توافق النخبة الاقتصادية

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف تشهد مصر، فى الأسابيع القليلة القادمة، انعقاد مؤتمر اقتصادى كبير، وبدء جلسات الحوار الوطنى، الذى يتضمن محورًا اقتصاديًّا ضمن محاوره الثلاثة.. وهنا يتبادر السؤال: لماذا الدعوة إلى مثل هذه اللقاءات، وما الهدف منها؟. هناك بالتأكيد إجابات متعددة، تختلف استنادًا إلى مَن يوجه إليه السؤال. ولكن معظم الإجابات لا تعطى أهمية كافية لأمر أرى أنه يجب أن يكون أحد الأهداف الأساسية للحوار الوطنى والمؤتمر الاقتصادى، وهو خلق «توافق» حول «التوجهات الاقتصادية الكبرى» المتعلقة بالنمو والتنمية، وليس فقط محاولة إيجاد حلول لمشاكل جزئية مثل عجز الموازنة، والبطالة، والاستثمار.. إلخ. هذا التوافق مازال غائبًا، وخاصة بين العناصر المختلفة المرتبطة بالعملية الاقتصادية، وعلى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف تشهد مصر، فى الأسابيع القليلة القادمة، انعقاد مؤتمر اقتصادى كبير، وبدء جلسات الحوار الوطنى، الذى يتضمن محورًا اقتصاديًّا ضمن محاوره الثلاثة.. وهنا يتبادر السؤال: لماذا الدعوة إلى مثل هذه اللقاءات، وما الهدف منها؟. هناك بالتأكيد إجابات متعددة، تختلف استنادًا إلى مَن يوجه إليه السؤال. ولكن معظم الإجابات لا تعطى أهمية كافية لأمر أرى أنه يجب أن يكون أحد الأهداف الأساسية للحوار الوطنى والمؤتمر الاقتصادى، وهو خلق «توافق» حول «التوجهات الاقتصادية الكبرى» المتعلقة بالنمو والتنمية، وليس فقط محاولة إيجاد حلول لمشاكل جزئية مثل عجز الموازنة، والبطالة، والاستثمار.. إلخ.

هذا التوافق مازال غائبًا، وخاصة بين العناصر المختلفة المرتبطة بالعملية الاقتصادية، وعلى رأسها الدولة والقطاع الخاص، وكذلك الأحزاب والقوى السياسية وقيادات الرأى العام. «التوافق» حول التوجهات الاقتصادية كان موضوع كتاب صدر منذ أسابيع قليلة باللغة الإنجليزية بعنوان «الرهان على التنمية: لماذا يفوز بعض البلدان ويخسر البعض الآخر؟»، ومؤلفه ستيفان ديركون، وهو اقتصادى إنجليزى، وعمل لفترة طويلة فى مجال التنمية الاقتصادية بالعديد من دول العالم. وقد عرضت لبعض أفكار هذا الكتاب من قبل، ولكن أقوم فى هذا المقال بتفصيلها والتأكيد عليها نظرًا لارتباطها بموضوع الحوار الاقتصادى.

الفكرة الرئيسية فى الكتاب هى أن الدول التى استطاعت أن تحقق نجاحًا فى التنمية بدأت بتوافق بين نخبتها، وأن النمو والتنمية الناجحة يتطلبان وجود صفقة إنمائية، أى التزام أساسى بالنمو والتنمية من قِبَل أعضاء النخبة فى الدولة، ويعرف الكاتب النخبة هنا بأنهم الأشخاص داخل نسيج المجتمع والاقتصاد والسياسة الذين يتخذون القرارات أو يستطيعون التأثير عليها، أى أنها لا ترتبط فقط بالطبقة السياسية أو بيروقراطية الدولة، ولكن تضم المشتغلين بالاقتصاد، وخاصة قطاع الأعمال والمثقفين والمجتمع المدنى وقادة النقابات،

.. وأى فئات أخرى ذات تأثير اقتصادى، بما فى ذلك وسائل الإعلام وكُتاب الرأى.

ويصف المؤلف هذا «التوافق» بأنه «التزام من قِبَل أولئك الذين لديهم القدرة على تشكيل السياسة والاقتصاد والمجتمع للسعى نحو النمو والتنمية. هذا الالتزام المشترك هو الذى يجمع بين البلدان الناجحة اقتصاديًّا، على الرغم من الخلافات بشأن بعض التفاصيل، بما فى ذلك تلك المعنية بوضع السياسات الاقتصادية».

ويشير الكاتب إلى أن التوافق بين النخبة هو شرط أساسى للتقدم التنموى. ولكى تبدأ الدول فى إطلاق النمو الاقتصادى والتنمية الواسعة، يجب أن يكون هناك التزام مشترك بين النخبة حول الخطة التى ينبغى اتباعها، والإجراءات التى تتماشى مع ذلك، وأن هذا التوافق يجب أن يكون التزامًا سياسيًّا مشتركًا ودائمًا وذا مصداقية، وتكون لديه القدرة على الاستمرارية حتى لو تغيرت الحكومات، وأن هذا «التوافق» يجب أن يتضمن سياسات حقيقية وذات مصداقية، وليس مجرد تصريحات أو بيانات غامضة، وأن تستخدم الدولة قدراتها لتحقيق أهداف هذا التوافق، وأن تتوافر القدرة والآلية للتعلم من الأخطاء وتصحيح المسار.

ويشير الكاتب إلى أن هناك مدرستين أساسيتين فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، الأولى تركز على بناء «المؤسسات» شرطًا لتحقيق النمو والتنمية، أما المدرسة الثانية فتشترط تبنى مجموعة معينة من «السياسات» مثل التركيز على «أهداف التنمية المستدامة» أو «السياسات الاقتصادية اليمينية» أو «الالتزام بالنمو الأخضر»، ولكن المؤلف يرى أنه لا توجد وصفة محددة للتنمية، وأن هناك دولًا استطاعت تحقيق نمو دون وجود «مؤسسات» قوية عند الانطلاق، وأخرى أعلنت عن التزامها بـ«سياسات» معينة، ولكن تخاذلت فى ذلك عند التطبيق، وأن البلدان الناجحة قد اتبعت مجموعة متنوعة نسبيًّا من السياسات الاقتصادية.

وبالتالى يرى الكاتب أن نقطة البداية للتنمية والنمو لا ترتبط بالضرورة بـ«المؤسسات القوية» أو تبنى حزمة معينة من «السياسات»، بل ترتبط بوجود «التوافق» بين النخبة الاقتصادية، وخاصة ما يتعلق بالموارد الاقتصادية وسياسات التوزيع.

ويؤكد المؤلف أن خلق هذا التوافق لا يرتبط بطبيعة النظام السياسى، وأن دولًا تنتمى إلى نظم سياسية مختلفة استطاعت تحقيق النمو والتنمية نتيجة لهذا التوافق بين نخبتها، حيث يقدم الكتاب نماذج للنجاح تتضمن الصين وكوريا الجنوبية والهند وتايوان وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا وبنجلاديش ودولًا إفريقية مثل كينيا وأوغندا وغانا.. وغيرها.

وأخيرًا يشير الكتاب إلى أنه لا توجد «وصفة» واحدة لإيجاد الطريق الصحيح لتحقيق النمو والحفاظ عليه، ووارد أن تكون هناك عثرات فى الطريق بشأن ما تم «التوافق» عليه، وقد تكون هناك حاجة إلى التصحيح نتيجة الاختبار على أرض الواقع، ومن الضرورى وجود آلية للمساءلة والمراجعة والتصحيح.

باختصار، فإن انعقاد المؤتمر الاقتصادى وجلسات الحوار الوطنى قد يمثلان فرصة طيبة للتوافق بين النخب المشاركة حول التوجهات الرئيسية للنمو والتنمية، وبما يضمن وضوح الرؤى واستمرارية السياسات.

نقلا عن جريدة المصري الالإثنين 19-09-2022

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر