وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف تتجنب الاقتصادات الندوب الاقتصادية؟

أثرت الجائحة على الاقتصادات حول العالم وعلى القطاعات المختلفة بشكل متفاوت. وعلى الرغم من التدخلات الحكومية المالية والنقدية للحد من الآثار الناجمة عن الجائحة أو على الأقل تأجيلها؛ إلا أن المخاوف بشأن عدم قدرة بعض هذه القطاعات على العودة إلى أنماطها الطبيعية قد ارتفعت مما يزيد من احتمالية حدوث ندوب اقتصادية.  يناقش هذا المقال أكبر المخاطر التي قد تؤدي إلى هذه الندوب المتوقعة من قِبَل أكبر الاقتصاديين، مع توقعاتهم لتدخلات البنوك المركزية لتحقيق الاستقرار في الأسعار. أولًا: الندوب الاقتصادية في محاولة لتحديد آراء الخبراء عن توقعاتهم للوضع الاقتصادي الحالي والمستقبلي، قام منتدى الاقتصاد العالمي بعمل تقرير بعنوان “توقعات كبار الاقتصاديين”…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أثرت الجائحة على الاقتصادات حول العالم وعلى القطاعات المختلفة بشكل متفاوت. وعلى الرغم من التدخلات الحكومية المالية والنقدية للحد من الآثار الناجمة عن الجائحة أو على الأقل تأجيلها؛ إلا أن المخاوف بشأن عدم قدرة بعض هذه القطاعات على العودة إلى أنماطها الطبيعية قد ارتفعت مما يزيد من احتمالية حدوث ندوب اقتصادية. 

يناقش هذا المقال أكبر المخاطر التي قد تؤدي إلى هذه الندوب المتوقعة من قِبَل أكبر الاقتصاديين، مع توقعاتهم لتدخلات البنوك المركزية لتحقيق الاستقرار في الأسعار.

أولًا: الندوب الاقتصادية

في محاولة لتحديد آراء الخبراء عن توقعاتهم للوضع الاقتصادي الحالي والمستقبلي، قام منتدى الاقتصاد العالمي بعمل تقرير بعنوان “توقعات كبار الاقتصاديين” الذي نشر في يونيو 2021. ويعتمد التقرير على الاستشارات والاستطلاعات مع كبار الاقتصاديين من القطاعين العام والخاص.

شكل 1: توقعات كبار الاقتصاديين عن احتمالية حدوث ندوب اقتصادية

المصدر: تقرير توقعات كبار الاقتصاديين (يونيو 2021)، المنتدى الاقتصادي العالمي.

أحد أسئلة الاستطلاع كان: إلى أي مدى قد تُساهم التدخلات المالية والنقدية في الحد من حدوث ندوب اقتصادية وخصوصًا الحد من أو تأخير حدوث حالات إفلاس، أو وجود تأثير دائم على سوق العمل (أي انخفاض دائم في معدل المشاركة في سوق العمل)، أو وجود ضرر دائم في شبكات الإنتاج وسلاسل القيمة العالمية؟. 

بخصوص احتمالية حدوث ندوب اقتصادية، فالحكومات تخشى أن يسوء الوضع بعد انتهائها من تقديم المساعدات، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث أزمة مالية أخرى. ومن بين 26 مستجيبًا، أجاب 12 اقتصاديًا بأنهم يوافقون على احتمالية حدوث ندوب اقتصادية ناجمة عن وجود حالات الإفلاس، وهو ما يمثل حوالي نصف العينة (حوالي 46%)، في حين أن 5 اقتصاديين فقط الذين يرفضون هذه الاحتمالية.

أما بالنسبة إلى احتمالية حدوث ندوب اقتصادية بسبب عدم تعافي سوق العمل، فقد انقسم الاقتصاديون حول هذه الاحتمالية، حيث ساوى عدد الاقتصاديين الذين يوافقون على هذه الاحتمالية عدد الاقتصاديين الذين لا يوافقون، بينما أجاب 9 بأن هذا غير مؤكد. في حين أجاب اقتصادي واحد فقط بأنه يوافق بشدة. 

ويأتي هذا التخوف بشكل أساسي بسبب خروج العاملين والعاملات -وخصوصًا العاملات- من سوق العمل. فعلى سبيل المثال، ترك حوالي ثلاثة ملايين عاملة سوق العمل في الولايات المتحدة بسبب الإرهاق و/أو نقص الخيارات المتاحة لتوفير الرعاية الصحية. هذا بالإضافة إلى ظهور الوظائف بشكل أسرع من المتقدمين للوظائف في السوق الأمريكي، وهو عكس النمط الطبيعي، الأمر الذي قد يعكس أيضًا إرهاق المتقدمين للوظائف وإحباطهم.

وبخصوص احتمالية حدوث ندوب اقتصادية بسبب وجود ضرر دائم لشبكات الإنتاج وسلاسل القيمة العالمية، فقد كانت الاحتمالية الأقل ترجيحًا، حيث أجاب اقتصاديان بأنهما يوافقان بشدة و4 بأنهم يوافقون، في حين أجاب 11 اقتصاديًا بأنهم لا يوافقون على هذه الاحتمالية، وأجاب 7 بأنه غير مؤكد. 

وجاءت هذه المخاوف مع تعطل سلاسل القيمة العالمية وخصوصًا في الأشهر الأولى من الجائحة، على الرغم من تعافي وضع القطاع حاليًا باستثناء قطاع معدات النقل. ولكن من المتوقع أن تكون سلاسل التوريد أكثر تنوعًا على أن يكون هناك ضرر دائم في شبكات الإنتاج وسلاسل القيمة المضافة. لذلك، إذا وُجدت ندوب اقتصادية، فإنها على الأرجح ستكون بسبب حدوث حالات إفلاس.

ثانيًا: تدخلات البنوك المركزية لتحقيق الاستقرار في معدلات التضخم

شكل 2: توقعات كبار الاقتصاديين حول مواصلة البنوك المركزية الكبرى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار

المصدر: تقرير توقعات كبار الاقتصاديين (يونيو 2021)، المنتدى الاقتصادي العالمي.

في شأن آخر، سيعتمد التعافي الاقتصادي بشكل أساسي على تدخلات الحكومات والبنوك المركزية. ولكن مع المساعدات النقدية والمالية التي وفرتها العديد من الحكومات مع ارتفاع معدلات الادخار، فقد ارتفعت معدلات التضخم في العديد من الدول مثل الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها. الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط والمخاوف بشأن ارتفاع معدلات التضخم. وبالتالي، ارتفعت المخاوف من احتمالية تدخل البنوك المركزية الرئيسية بعد فوات الأوان. ومن بين 26 مستجيبًا، أجاب 3 اقتصاديين بأنهم يوافقون بشدة على احتمالية مواصلة البنوك المركزية الكبرى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، وهو ما يمثل 12% من إجمالي المستجيبين. وأجاب 13 اقتصاديًا بأنهم يوافقون على هذه الاحتمالية، أي 50% من إجمالي المستجيبين. في حين أجاب 6 اقتصاديين بأنهم يرفضون هذه الاحتمالية (أي 23% من إجمالي المستجيبين) وأجاب 4 اقتصاديين بأن هذا غير مؤكد (أي 15% من إجمالي المستجيبين). وبالتالي، فإن النسبة الأكبر من كبار الاقتصاديين يتوقعون مواصلة البنوك المركزية الكبرى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار لتكون معدلات التضخم الفعلية مقاربة على الأقل من المعدلات المستهدفة من قِبَل البنوك المركزية، على سبيل المثال 2% في الولايات المتحدة وأوروبا.

شكل 3: توقعات كبار الاقتصاديين عن بدء البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة في رفع أسعار الفائدة

المصدر: تقرير توقعات كبار الاقتصاديين (يونيو 2021)، المنتدى الاقتصادي العالمي.

وفي محاولة للسيطرة على المعروض النقدي وعلى معدلات التضخم، فمن المتوقع أن ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة. ومن بين 26 مستجيبًا، أجاب اقتصادي واحد بأن من المتوقع أن ترفع البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة أسعار الفائدة في النصف الثاني من العام الحالي (أي من يوليو إلى ديسمبر). وأجاب 7 اقتصاديين بأنهم يتوقعون ارتفاعها في النصف الأول من العام القادم، وهو ما يمثل أكثر من ربع المستجيبين (حوالي 27% من إجمالي المستجيبين)، وهو التوقع صاحب أكبر تأييد من قبل كبار الاقتصاديين. إضافة إلى ذلك، توقع 6 اقتصاديين بأن ترتفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من 2022، كما توقع 6 اقتصاديين بأن ترتفع في النصف الأول من 2023. في حين انخفض عدد الاقتصاديين الذين يتوقعون ارتفاع أسعار الفائدة فيما بعد ذلك، حيث توقع 4 اقتصاديين بأن ترتفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من عام 2023، وتوقع اقتصاديان ارتفاعها في 2024 وفيما بعد.

بشكل عام، ارتفعت المخاوف بشأن عدم قدرة الاقتصاد على التعافي بشكل كامل من الآثار الناجمة عن الجائحة. وتمثلت أكبر المخاوف من حدوث ندوب اقتصادية في، أولًا: احتمالية ارتفاع حالات الإفلاس (وهي الاحتمالية الأكثر ترجيحًا) مع انتهاء المساعدات المالية والنقدية التي قدمتها الحكومات والتي أنقذت بالفعل الوضع الاقتصادي في هذه الدول، وساهمت على الأقل في تأجيل حدوث ندوب اقتصادية. ثانيًا: احتمالية تأثر معدل المشاركة في القوى العاملة. ثالثًا: احتمالية وجود ضرر دائم لشبكات الإنتاج وسلاسل القيمة العالمية (وهي الاحتمالية الأقل ترجيحًا).

وتأتي المخاوف أيضًا من احتمالية ارتفاع معدلات التضخم بأكثر من المعدلات المستهدفة، أو على الأقل المعدلات الآمنة، وبالتالي كانت توقعات النسبة الأغلب من كبار الاقتصاديين بأن تستمر البنوك المركزية الكبرى في إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار. وبناء على ذلك، جاءت أغلب توقعات الاقتصاديين بأن تبدأ البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة في رفع أسعار الفائدة في عامي 2022 و2023.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة