عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يوم الاثنين الموافق 6 يوليو 2026، ورشة عمل تحت عنوان: “مكانة ثورة 30 يونيو بين الثورات المصرية”، كتدشين لخطة الفعاليات البحثية والعلمية للمركز لعام 2026-2027. وهي الفعالية الأولى التي يديرها برنامج الدراسات التاريخية الجديد بالمركز، وذلك بحضور نخبة من أساتذة التاريخ والخبراء في العلوم السياسية والاجتماعية.
وقد شهدت الورشة تقديم ومناقشة نحو 13 ورقة بحثية تناولت ثورة 30 يونيو في ضوء الثورات المصرية على مدار التاريخ، وخرجت بمجموعة مهمة من الخلاصات البحثية والعلمية الرصينة التي توضح مكانة هذه الثورة بين ثورات الشعب المصري عبر التاريخ والسمات المشتركة فيما بينها وما تفردت به ثورة 30 يونيو عن هذه الثورات. وقد انطلقت المناقشات على أساس أن المقارنة بين هذه المحطات التاريخية لا تهدف إلى إسقاط الماضي على الحاضر أو المساواة بين سياقات تاريخية متباينة، وإنما إلى استجلاء الأنماط التاريخية الممتدة التي حكمت علاقة المصريين بالدولة عبر العصور.
وكشفت الأوراق العلمية والنقاشات الثرية بين الحضور أن الشخصية السياسية المصرية اتسمت بدرجة لافتة من الاستمرارية؛ إذ ظل المصريون ينظرون إلى الثورة بوصفها وسيلة استثنائية لتصحيح مسار الدولة كلما تعرضت ركائزها الأساسية للاختلال، وليس أداة لهدمها أو تقويض مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، تبرز ثورة 30 يونيو بوصفها محطة معاصرة يمكن قراءتها في إطار هذا النسق التاريخي الممتد الذي يضع الحفاظ على الدولة الوطنية، وصون الهوية، وترسيخ الشرعية القائمة على الكفاءة والقبول المجتمعي، وحماية تماسك المجتمع؛ في صدارة الثوابت التي شكلت الوعي السياسي المصري عبر مختلف الحقب التاريخية. لا سيّما وأن تفسير التحولات السياسية يتطلب دراسة السياق الكامل الذي يحتضن الحدث.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن بلورة أبرز الخلاصات والاستنتاجات التي أفرزتها أعمال هذه الورشة على النحو الآتي:
أولًا: ثورة 30 يونيو امتداد لنمط تاريخي مصري في حماية الدولة
تكشف المقارنة بين ثورات وانتفاضات التاريخ المصري القديم وثورة 30 يونيو أن الثورة في الوعي المصري لم تكن أداة لتقويض الدولة، وإنما وسيلة لإعادة تصحيح مسارها كلما تعرضت هويتها أو مؤسساتها أو سيادتها لاختلالات جوهرية. ومن ثم، فإن 30 يونيو تمثل حلقة معاصرة في مسار تاريخي ممتد هدفه الحفاظ على الدولة الوطنية واستعادة قدرتها على أداء وظائفها. إذ إن التحرك الشعبي نحو الفعل السياسي غالبًا ما يرتبط بإدراك وجود تهديد يمس كيان الدولة الوطنية أو منظومة القيم الدينية والحضارية المصرية أو وحدة النسيج الوطني أو سلامة الإقليم، بما يجعل الحفاظ على الدولة الوطنية أحد المحددات الرئيسة للتعبئة الشعبية في التاريخ المصري
ثانيًا: المنظور الفريد للشعب المصري في تقييم مسار الأحداث وشرعية الحكم:
عكست الأوراق والمناقشات أن الشخصية والمجتمع المصري لديه منظور فريد للحكم على سلامة سير الأحداث، وكون هذا المنظور – من واقع تجارب عديدة في التاريخ المصري – يقوم على مزيج من القيم الدينية والوطنية والحضارية المتجذرة، والتي تجلت في العصور القديمة إلى منظومة “ماعت” بما تحمله من مبادئ الحق والأخلاق للكون والحكم والمجتمع والفرد.
وعلى هذا الأساس، توضح التجربة التاريخية المصرية أن شرعية السلطة لم تكن تستند إلى القوة أو الوراثة أو الإجراءات الشكلية وحدها، وإنما إلى التزامها بهذه المنظومة القيمية، وما تفرضه من واجبات وأدوار أهمها: قدرتها على تحقيق الأمن، وصيانة الهوية الوطنية، واحترام القانون، والحفاظ على تماسك المجتمع. وكلما تراجعت هذه المقومات، بدأت شرعية السلطة في التآكل حتى قبل سقوطها سياسيًا.
ثالثًا: الهوية الوطنية مثلت دائمًا أحد محددات الاستقرار السياسي
تكشف الثورات المصرية أن المجتمع المصري يرفض أي محاولة للمساس بهويته الحضارية أو الدينية أو الثقافية، كما يرفض أي وصاية خارجية على قراره الوطني أو أي تغلغل أجنبي يؤثر في كيان الدولة أو توازنها الاجتماعي والاقتصادي. وهو ما يعكس ارتباط الأمن القومي المصري بالهوية الوطنية عبر مختلف العصور.
وشكّل تهديد الهوية الوطنية ووحدة الدولة أحد المحركات الرئيسة للحراك الشعبي في العديد من الثورات، منها ثورتي 1919 و30 يونيو، رغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية. واتسمت استجابة المجتمع المصري في الحالتين بدرجة كبيرة من التشابه؛ ضد محاولات المساس بالهوية الوطنية ووحدة الدولة. سواء كانت من قبل الأجنبي (ثورة 1919) أو من حكم مصري (ثورة 30 يونيو).
رابعًا: البيروقراطية المصرية ضمانة ودعامة
مثلما كانت “البيروقراطية المصرية” (بمفهومها الصحي المؤسساتي والتشريعي والإجرائي) في ثورة 30 يونيو 2013 ضمانة ودرع لحماية “كيان الدولة” من حكم جماعة أممية باطنية استهدفت تفكيك هذا الكيان – ونجحت فيه في العديد من التجارب الأخرى – عبر الهيمنة والتغلغل في كافة مستويات السلطة بها، فقد كانت البيروقراطية نفسها تلعب الدور نفسه في العديد من تجارب الثورات عبر التاريخ المصري، وتحافظ دومًا على “كيان الدولة” بمعزل عن المتغيرات التي تطرأ على الحكم والحكام.
خامسًا: قوة الدولة المصرية ارتبطت تاريخيًا بتكامل مؤسساتها الوطنية
تؤكد الثورات المصرية أن تجاوز الأزمات الكبرى ارتبط دائمًا بتكامل أدوار مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والمؤسسات الدينية وبقية المؤسسات الوطنية، باعتبارها ركائز لصون وحدة الدولة والحفاظ على تماسك المجتمع، وحماية الإرادة الشعبية، وإنما مؤسسات داعمة لاستقرار الدولة واستمرارها
وتكشف الثورات المصرية استمرارية الدور الوطني للمؤسسات الدينية عبر العصور، مع اختلاف آليات ممارسته تبعًا لتطور الدولة المصرية وتحول بنيتها المؤسسية، بما يعكس قدرة المؤسسة الدينية على التكيف مع السياقات التاريخية المختلفة مع الحفاظ على حضورها في اللحظات المفصلية من تاريخ الدولة المصرية.
سادسًا: إدارة العلاقة بين الداخل والخارج كانت دائمًا عنصرًا حاكمًا في استقرار الدولة
تكشف التجربة التاريخية أن الدولة المصرية كانت أكثر استقرارًا كلما نجحت في تنظيم علاقتها بالقوى الخارجية، وضبط وجود العناصر الأجنبية داخل أراضيها، وتأمين حدودها، وبناء منظومة علاقات ونفوذ تحقق مصالحها الاستراتيجية، بما يؤكد أن حماية الأمن القومي تبدأ من قدرة الدولة على إدارة بيئتها الداخلية والخارجية بصورة متوازنة.

