وحدة الدراسات الاقتصادية

أزمة مزمنة: الاقتصاد اللبناني في مواجهة نقص المحروقات

أصبح “انقطاع التيار الكهربائي” أزمة مزمنة في لبنان تُضاف إلى جملة الأزمات التي تمر بها البلاد في الوقت الراهن، حيث تعاني الدولة من تلك الأزمة منذ سنوات نتيجة طول ساعات التقنين التي تصل إلى 18 ساعة في بعض الأوقات، بما تسبب في أضرار اقتصادية ومادية تتفاقم حدتها مع مرور الوقت. وبناء على هذه الأزمة، أعلنت الحكومة اللبنانية رسميًا رفع أسعار البنزين بنسبة تصل إلى 66%، وذلك بعد قرارها التوقف عن تمويل شراء المحروقات وفق السعر الرسمي للدولار، حيث توافق المسئولون اللبنانيون على اعتماد سعر صرف للعملة المحلية، بواقع 8 آلاف ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد في استيراد المحروقات. لمحة عن…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أصبح “انقطاع التيار الكهربائي” أزمة مزمنة في لبنان تُضاف إلى جملة الأزمات التي تمر بها البلاد في الوقت الراهن، حيث تعاني الدولة من تلك الأزمة منذ سنوات نتيجة طول ساعات التقنين التي تصل إلى 18 ساعة في بعض الأوقات، بما تسبب في أضرار اقتصادية ومادية تتفاقم حدتها مع مرور الوقت.

وبناء على هذه الأزمة، أعلنت الحكومة اللبنانية رسميًا رفع أسعار البنزين بنسبة تصل إلى 66%، وذلك بعد قرارها التوقف عن تمويل شراء المحروقات وفق السعر الرسمي للدولار، حيث توافق المسئولون اللبنانيون على اعتماد سعر صرف للعملة المحلية، بواقع 8 آلاف ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد في استيراد المحروقات.

لمحة عن قطاع الكهرباء

يعتمد لبنان في توليد الكهرباء على الوقود الأحفوري والمنتجات النفطية المستوردة بشكل أساسي، وتزايدت نسبة الاعتماد تلك خلال السنوات الأخيرة مقارنة ببقية العالم حتى وصلت إلى 96% خلال عام 2019، وذلك على الرغم من خطة الدولة بالاتجاه نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بحلول 2030، وهو ما يتضح من الشكل التالي:

الشكل (1): إجمالي إمدادات الطاقة الأولية حسب المصدر (%)

يتبين من الشكل السابق استحواذ المنتجات النفطية على 96% من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية في لبنان، ويليها الفحم بنسبة 2%، ومن ثم الطاقة الكهرومائية والشمسية بنحو 1% بالتساوي بينهما. 

وبحسب الأرقام الرسمية، تتوزع القدرة الإنتاجية للمعامل اللبنانية على الشكل الآتي: دير عمار 430 ميغاوات، الزهراني 298 ميغاوات، الزوق 248 ميغاوات، الجية 67 ميغاوات، بعلبك 30 ميغاوات، صور 30 ميغاوات، الحريشة 33 ميغاوات، البواخر التركية 283 ميغاوات (وهو ما يمثل أكثر من 20% من إجمالي الطاقة المنتجة). أما عن تطور إنتاج الكهرباء من تلك المصادر، فيُمكن عرضه على النحو الآتي:

الشكل (2): إنتاج الكهرباء سنويًا (مليون كيلووات/ ساعة)

يوضح الشكل السابق تراجع إنتاج الكهرباء إلى أدنى مستوياته خلال الفترة محل الدراسة عند 814.6 مليون كيلووات/ ساعة خلال فبراير 2021، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 28.3% على أساس شهري. وفيما يخص استهلاك الكهرباء:

الشكل (4): استهلاك الكهرباء سنويًا (تيراوات/ ساعة)

يتضح من الشكل ارتفاع استهلاك الكهرباء في لبنان –بالتزامن مع انخفاض الإنتاج- بنحو 4.05% على أساس سنوي خلال 2019 إلى 20.79 تيراوات/ ساعة.

مظاهر ومؤشرات

يُعاني لبنان منذ عقود من مشكلة متفاقمة في قطاع الكهرباء بسبب الاعتماد على محطات طاقة حرارية قديمة تستخدم مولدات متدنية الكفاءة بتكلفة تشغيلية مرتفعة، وعدم القدرة على تزويد محطات الإنتاج بالوقود نتيجة النقص في السيولة بالدولار الأمريكي لدى الحكومة ومصرف لبنان، بالإضافة إلى الضعف والفساد المؤسسي المستشري في مختلف القطاعات الاقتصادية بصفة عامة وقطاع الطاقة والكهرباء بصفة خاصة.

وبالتالي، لم يتمّ تطبيق القانون رقم 462 الذي صدر في عام 2002 ونصّ على إنشاء هيئة لتنظيم قطاع الكهرباء وإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان. وكنتيجة لذلك بلغ عجز إنتاج الكهرباء بالدولة ما يتجاوز نحو 1600 ميجاوات، فيما تراوحت ساعات انقطاع الكهرباء بين 12 ساعة إلى 18 ساعة يوميًا. وبلغت ديون قطاع الكهرباء اللبناني نحو 40 مليار دولار من إجمالي الدين العام للدولة في 2020، نتيجة لتراجع احتياطي العملات الأجنبية، وعدم توفر العملات الأجنبية اللازمة لصيانة محطات توليد الكهرباء، وتراكم المستحقات المتأخرة لمقاولي الصيانة والخدمات من القطاع الخاص.

وعلاوة على ذلك، يضغط الدعم المقدم لقطاع الكهرباء على الموازنة العامة دون مقابل مُجزٍ، ولهذا قررت الحكومة خفض الإنفاق المخصص لمؤسسة “كهرباء لبنان” -المُنتج الرئيسي للكهرباء في البلاد- في المدى المتوسط، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (5): نسبة الإنفاق على مؤسسة كهرباء لبنان من الناتج المحلي الإجمالي (%)

ومن المرجح تراجع نسبة الإنفاق على مؤسسة كهرباء لبنان إلى 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2023، وذلك بالرغم من كون التحويلات لصالح المؤسسة عبارة عن سلفة خزينة ولا تدخل ضمن نفقات الموازنة، إلا أنها تُشكل عبئًا متزايدًا على الخزينة نظرًا لعدم تسديد هذه السلف على مدى السنوات الماضية، ومن هنا جاء الضغط الكبير على الميزان المالي النقدي وعلى نسبة الزيادة في الدين العام.

وما فاقم الأمر سوءًا، معاناة محطتين من محطات توليد الكهرباء الرئيسية في البلاد هما “دير عمار” و”الزهراني” (اللتان توفران 40% من الكهرباء في البلاد) من نفاد الوقود في العاشر من يوليو الماضي، وذلك بعد إعلان شركات النفط العالمية عن إقفال محطاتها في لبنان ووقف عملية التوزيع نهائيًا إما بسبب نفاد مخزونها بشكل كامل أو تأخر سداد المستحقات المالية. ومن أبرز تلك الخطوات، قرار شركة “كاربايورشب” التركية بوقف عمليات الإنتاج من باخرتين راسيتين قبالة سواحل لبنان بعد شهور من التأخر في سداد دفعات مستحقة، لتخسر البلاد نحو ربع إمداداتها من الكهرباء.

عواقب وخيمة

انعكست أزمة الكهرباء سلبًا على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تشكل عائقًا رئيسيًا أمام النمو والقدرة التنافسية على المستوى الاقتصادي من ناحية، مع وصول تكلفة أزمة الكهرباء على القطاع الصناعي اللبناني نحو 400 مليون دولار سنويًا، كما أنها تمثل عبئًا ماليًا مضاعفًا على الأسر في البلاد من الناحية الأخرى، مع تسجيل متوسط فاتورة الكهرباء للأسرة في لبنان نحو 1200 دولار سنويا يدفع أكثر من ثلثيها للمولدات الخاصة، وهو ما يعني أن المواطن اللبناني يدفع فاتورتين للكهرباء.

كما أثقلت الأزمة كاهل المستشفيات الحكومية والخاصة بسبب نفاد الوقود، حيث اضطرت العديد من المستشفيات إلى خفض استهلاك الكهرباء وإيقاف بعض الأجهزة، في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من تفشي فيروس كورونا. هذا بالإضافة إلى تداعيات الأزمة على أفران الخبز بما يهدد بوقف عملها، وخلق أزمة جديدة تضاف إلى مجموع الأزمات المتراكمة.

وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يزيد ارتفاع أسعار البنزين –كما هو موضح بالجدول (1)- من الأعباء التي يعاني منها المواطن اللبناني جراء ارتفاع التضخم.

الجدول (1): أسعار المحروقات في لبنان

وبناء على الجدول السابق، سيشهد مؤشر أسعار النقل والمواصلات الذي يُعتبر جزءًا من مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعًا خلال الشهور القادمة، كما يوضح الشكل التالي:

الشكل (6): مؤشر أسعار النقل (نقطة)

يتبين من الرسم الاتجاه الموجب للمؤشر خلال الشهور الثلاثة القادمة في ظل ارتفاعه بشكل مستمر على مدار العام ونصف العام الماضيين حتى سجل 535.22 نقطة بحلول يونيو الماضي.

من التحليل السابق يُمكن اعتبار أزمة المحروقات في لبنان نتاجًا ومسببًا للعديد من المشكلات الاقتصادية التي تمر بها البلاد في الوقت الحالي؛ إذ إنها ناتجة عن الفساد الحكومي، وعدم توافر مصادر للنقد الأجنبي، وانهيار العملة المحلية، كما أنها تُعد سببًا في توقف عجلة النمو في البلاد، وارتفاع التضخم، وغير ذلك من الأزمات المرتبطة ببعضها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة