المشروع والثقافة فى الرياضة المصرية

رئيس الهيئة الإستشارية

لم يعد ممكنًا التفكير كما اعتدنا التفكير من قبل، ولا يمكن اعتبار موضوع من الموضوعات بعيدًا عن هدف تحقيق التقدم المصرى بأوسع معانيه، وإذا كنا نقوم بأكبر نقلة نوعية فى التاريخ المصرى المعاصر بالانتقال من النهر إلى البحر، فإنه فى مجال الرياضة لم يعد كافيًا التمثيل «المشرف»، وإنما لابد من الانتقال من البرونز إلى الذهب. أستاذنا وشيخنا د. محمد أبوالغار كتب مقالًا رائعًا فى «المصرى اليوم» بعنوان «تحية لمَن رفعوا رأس مصر فى الأوليمبياد»، جعل من إنجازات البعثة الرياضية فى طوكيو قضية وطنية من الطراز الأول، وفيها كان للنساء حق وتفوق جاء من ذهب. والحقيقة هى أن أصل الموضوع ليس…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

لم يعد ممكنًا التفكير كما اعتدنا التفكير من قبل، ولا يمكن اعتبار موضوع من الموضوعات بعيدًا عن هدف تحقيق التقدم المصرى بأوسع معانيه، وإذا كنا نقوم بأكبر نقلة نوعية فى التاريخ المصرى المعاصر بالانتقال من النهر إلى البحر، فإنه فى مجال الرياضة لم يعد كافيًا التمثيل «المشرف»، وإنما لابد من الانتقال من البرونز إلى الذهب. أستاذنا وشيخنا د. محمد أبوالغار كتب مقالًا رائعًا فى «المصرى اليوم» بعنوان «تحية لمَن رفعوا رأس مصر فى الأوليمبياد»، جعل من إنجازات البعثة الرياضية فى طوكيو قضية وطنية من الطراز الأول، وفيها كان للنساء حق وتفوق جاء من ذهب.

والحقيقة هى أن أصل الموضوع ليس الفوز والنصر فى مواجهة الهزيمة والخذلان فى مباريات قارية أو دولية، بقدر ما هو شهادة على أن الرياضة فى بلادنا ليست فى أحسن الأحوال. وحتى لا يؤخذ الكلام على عكس ما هو مقصود، فإننى أقدر تمامًا الجهود التى بُذلت خلال الأعوام الأخيرة حتى تتقدم مصر فى ترتيبها العالمى بمقدار أكثر من خمسين موضعًا. هناك تحية ضرورية لوزير الشباب والرياضة واللجنة الأوليمبية، وبالطبع اللاعبات واللاعبين على ما أنجزوا من ست ميداليات برونزية وفضية وذهبية أيضًا. رفعتم جميعًا رأسنا ولكم الشكر والتقدير والعرفان.

ولكن القضية هى على الوجه التالى: إذا كان للطائرة أن ترتفع، فإنها لابد لها من أن تجمع عزمًا شديدًا، وسرعة كبيرة على الممر، ومهارة كبيرة فى القيادة حتى تنطلق إلى السماء. تحقيق ذلك فى الدول يحتاج حشدًا لقدرات جبارة، وتعبئة لموارد غير عادية، وإرادة سياسية غير مسبوقة للحفاظ على المسار دون زيغ، والتنسيق ما بين عناصر القوة المختلفة، بحيث لا يتسرب منها إلى الرمال قدر، ولا تتضارب بينها الخطط والحظوظ. وفى مصر خلال السنوات السبع الماضية، ومنذ ٣٠ يونيو ٢٠١٣ تحديدًا، كان القرار أنه آن الأوان أن تكون مصر فى المكانة التى تليق بها، وهو ليس قليلًا ولا كثيرًا على دولة كانت فى العصور القديمة فى المكانة التى للولايات المتحدة فى عالم الآن.

ما جرى من بناء لبنية أساسية متطورة، وإجراء الكثير من التغييرات فى نظم التعليم والصحة والتشريعات المختلفة، تواكبت كلها على وضعنا على الممر، ولدينا القدرة على حلم مشاهدة الكرة الأرضية من أعلى نقطة. هكذا فإنه فى مجال التعبئة والحشد والتراكم اللازم لحمل عبء كبير إلى عنان السماء، ما دور الرياضة والثقافة الرياضية فى هذه القضية؟!

الرياضة كمفاعل قومى تتقاطع مع عدد من الأمور: هى ضرورية بالتأكيد للصحة العامة، وإذا كان بعض أطفالنا يعانون الأنيميا والتقزم، فإن أغلبيتنا يعانون السمنة، وعمرنا المتوقع عند الميلاد لا يتجاوز ٧٣ سنة، بينما فى الدول المتقدمة يتجاوز الثمانين عامًا، كما أنها ضرورية للسلوك البشرى حيث احترام الآخر مهزومًا ومنتصرًا يشكل أمرًا مهمًا لا يجوز مخالفته ولا تجاوزه أو الضحك عليه. كما هو معلوم فإن الألعاب الأوليمبية جاءت لكى تُنفس عن النزعات العدوانية التى جعلت المدن الهيلينية تحارب بعضها البعض. جاء السباق والمنافسة لكى يحلا محل العداوة والثأر، وفوق ذلك وضع أكاليل الغار على مَن يفوز، ويصبح الفائز فى النهاية تتردد الأغانى بشأنه عبر الأجيال. وضع الصحة مع السلوكيات يقدم فورًا نهرًا متدفقًا من الدوافع المطلوبة للاهتمام بالرياضة وموقعها من العمل العام.

هل نحتاج إلى أمر يسمى «انسف حمامك القديم»، وساعتها سوف نتخلص من حالة القلق المروع من الخزى الذى كنا نحصل عليه فى مطلع كل كأس للعالم وكل دورة أوليمبية، أم أن علينا أن نتعامل مع الأمر كما تعاملنا مع الكثير من قضايا حفر القناة وبناء المدن الجديدة والبنية الأساسية وتغييرات القوانين، وإرساء سياسة خارجية مناسبة لكل ذلك تحافظ على أمن مصر ولا تجرها إلى أدوار غير مأمونة؟

النجاح دائمًا ما يبدأ من رؤية، وعلم يحولها من الخيال إلى الواقع، ويصاحبها بإيمان وطنى بأن الكفاح والنضال يستحقان. لسنوات، صاحبت رؤية عمال ومهندسى شركة المقاولون العرب وهم يبنون كوبرى السادس من أكتوبر، معلقين أعلاه فى حر الصيف وبرد الشتاء، وبالطبع إذا سمحت الموازنة العامة بذلك. الآن لم يعد النظر مقصورًا على كوبرى أو جسر واحد، فى داخل الأنفاق أو فوقها، أو فى مقاعد الكراكات عند البحيرات، أو فى مناطق الزراعة الجديدة، أو الإخصائيين الذين يتولون العمل من أجل الحياة الكريمة فى قرى مصر. هنا توجد المعلومة العامة التى تقول إن قرابة ثلثى المصريين هم من الشباب الذى هو فى سن الرياضة والعدو والسباق والمنافسة حسب طبيعة السن والأحوال. كانوا هم الذين قاموا بثورتين، واحدة لأن الأحوال لم تعد تعجبهم، فى عالم يتغير كل يوم، وواحدة لأنه كان هناك مَن يريد الانحراف بمصر أم الدنيا كما هو معلوم.

خلاصة كل ذلك هو الاحتياج إلى خطة ومشروع قومى للرياضة، ليس فقط لإعداد البطل الأوليمبى، فذلك سوف يقود إلى حفنة من الميداليات، ولكنه لن يرفعنا عام ٢٠٣٠ إلى حيث نريد أن نكون ضمن الثلاثين دولة الأولى فى العالم. الشباب يوجد فى المدارس والجامعات والمصانع والمشروعات الصغرى والمتوسطة، وهو منتشر فى البر المصرى كله، ولم تعد هناك فائدة فى أن يظل لا يعرف حماسًا إلا للأهلى والزمالك.

أرض مصر أكثر خصوبة من ذلك على أهميته، والحماس مطلوب دائمًا للاستعداد والفوز، فلماذا لا يكون ذلك فى كل قرية ومدينة توجد بها مدرسة ثانوية، أو مركز للشباب، أو نادٍ للثقافة، أو تجمع من هذا النوع أو ذاك. المحافظون الذين يُحاسَبون على استتباب الأمن العام، ومؤخرًا باتت لهم واجبات تتعلق بالتنمية والتعليم والصحة، الآن سوف يُضاف إليها الرياضة وتخريج الأبطال الذين يرفعون العَلَم ويحملون الذهب.

مراجعة قصة لاعبنا الدولى والعالمى «محمد صلاح» تحكى كفاحًا فرديًا لأسرة مصرية مكافحة، والآن صارت هذه القصة ملهمة لكثير من الأسر، وهذه ولدت تلك المجموعة الصبورة التى فازت فى طوكيو، وفى المقدمة منهم أسرة الفتاة الذهبية فريال أشرف. هؤلاء سوف يرفعون عنّا خزى القليل الذى لم نكن نحصل عليه، ولكن رفع الرؤوس عاليًا يحتاج ما هو أكثر بكثير.

نقلا عن جريدة المصري اليوم الثلاثاء 17/8/2021

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث