وحدة الدراسات الاقتصادية

مصر وأهداف التنمية المستدامة

تواجه البلدان على مستوى العالم تحديًا يتمثل في ترجمة أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة إلى خطط تنمية عملية وواقعية، كما تسعى الدول لاستغلال الموارد المالية المحتملة التي يمكن استخدامها لتمويل الاستثمارات اللازمة لتنفيذ خطة عام 2030. وتعد مصر من ضمن الدول التي تسعى إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. وعلى مدى العقود الماضية استطاعت مصر أن تحقق تقدمًا واضحًا في التنمية البشرية، وبما يشمل التوسع في القدرة على الحصول على التعليم، والحد من انتشار الأمراض المعدية، وزيادة متوسط العمر المتوقع، كما تعد مصر من أكبر الاقتصادات في العالم العربي كما هي مقر لواحدة من أسرع الطبقات…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

تواجه البلدان على مستوى العالم تحديًا يتمثل في ترجمة أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة إلى خطط تنمية عملية وواقعية، كما تسعى الدول لاستغلال الموارد المالية المحتملة التي يمكن استخدامها لتمويل الاستثمارات اللازمة لتنفيذ خطة عام 2030. وتعد مصر من ضمن الدول التي تسعى إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. وعلى مدى العقود الماضية استطاعت مصر أن تحقق تقدمًا واضحًا في التنمية البشرية، وبما يشمل التوسع في القدرة على الحصول على التعليم، والحد من انتشار الأمراض المعدية، وزيادة متوسط العمر المتوقع، كما تعد مصر من أكبر الاقتصادات في العالم العربي كما هي مقر لواحدة من أسرع الطبقات المتوسطة نموًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقد خلق هذا النمو تحديات خاصة تتمثل في توقعات الطبقة المتوسطة لمستوى الخدمات المقدم من الدولة، كما سيتوقع الأفراد الأكثر تعليمًا الحصول على وظائف أفضل، وتتفاقم هذه التحديات في مصر بسبب عدد من العوامل على رأسها تباطؤ النمو الاقتصادي بعد الاضطرابات الاجتماعية التي بدأت في عام 2011، واستمرار التذبذب في مستويات البطالة، فضلًا عن أنه لا يزال السكان صغار السن نسبيًا في تزايد. وفيما يلي يسلط المقال الضوء على التقدم الذي أحرزته مصر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وما هو متوقع لتحقيق الأهداف المستقبلية بحلول عام 2030:

أولًا: نظرة على أهداف التنمية المستدامة

اعتمدت الدول في سبتمبر 2015 خطة الأمم المتحدة 2030، والتي استعرضت فيها أهداف التنمية المستدامة الشاملة، وتشمل الخطة 17 هدفًا و169 غاية وأكثر من 230 مؤشرًا التي تغطي أوجه التنمية من مختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وينص جدول الأعمال على استفادة كل فرد من ثمار التنمية المحقق، ومع ذلك فإن توافر البيانات المحدود في معظم البلدان يفرض تحديات هائلة لتتبع التقدم المحرز نحو تحقيق خطة عام 2030، وتقييم تأثير أدوات السياسة على أهداف التنمية المستدامة.

وتمثل رؤية مصر 2030 موطئ قدم على الطريق نحو تحقيق التنمية الشاملة من خلال نشر العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وإحياء دور مصر في الريادة الإقليمية. وتعد أهداف التنمية المستدامة خارطة طريق لتحقيق أحلام وتطلعات المصريين في حياة كريمة، وتتكون أهداف التنمية المستدامة من الأبعاد التالية:

  • الأبعاد الاقتصادية:

المحور الأول- التنمية الاقتصادية:

بحلول عام 2030، تسعى مصر لأن يكون اقتصادها اقتصاد سوق متوازنًا قائمًا على المعرفة والمنافسة والتنوع، والتميز ببيئة اقتصادية كلية مستقرة وقادرة على تحقيق نمو شامل مستدام، وخلق فرص عمل لائقة ومنتجة، وأن يصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستوى البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع.

المحور الثاني- الطاقة:

أن يلبي قطاع الطاقة متطلبات التنمية المستدامة الوطنية، ويعظم الاستخدام الفعال لمختلف الموارد التقليدية والمتجددة بما يساهم في النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على البيئة.

المحور الثالث- المعرفة والابتكار والبحث العلمي:

تنمية مجتمع يعمل على الإبداع والابتكار واستخدام التكنولوجيا والمعرفة ضمن نظام شامل يضمن القيمة التنموية للمعرفة والابتكار باستخدام مخرجاتهما لمواجهة التحديات وتحقيق الأهداف الوطنية.

المحور الرابع- الشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية:

توفير قطاع إدارة عامة يتسم بالكفاءة والفعالية، ويدير موارد الدولة بشفافية وإنصاف ومرونة، ويخضع للمساءلة وتعظيم المواطنين ورضاهم والاستجابة لاحتياجاتهم.

  • الأبعاد الاجتماعية:

المحور الخامس- العدالة الاجتماعية:

بحلول عام 2030، يتم تطبيق مجتمع عادل ومتكافل يتميز بالمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفرص لتحقيق الاندماج الاجتماعي، والحق في المشاركة على أساس الكفاءة ووفق القانون، وتشجيع الحراك الاجتماعي القائم على المهارات، وأن يوفر المجتمع الحماية والدعم للفئات المهمشة والضعيفة.

المحور السادس- الصحة:

تمتع جميع المصريين بحياة صحية وآمنة من خلال توفير نظام رعاية صحية متكامل وسهل الوصول إليه، وعالي الجودة، وتحسين الظروف الصحية من خلال التدخل المبكر والتغطية الوقائية، بجانب ضمان حماية المستضعفين، وتحقيق رضا المواطنين والعاملين في القطاع الصحي، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تحقيق الازدهار والرفاهية والسعادة، مما سيؤهل مصر لتصبح رائدة في مجال خدمات الرعاية الصحية والأبحاث في العالم العربي وإفريقيا.

المحور السابع- التعليم والتدريب:

تطبيق نظام تعليم وتدريب عالي الجودة متاح للجميع دون تمييز ضمن إطار مؤسسي فعال وعادل ومستدام ومرن، وإكساب الطلاب والمتدربين المهارات اللازمة للتفكير الإبداعي، وتمكينهم فنيًا وتكنولوجيًا.

المحور الثامن- الثقافة:

سيادة نظام قيم ثقافية إيجابية يحترم التنوع والاختلاف، وتمكين المواطنين من الوصول إلى المعرفة وبناء قدرتهم على التفاعل مع التطورات الحديثة، مع الاعتراف بتاريخهم وتراثهم الثقافي، ومنحهم حرية الاختيار والإبداع الثقافي، واستخدام نشر الثقافة كقوة ناعمة لمصر على المستويين الإقليمي والدولي.

  • الأبعاد البيئية:

المحور التاسع- البيئة:

العمل على دمج البيئة في جميع القطاعات الاقتصادية للحفاظ على الموارد الطبيعية ودعم استخدامها واستثمارها بكفاءة، مع ضمان حقوق الأجيال القادمة في بيئة نظيفة وآمنة وصحية.

المحور العاشر- التنمية العمرانية:

توفير إدارة تعمل على التنمية المكانية المتوازنة للأراضي والموارد لاستيعاب السكان وتحسين نوعية حياتهم.

ثانيًا: مصر في أهداف التنمية المستدامة

احتلت مصر المرتبة 83 من بين 166 دولة في تقرير التنمية المستدامة لعام 2020، محققة بذلك تقدمًا بتسع مراتب مقارنة بما كانت عليه عام 2019، وهذا ناتج عن تضافر جهود الوزارات والهيئات المعنية التي أدت إلى تحقيق مصر لنتائج إيجابية في أهداف التنمية المستدامة، وفيما يلي شكل يبين تطور ترتيب مصر في مؤشر أهداف التنمية المستدامة:

 شكل رقم (1): تطور ترتيب مصر عالميًا في مؤشر أهداف التنمية المستدامة

 المصدر: أعداد متفرقة www.sdgindex.org.

يوضح الشكل السابق التقدم الواضح في ترتيب مصر عالميًا في مؤشر أهداف التنمية المستدامة. ففي عام 2016 كان ترتيب مصر في المؤشر عالميًا 66 من بين 149 دولة، ثم تراجع الترتيب ليصل إلى أعلى تراجع عند الترتيب 97 من بين 115 دولة، ليعاود التحسن التدريجي ليصل إلى 83 من بين 166 دولة وعند الدرجة 68.8، وذلك بالرغم من الأزمة الصحية العالمية التي بدأت عام 2020. وتجدر الإشارة إلى أنه كلما اقتربت درجة المؤشر من 100 دل ذلك على التحسن الحادث في مؤشر أهداف التنمية المستدامة.

ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، فقد حققت مصر نموًا اقتصاديًا إيجابيا بالرغم من أزمة كورونا، كما تراجعت معدلات البطالة، وحدث تحسن في المؤشرات المتعلقة بتمكين المرأة في سوق العمل، وتحسنت مؤشرات بيئة الأعمال والمؤشرات المتعلقة بالتعليم والعمالة.

وتقدمت مصر أيضًا في مؤشر كفاءة المؤسسات 12 مركزًا عام 2020 مقارنة بعام 2019، وفي مؤشر الملكية الفكرية 5 مراكز، و13 مركزًا في مؤشر جودة البنية التحتية. أيضًا تحسنت مصر في مؤشرات التكنولوجيا، ومنها المؤشر العالمى للابتكار، ومؤشر الابتكار الفرعي للاستثمار، ونسبة السكان الذين يستخدمون الإنترنت خلال نفس الفترة، وفي مؤشر كفاءة الحوكمة.

وعلى إثر اهتمام مصر بقطاع الصحة فقد ترك ذلك أثرًا إيجابيًا على مؤشر متوسط العمر وتحسين معدل الهزال، ومؤشر وفيات الأطفال تحت 5 سنوات، ومعدل الإصابات بأمراض الكبد الوبائي، كما تحسنت العديد من المؤشرات المتعلقة بالبعد الاجتماعي، وتمكنت مصر من تحقيق المستهدف التنموي في العديد من المؤشرات.

ثالثًا: مقارنة ما بين مصر وباقي الدول العربية في أهداف التنمية المستدامة

وفقًا لتقرير التنمية المستدامة الصادر في 2020، فقد أحرزت مصر تقدمًا في ترتيبها بين الدول العربية بنقطتين مقارنة بعام 2019، حيث جاءت في المرتبة السابعة من بين 20 دولة عربية في عام 2020، وعلاوة على ذلك فقد احتلت مصر أيضًا المرتبة الأولى بين تسع دول عربية من حيث تنفيذ منصات التقارير الوطنية العربية لأهداف التنمية المستدامة. ويبين الشكل التالي ترتيب الدول العربية في مؤشر أهداف التنمية المستدامة:

شكل رقم (2): ترتيب الدول العربية في مؤشر أهداف التنمية المستدامة لعام 2020

Source: www.sdgindex.org

يبين الشكل السابق موقع مصر بين الدول العربية في مؤشر أهداف التنمية المستدامة عام 2020، حيث جاءت الجزائر في مقدمة الدول العربية في المؤشر وبدرجة 72.3، ثم تونس 71.4، والمغرب 71.3، والإمارات العربية المتحدة 70.3، وسلطنة عمان 69.7، وأخيرًا البحرين ومصر عند 68.8.

أما من بين الدول الإفريقية، فقد احتلت مصر المركز الرابع من بين 47 دولة إفريقية في تقرير 2020، لتحافظ على نفس الترتيب الذي حققته العام الماضي.

هذا وتعمل الدولة المصرية على قدم وساق لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال دعم اقتصادٍ سوقيٍّ تنافسيٍّ ومتنوع وقائم على المعرفة يقوده القطاع الخاص، وبتحقيق بيئة اقتصادية كلية مستقرة، ونمو شامل مستدام، وتعظيم القيمة المضافة، وتوليد ما يكفي من فرص العمل، ومع التطور الإيجابي المتحقق في ترتيب مصر عالميًا في مؤشر أهداف التنمية المستدامة، حتى يستطيع الاقتصاد المصري بحلول عام 2030 أن يكون لاعبًا نشطًا في الاقتصاد العالمي، وقادرًا على التكيف مع التطورات الدولية وفي وضع جيد يمكنه من الانضمام إلى مصاف الدول متوسطة الدخل عالميًا.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية