إم إس دراغون (HMS Dragon)، ما يُساهم في تحصين جزر بحر إيجة ويرفع أهميتها في بنية الأمن الأوروبي.
ومن جهة أخرى، تنظر تركيا إلى الحشد العسكري في شرق المتوسط وبحر إيجة والجزر اليونانية باعتباره إخلالًا بموازين القوى العسكرية في شرق المتوسط، وهو ما قابلته بنشر عسكري مقابل في جمهورية قبرص الشمالية غير المعترف بها، حيث نشرت ست مقاتلات من طراز إف-16 مجهزة بصواريخ AGM-88 HARM التي تتولى مهام “قمع الدفاعات الجوية للعدو” في رسالة مضادة ضد تعزيز الدفاعات الصاروخية في المنطقة، علاوة على نشر أنظمة دفاع جوي من طراز حصار – A وحصار – O في نقاط مختلفة بمطار إركان، ما يعني نشر درع صاروخي بمدى يتراوح من 15 إلى 40 كم، وتهدف بذلك إلى منع تحول قبرص إلى منطقة تطويق عسكري تحت ذريعة حماية الأمن الأوروبي.
وترفع العسكرة المتزايدة في شرق المتوسط وبحر إيجة مخاطر وقوع احتكاكات وحوادث جوية نتيجة للعمليات المتزامنة للطائرات اليونانية والتركية المتزامنة، في ظل عمل مقاتلات تنتمي للبلدين على مقربة من بعضها البعض، وهي احتكاكات لطالما اتسمت بها العلاقات التركية اليونانية في بحر إيجة وتشمل اشتباكات جوية وتبادل اتهامات بانتهاك المجال الجوي، وبالمثل فإن تواجد سفن حربية تابعة لعدة دول منها تركيا واليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا، يرفع احتمال وقوع حوادث بحرية في حالة عمل الوحدات البحرية في المياه المتنازع عليها أثناء الدوريات أو مهام المرافقة أو التدريبات. كذلك، تُساهم العسكرة المتزايدة في رفع احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير للإجراءات التي تتخذها الأطراف الأخرى، ففي ظل التنافس الجيوسياسي في شرق المتوسط والنزاعات بشأن ترسيم الحدود البحرية والوصول إلى موارد الهيدروكربونات، قد يُنظر إلى الإجراءات الدفاعية من قبل دولة ما على أنها استعدادات لشن هجمات ضد الخصوم الآخرين، فعلى سبيل المثال، تُفسر تركيا نشر القوات البحرية والدفاعات الصاروخية من قبل الدول الأوروبية لحماية قبرص كجزء من تحرك يهدف للحد من النفوذ التركي وتغيير الوضع الراهن بالقوة، فيما تنظر قبرص واليونان إلى نشر تركيا طائرات إف-16 في شمال قبرص على أنها محاولة لتعزيز موقعها العسكري في الجزيرة.
• المضي قدمًا في مسار تنويع مزيج الطاقة: اتجهت تركيا خلال الفترة الأخيرة إلى إدماج الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المحلي من خلال توسيع الاستثمارات في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فقد شهد عام 2025 حوالي 14 مشروعًا جديدًا في هذا الصدد لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي، إلى جانب إيلاء اهتمام خاص بالطاقة النووية بالتعاون مع روسيا، في ظل هدف طموح يتمثل في مضاعفة قدرة البلاد على توليد الطاقة المتجددة أربع مرات بحلول 2035، ويرجع ذلك إلى رغبة تركيا في تعزيز أمنها الطاقي من خلال تقليل اعتمادها الكبير على ورادات الطاقة التقليدية، والتي تفوق نسبة الـ 90%. فمن شأن الضغوط التي خلفتها أزمة تعطل الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي من رفع فاتورة استيراد الطاقة والضغط على سلاسل الإمداد الصناعية والزراعية والخدمات اللوجيستية، تحفيز الاتجاه لرفع نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني لتقليل هشاشة القطاع المعتمد بنسبة كبيرة على الخارج.
وبحسب تحليل أجرته مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية التركية (TEPAV)، فإن ميزانية تركيا لعام 2026 وضعت على أساس سعر برميل النفط عند 65 دولارًا، وعند هذا المستوي تبلغ فاتورة استيراد الطاقة حوالي 60-65 مليار دولار، ومن ثم فإن ارتفاع أسعار النفط سينعكس سلبًا على عجز الحساب الجاري، فكل كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط والغاز تزيد من عجز الحساب الجاري بنحو 4.5-5 مليارات دولار، كما أدى إعادة تطبيق ضريبة الوقود المتدرجة والإفراج عن مخزونات النفط الاستراتيجية في 5 مارس 2026 إلى انخفاض إيرادات ضريبة الوقود.
• استكمال البنية التحتية لنقل الطاقة مع العراق: يُمكن أن تشمل التحركات التركية المحتملة استكمال البنية التحتية للطاقة التي تُعزز محورية تركيا كنقطة لنقل وتداول الطاقة، ويشمل ذلك إمكانية العمل على إعادة تشغيل خط أنابيب “كركوك – جيهان” المتوقف منذ حوالي 12 عامًا بعد أن تضرر بشدة في هجمات داعش عام 2014، ومنذ ذلك الحين يتم تحويل النفط الخام من كركوك عبر نظام خطوط الأنابيب في إقليم كردستان العراق، غير أن الأخير عرقل صادرات نفط العراق، وفي دولة تعتمد ميزانيتها بنسبة 90% على عائدات النفط، فإن تعطل الملاحة بمضيق هرمز وعرقلة صادراتها عبر الشمال فإن اقتصادها يخضع لضغوط شديدة، حيث اضطر العراق لتخفيض طاقته الإنتاجية اليومية من 4.4 مليون برميل إلى نطاق يتراوح بين 1.3 مليون و1.6 مليون برميل. ومن شأن إعادة تشغيل خط “كركوك – جيهان”، منح الحكومة العراقية قدرة على تصريف جزء من إنتاجها النفطي يتراوح بين 200 ألف إلى 250 ألف برميل يوميًا، مع ضمان بقاء ميناء جيهان مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط العراقية، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية اختبارات هندسية على مسار الخط الذي يحتاج إلى إصلاح جزء يبلغ طوله 100 كيلومتر.
خريطة 1 – مسار خط نفط كركوك – جيهان

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا لضمان بقائها عقدة لوجيستية رئيسية لنقل وتداول الطاقة في المنطقة، حيث تسعى بغداد إلى إعادة تشغيل خط نفط “كركوك – بانياس” أيضًا ما من شأنه أن يوفر للعراق منفذًا مباشرًا إلى البحر المتوسط وطريقًا أقصر إلى الأسواق الأوروبية، وهي خطوة قد تهمش تركيا كمركز إقليمي لتداول الطاقة، فرغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية الاقتصادية السورية خلال الحرب الأهلية، لا يزال ميناء بانياس على البحر المتوسط يعمل، ومع ذلك، لا تزال المباحثات العراقية مع الجانب السوري في مراحلها الأولى ولم يتم اتخاذ قرار بشأن المضي قدمًا في إعادة تأهيل الخط.
خريطة 2 – مسار خط كركوك بانياس

ختامًا، رغم أن تركيا ليست طرفًا مباشرًا في الصراع الإقليمي الراهن، وحرصت على تبني سياسة توازن تُجنبها الانخراط فيه، فإنها تظل في قلب تداعياته بحكم موقعها الجيوسياسي وتشابك مصالحها الإقليمية، وهو ما ظهرت بعض مؤشراته على الصعيدين الداخلي والخارجي.
[1] للمزيد بشأن المخاطر التي يُمكن أن تتعرض لها تركيا جراء حدوث فوضى سياسية وأمنية أو سقوط النظام الإيراني أنظر: https://ecss.com.eg/56117/