وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أداة ضغط: المياه بين تركيا وإيران والعراق

تطرأ مشكلة مياه الأنهار الدولية بين حين وآخر بين الدول التي تشترك معًا في نهر واحد. وبالرغم من وجود الأطر القانونية الدولية الحاكمة لهذه الأنهار، إلا أنه يتم تسييس هذه الملفات من قبل بعض الدول، وعدم الاحتكام إلى الاتفاقيات الدولية. وتتنازع الدول فيما بينها، في ظل تغول البعض منها في بناء السدود بما يُخل بحقوق الدول الأخرى المشتركة معها في النهر نفسه، ومن ثم تمثل المياه ورقة جيوسياسية يتم التلويح بها واستخدامها من قبل بعض الدول للضغط على حقوق الدول الأخرى. يُعد نهر الفرات نهرًا دوليًا يمر بكل من تركيا وسوريا والعراق، وتبلغ مساحته 444000 ك م2، منها 37.4% داخل…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

تطرأ مشكلة مياه الأنهار الدولية بين حين وآخر بين الدول التي تشترك معًا في نهر واحد. وبالرغم من وجود الأطر القانونية الدولية الحاكمة لهذه الأنهار، إلا أنه يتم تسييس هذه الملفات من قبل بعض الدول، وعدم الاحتكام إلى الاتفاقيات الدولية. وتتنازع الدول فيما بينها، في ظل تغول البعض منها في بناء السدود بما يُخل بحقوق الدول الأخرى المشتركة معها في النهر نفسه، ومن ثم تمثل المياه ورقة جيوسياسية يتم التلويح بها واستخدامها من قبل بعض الدول للضغط على حقوق الدول الأخرى.

يُعد نهر الفرات نهرًا دوليًا يمر بكل من تركيا وسوريا والعراق، وتبلغ مساحته 444000 ك م2، منها 37.4% داخل الأراضي التركية، و16% في سوريا، و46.3% في العراق. ينبع النهر من تركيا ويمر بسوريا والعراق ثم يصب في شط العرب. بدأ التوتر في العلاقات بين هذه الدول في السبعينيات، عندما أقامت تركيا وسوريا مشاريعهما للاستفادة من المياه لأغراض الزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والتي أثرت بالسلب على حصة العراق من المياه.

وبدأت مشكلة استغلال نهر الفرات بعد الحرب العالمية الأولى، وحظيت تركيا بالمجرى الأعلى، وسوريا بالمجرى الأوسط، والعراق بالمجرى الأسفل، وقد أقامت تركيا سد كيبان كأول مشروع على نهر الفرات وقد تم الانتهاء منه في 1973، وعدة سدود أخرى مثل: سد قرة قاية 1986، وأتاتورك 1990، ومشروع الجاب ونفق سانلي أورفا 1990، وسد بيرجيك 2000. وقد أعلنت تركيا أنها ستوقف جريان نهر الفرات في 20 نوفمبر 1989 ابتداء من 13 يناير من أجل ملء سد أتاتورك، لكن سوريا والعراق رفضا الموقف التركي وحذرا من الآثار الخطيرة على منسوب تدفق المياه إليهما حيث الإضرار بـ 1.5 مليون مزارع، وأكثر من 5.5 ملايين يعيشون على ضفاف الفرات. فقد كان المعدل السنوي لتدفق مياه نهر الفرات 30 مليار متر مكعب سنويًا، ومع اكتمال سد أتاتورك سيحدث نقص في كمية المياه بنسبة 14 مليار متر مكعب.

بدأت تركيا في بناء مشروع الجاب على نهر الفرات، وعقد أكثر من ستة عشر اجتماعًا دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي حول استخدام مياه نهر الفرات نتيجة معارضة تركيا لأي اتفاقيات أو معاهدات حول النهر، أو تنظيم الاستغلال المشترك بشأن مياه الفرات، وأن تركيا هي منبع النهر، وهو ما يخالف الاتفاقيات الدولية بشأن النهر الدولي ومبدأ تقاسم المنافع وعدم الإضرار بالغير، وأن النهر يشترك به كل من سوريا والعراق وتركيا، وليس نهرًا عابرًا للحدود. وفي نهاية الأربعينيات، قامت تركيا بتحويل مجرى نهر قويق الذي ينبع من أراضيها، ويمر في سوريا ويمد حلب بمياه الشرب، ويروي مساحات واسعة زراعية وكبيرة، لذا تسبب حجز مياه النهر في أضرار كبيرة للأراضي الزراعية.

وفيما يخص نهر دجلة، الذي ينبع من الأراضي التركية، ويتكون من رافدين رئيسيين هما دجلة صو الذي ينبع من السفوح الجنوبية لسلسلة جبال طوروس الشرقية، وباطمان صو الذي يتغذى من الجبال المطلة على البحيرة، وأنه في الأراضي الجنوبية الشرقية لتركيا، وبعد ذلك يتجه دجلة إلى المناطق الحدودية لكل من تركيا وسوريا والعراق. ويصب في نهر دجلة خمسة روافد رئيسية في العراق منها: نهر الخابور، والزاب الكبير، والزاب الصغير، والعظيم، وديالى. وتتسبب هذه السدود في الإضرار بالأراضي الزراعية الواقعة على نهري دجلة والفرات حيث يبلغ نسبة العراق من نهر الفرات 18 مليار متر مكعب سنويًا ومن ثم ستنخفض إلى 6.4 مليارات متر مكعب وتنخفض مياه نهر دجلة من 20.5 مليار متر مكعب إلى 10.5 مليارات م2 سنويًا.

من ناحية أخرى، يشكل شط العرب الخط الفاصل أو الحدود السياسية بين العراق وإيران، ويتكون من التقاء نهري الفرات ودجلة عند منطقة “بكرمة علي” في العراق ومدينة “القرنة”، ويبلغ طول شط العرب من نقطة التقاء نهري الفرات ودجلة وحتى مصبه على الخليج العربي حوالي 204 كم، أما عرضه فيتراوح بين 1.5 كم عند المصب وحوالي 400 كم عند البصرة العراقية. ويصب في شط العرب عند مدينة المحمرة “خرمشهر” رافد جديد يسمى نهر كارون “قارون” الذي ينبع من الأراضي الإيرانية. ويجري شط العرب في اتجاه الجنوب الشرقي داخل الأراضي العراقية وبكلتا ضفتيه وذلك حتى جنوب شرقي مدينة البصرة، ويقدر طول المسافة بنحو 102 كم، ولكن ابتداءً من موقع مدينة البصرة، نجد أن المجرى داخل الأراضي العراقية مع سيطرة إيران على ضفته الشرقية.

تأثر العراق بالمشروعات التي تقوم بها إيران، حيث تخطط إيران لبناء سدين على نهر الزاب لتوليد الطاقة الكهربائية، وزراعة مساحة 20 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. أيضًا قامت ببناء بعض السدود على نهر ديالى، مما أثر على تدفقه السنوي، وأدى إلى حرمان مدينة خانقين العراقية من المياه، مما دفع العراق إلى فتح قناة خاصة. أيضًا قامت إيران ببناء السدود على أنهار الكرخة وكنجان ودويرج، وهو ما أثر على كميات المياه التي ترد إلى العراق.

المياه كأداة للضغط

تمثل قضية السدود عنصر تهديد لأمن الدول التي تشترك في نهر دولي واحد في حالة عدم التنسيق بينها، لا سيما وأن إيران وتركيا تتوسع في هذه المسألة، الأمر الذي دفع وزير الموارد المائية العراقي مهدي رشيد للتلويح باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي في حال إصرار إيران على قطع المياه عن المناطق الشرقية، وعدم التعاون مع العراق وفقًا للمواثيق الدولية. حيث تقوم إيران بقطع المياه عن أنهار سيروان والكارون والكرخة والوند في محافظة ديالى، وخفضت تدفقات نهر سيروان ونهر الزاب الصغير عبر الحدود الإيرانية العراقية في إقليم كردستان العراق. 

ويعاني العراق من ندرة في المياه، وهو ما يشكل تهديدًا رئيسيًا لسكانه، وتتفاقم المشكلة نتيجة بناء السدود والآثار الشديدة لتغير المناخ، فوفقًا لبرنامج الأمم المتحدة عام 2018، فإن العراق يخسر حوالي 25000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سنويًا، ووفقا لمؤشر الإجهاد المائي فإن العراق دولة معرضة لمخاطر مائية، وتحتل المرتبة 20 من بين الدول التي تعاني من الإجهاد المائي بحلول عام 2040، ولا يمثل نقص المياه خطرًا على الزراعة والأمن المائي لإقليم كردستان العراق، بل يؤدي إلى تأجيج الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة في بغداد.

وقد تعاقدت إيران في العقود الـثلاثة الماضية على بناء 600 سد، ومن بين هذه السدود تم إنشاء مشروعات على غرار سد داريان على الروافد العليا لنهري سيروان والزاب الصغير والتي تهدف إلى نقل المياه المتجهة إلى العراق مجددًا إلى إيران، من خلال نفق نصود الذي يبلغ طوله 48 كم واكتمل بناؤه عام 2013، ونفق آخر طوله 10 كم. ومن الجدير بالذكر أن الأنهار القادمة من إيران تلبي ثلث حاجة العراق مثل نهر الزاب الأسفل الذي يغذي بحيرة دوكان التي تتدفق بدورها لتغذي نهر دجلة، وهو ما يؤثر بالسلب على موارد العراق المائية. وفي السياق ذاته، قامت تركيا ببناء شبكة من سدود الري والكهرباء على نهري دجلة والفرات، دون التنسيق مع دولتي المصب سوريا والعراق.

ويمثل مشروع سدود جاب الذي يتضمن 22 سدًا و19 محطة لتوليد الكهرباء أكبر السدود في تركيا، ويمنحها سيطرة على تدفق المياه في نهر دجلة. وتشكل السدود على نهر الفرات تهديدًا لأمن العراق المائي، حيث يشكل نهرا دجلة والفرات وروافدهما جزءًا كبيرًا من الحياة الزراعية في العراق.

ورفضت تركيا التوقيع على اتفاق ملزم لاقتسام مياه نهري دجلة والفرات، وتتبنى باستمرار فكرة أن نهري دجلة والفرات أنهار عابرة للحدود وليست دولية. وتكمن الإشكالية هنا في أن مفهوم النهر العابر للحدود هو نهر داخلي أو محلي بالأساس، وبالتالي يخضع للسيادة المطلقة للدولة التي ينبع منها النهر، وأنه تعدى حدود تلك الدولة ومن ثم فإن كونه تعدى وعبر الحدود لا يؤثر على السلطة المطلقة لدولة المنبع عليه، أي إن تركيا تريد أن تكون لها السيادة المطلقة على هذه الأنهار باعتبارها دولة المنبع، على الرغم من أن العراق له حقوق تاريخية عبر آلاف السنين في مياه نهري دجلة والفرات، وارتبط اسم العراق بهذين النهرين إذ سُمي ببلاد ما بين النهرين وبلاد الرافدين نسبة لهما، كما أن حضارات العراق القديمة في سومر وبابل وآشور نشأت على ضفاف نهري دجلة والفرات.

ولا تقتصر الأهداف التركية التي ترغب في تحقيقها من نهري دجلة والفرات على الأهداف الاقتصادية، بل ثمة أهداف أخرى من حيث التأثير على دول المشرق سوريا والعراق من خلال التحكم بالمياه، والمناورة مع العراق من خلال مبادلة النفط بالماء، كما أن تحكم تركيا بالمياه وبيعها إلى منطقة المشرق العربي مثل مشروع أنابيب السلام التركي، يجعل من تركيا فاعلًا نشطًا ومؤثرًا في النظام الشرق أوسطي.

وتمثل المياه أداة ضغط في يد تركيا، حيث هددت تركيا بقطع مياه نهري دجلة والفرات ما لم يقم العراق باستخدام خط جيهان التركي لتصدير نفطه، وقد رضخ العراق واستخدم ميناء جيهان التركي بالرغم مما يمتلكه من موانئ على الخليج العربي، كما أن تركيا فرضت على العراق شروطًا لزيادة حصته من المياه ومنها السماح للشركات التركية بالاستثمار في العراق في مجال البناء والإعمار، وهو ما حقق لتركيا أموالًا بنحو 2 مليار دولار سنويًا عام 2014.

أيضًا تلعب تركيا على قضية الطائفية مستخدمة ورقة الماء ضمن أوراق الضغط في حال تعارض الموقف العراقي معها، وتعد معظم محطات الكهرباء والمياه في كردستان تركية، بالإضافة إلى الشركات التركية العاملة في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، والقواعد العسكرية التي تهدف إلى محاربة التنظيمات الكردية المناوئة لها. وعملت تركيا على توقيع اتفاق في 1987 لزيادة حصة سوريا من المياه بمعدل 800 ألف متر مكعب سنويًا، مقابل محاربة القوات الكردية المعادية لتركيا في سوريا، والسماح للطائرات التركية بتوجيه ضربات جوية لمعاقل الأكراد داخل سوريا.

الإطار القانوني

اعتُمدت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية في 21 مايو 1997، وتضمنت الاتفاقية النص على “واجب التعاون الدولي بين دول المجرى المائي المشترك في التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات، والإعلان عن التدابير التي تؤثر على حالة المجرى المائي والإخطار في حالة المخاطر والحظر”.

وقد تحددت الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات، وفقًا لمعاهدة لوزان 1923 في المادة 109 التي نصت على الحقوق المكتسبة التي يجب المحافظة عليها من خلال اتفاق بين الدول المعنية. وقد سبق المعاهدة اتفاق بين بريطانيا وفرنسا طبقًا لمعاهدة باريس 1920، ونصت المادة 3 على إنشاء لجنة مشتركة تقوم بمهمة الفحص المبدئي لأي مشروع ترغب سلطات الانتداب في سوريا القيام به على نهري الفرات ودجلة، والذي من شأنه إنقاص واردات الماء من النهرين عند دخولها الأراضي العراقية.

وقد سعت حكومات الدول الثلاث إلى وضع إطار قانوني للاستغلال المشترك للموارد المائية للنهرين، فهناك اتفاقية الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا 1946، ونصت على حق العراق في القيام بأية مشروعات على النهرين تكفل له انسياب المياه بصورة طبيعية أو بهدف التحكم في الفيضانات سواء داخل العراق أو تركيا على أن يتحمل العراق تكاليف هذه المشروعات.

أيضًا سبق وعقدت اتفاقات ثنائية بين سوريا وتركيا والعراق في أعوام 1962-1963-1966-1967 لإيجاد وسيلة مناسبة لتبادل المعلومات بين الأطراف المعنية بشأن حالة كل من النهرين، وطبيعة المشروعات التي يسعى كل طرف إلى إقامتها. وتم توقيع بروتوكول للتعاون الاقتصادي والفني بين تركيا والعراق في 1971، وتضمن أن تجري السلطات التركية المشاورات اللازمة مع العراق أثناء وضع برنامج ملء خزان كبيان، وذلك بما يكفل تأمين احتياجات العراق من المياه.

ووقعت كل من سوريا والعراق اتفاقًا في 1990 يقضي بتحديد حصة كل منهما من موارد الفرات المائية عند الحدود التركية-السورية، وتحددت حصة سوريا بنحو 42%، والعراق بنسبة 58%. وقد اعترضت الحكومة العراقية على الاتفاق التركي-السوري الذي تم التوصل إليه عام 1987 والذي نص على تحديد كمية المياه الواردة عند الحدود التركية-السورية بـ500 متر مكعب في الثانية.

على الجانب الآخر؛ وقع العراق مع إيران معاهدة أرضوم 1847 بين الدولة العثمانية وبلاد فارس بهدف تنظيم الملاحة في شط العرب وحق السفن الإيرانية في المرور الحر، ووُقع في 1913 ما سمي ببروتوكول إسطنبول من خلال تعديلات أدخلت على اتفاقية أرضروم، حيث قدم العراق تنازلات لإيران منها إخضاع الجزر الواقعة أمام إقليم عبادان للسيادة الإيرانية، وتنازلت الدولة العثمانية عن جزء من مياه شط العرب وأصبحت الحدود خلال منتصف المجرى البحري.

لكن لم تتوصل الأطراف الثلاثة إلى اتفاق جماعي للاستغلال المشترك للموارد المائية لنهري دجلة والفرات، وهو أحد الأسباب وراء توتر العلاقات بين هذه الدول، ومصدر من مصادر تهديد الأمن الوطني لدولتي المصب العراق وسوريا.

ختامًا، يمكن القول إن المياه تمثل ورقة جيوسياسية، وإن تركيا وإيران تلوح بها كأداة للضغط على العراق في قضايا وملفات أخرى بما يحقق مصالحها وأهدافها، وبما يخالف الاتفاقات الدولية، وبما يهدد أمن الدولة العراقية، وهو ما يتطلب موقفًا جادًا من المجتمع الدولي تجاه قضايا المياه المثارة بما يحقق الأمن العالمي، لا سيما وأن الدراسات دائمًا ما تؤكد أن الحروب القادمة هي حروب المياه.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية