الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

“الشيخ جراح”: محاكاة واقعية لصعود التيار “القومي المتطرف” في إسرائيل

كان حزب الليكود بزعامة “بنيامين نتنياهو” (فبراير 2021) تحضيرًا لانتخابات الكنيست (24 مارس)، وقّع اتفاق تشارُك سياسي مع قائمة “الصهيونية الدينية” التي تضم أحزابًا يمينية متطرفة مثل حزب عوتسماه يهوديت لزعيمه “إيتامار بن جفير” المتطرف المتهم بجرائم إرهاب.  برز هذا الاتفاق كونه يعد تحولًا جديدًا في العلاقة بين حزب الليكود والصهيونية الدينية المحسوب على التيار “القومي المتطرف”. وهنا يدور السؤال: ما مدى تأثير هذه العلاقة الجديدة على الساحة السياسية الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي؟ وكيف عززت التطورات الأخيرة في القدس الشرقية تأثير هذه العلاقة على مستقبل الاجتماع السياسي في إسرائيل؟. تشكيل الصورة العامة ظلّ حزب الليكود (تحت زعامة بنيامين نتنياهو) يشكل قاطرة…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

كان حزب الليكود بزعامة “بنيامين نتنياهو” (فبراير 2021) تحضيرًا لانتخابات الكنيست (24 مارس)، وقّع اتفاق تشارُك سياسي مع قائمة “الصهيونية الدينية” التي تضم أحزابًا يمينية متطرفة مثل حزب عوتسماه يهوديت لزعيمه “إيتامار بن جفير” المتطرف المتهم بجرائم إرهاب. 

برز هذا الاتفاق كونه يعد تحولًا جديدًا في العلاقة بين حزب الليكود والصهيونية الدينية المحسوب على التيار “القومي المتطرف”. وهنا يدور السؤال: ما مدى تأثير هذه العلاقة الجديدة على الساحة السياسية الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي؟ وكيف عززت التطورات الأخيرة في القدس الشرقية تأثير هذه العلاقة على مستقبل الاجتماع السياسي في إسرائيل؟.

تشكيل الصورة العامة

ظلّ حزب الليكود (تحت زعامة بنيامين نتنياهو) يشكل قاطرة حزبية للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل بجناحيه الرئيسيين: المعسكر الديني الأرثوذكسي (أبرزهم حزب شاس، وحزب يهودات هاتوراه)، والمعسكر اليميني القومي أو القومي الديني (أي أحزاب الصهيونية الدينية مثل حزب البيت اليهودي، وحزب اليمين الجديد).

وشكّل من خلال تلك الأحزاب قوة سياسية مكنته من الاستئثار بالساحة السياسية الإسرائيلية، وبقي فترة زمنية طويلة على رأس الحكومات إلى أن وقعت أزمة فيروس كورونا وألقت بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على إسرائيل، وخاصة على المستوطنين المنتسبين للتيار الديني الأرثوذكسي. وهو ما انعكس على زيادة أعداد البطالة بين الشباب الديني الأرثوذكسي (7.3% حسب تقديرات إبريل 2021، بعد أن كانت 2.4% في 2019)، كما زادت أعداد الإصابات والوفيات من بين أبناء هذا التيار (حالة وفاة واحدة من بين كل 74 شخصًا). وتُرجم ذلك إلى مظاهرات نظّمها أبناء هذا التيار ضد نتنياهو من أجل: (1) زيادة المخصصات المالية المقدمة إليهم لترميم الأوضاع الاقتصادية والصحية. (2) ضمان استثنائهم من قرارات الغلق العام لعقد مناسباتهم الدينية.

وبسبب تآكل شعبية الليكود النسبية، كان لا بد على رئاسة الحزب تنظيم صفوفها وإعادة تشكيل تحالفاتها، سيما وأن “نفتالي بينيت” انشق عن حزب اليمين الجديد وشكّل حزب “يمينا” الذي أعلن أنه لا ينتسب إلى التيار اليميني الكلاسيكي في إسرائيل، وغير ملزم بالتحالف مع نتنياهو. وشكّل هذا الحدث فصلًا خطيرًا في تاريخ الليكود (كونه القاطرة الرئيسية للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل).

وقد دفع هذا الأمر نتنياهو إلى البحث عن الأحزاب “القومية الدينية” أو “القومية المتطرفة”، مثل: حزب الصهيونية الدينية (بزعامة بتسلئيل سموتريتش)، عوتسماه يهوديت (بزعامة إيتامار بن جفير)، (وجميعها أحزاب تنتسب إلى الصهيونية الدينية القومية) لتشكيل تحالف جديد غير رسمي كخطوة مبدئية تمثلت في توقيع اتفاق فائض أصوات بين الليكود وتلك الأحزاب، ويعني هذا الاتفاق نجاة سياسية لكثير من قيادات تلك الأحزاب، خاصة “إيتامار بن جفير” الذي فشل كثيرًا في الانتخابات الإسرائيلية (انتخابات الكنيست الـ23). ولكن حاليًا نجح بن جفير في الترشح بل واحتلال عدد معقول من المقاعد مقارنة بتاريخه الحديث وذلك بفضل نتنياهو.

ومثّلَ هذا الاتفاق صدمة لدى الإسرائيليين، ولدى الأحزاب المنتسبة للتيار الديني الأرثوذكسي المتطرف، مما دفع بعضهم وخاصة “يهودات هاتوراه” لرفض توقيع اتفاق مع نتنياهو كان يلزمه برفض أي تشكيل حكومة لا يكون رئيسه نتنياهو.

إذن، لا يمكن الإشارة إلى أن الليكود لا يزال يمثل القاطرة الحزبية الأولى لليمين المتطرف في إسرائيل، وهنا يثور السؤال المركزي: هل فقد الليكود مركزيته الحزبية على الخريطة اليمينية بسبب تزعم نتنياهو المطول؟ أم يعود ذلك إلى اختلافات جديدة طرأت على الأيديولوجيا اليمينية الإسرائيلية؟.

كواليس الشيخ جراح والداخل الإسرائيلي

خرج رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية “نتنياهو” في مؤتمر صحفي (19 مايو) ليوضح أنه طلب من محكمة العدل العليا تأجيل إعلان قرار هدم المنازل في الشيخ جراح منعًا لإثارة المشاعر الفلسطينية والدخول في مسار الفوضى.

لكن في الحقيقة كان أول تحرك لإثارة الفوضى خرج من مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين في القدس الشرقية محسوبة على التيار القومي المتطرف في إسرائيل، بتاريخ 14 إبريل (1 رمضان)، بدعوى إحياء ذكرى “توحيد القدس” (ذكرى احتلال القدس الشرقية في 1967)، فلزم ذلك تأمين الشرطة الإسرائيلية لمسيرة المستوطنين الذين تصادف مرورهم مع خروج المصلين المقدسيين من المسجد الأقصى، وتعرضهم لمضايقات أمنية من قبل الأمن الإسرائيلي.

تطور الوضع ليشمل دعوات بالنزول إلى الشارع من قبل مجموعات إسرائيلية متطرفة مثل حركة “لهافا”، وتعد حركة لهافا حركة اجتماعية-سياسية إسرائيلية تحمل أيديولوجيا عنصرية تدعو لطرد العرب من إسرائيل. وبالفعل ظهرت عناصر الحركة في شوارع القدس الشرقية حاملين لافتات “لنحرق العرب.. الموت للعرب”.

أما في الشيخ جراح، فاستمر المستوطنون المحسوبون على التيار القومي المتطرف في التجمهر، بل والتعدي على المقدسيين الذين خرجوا في هبة شعبية مناصرة لحقوقهم الوطنية المناهضة لعملية تهويد القدس. تبع ذلك أن رئيس حزب عوتسماه يهوديت ومؤسس حركة “لهافا” إيتامار بن جفير سارع إلى إقامة مكتب سياسي عاجل في القدس الشرقية (الشيخ جراح) ليس لمتابعة أنصاره فحسب، بل لمراقبة الأوضاع وتنظيم حركة مسيرة المستوطنين المحسوبين على التيار القومي المتطرف. ويستدل على ذلك، أنه عندما طلبت الحكومة الإسرائيلية منه الخروج من الشيخ جراح منعًا لتأزم الموقف وخروجه عن السيطرة اشترط زيادة أعداد الشرطة الإسرائيلية لتأمين المستوطنين.

في فصل آخر، لم تكتفِ حركة لهافا بالدعوة للنزول إلى الشارع في القدس الشرقية، بل استكمل ذلك في الداخل الإسرائيلي وخاصة في المدن المشتركة بين العرب واليهود. إذ طلبت الحركة من اليهود في المدن المشتركة النزول إلى الشارع و”الدفاع عن مدنهم ضد العرب” (حسب تصريحه) “بكل الطرق الممكنة”. إذ صرّح رئيس حركة لهافا اليمينية المحسوبة على التيار القومي المتطرف “بنتسي جوبشتاين” للقناة 12 الإسرائيلية أن على الإسرائيليين تسليح أنفسهم من أجل حماية أنفسهم أمام “الطابور الخامس” (في إشارة إلى عرب الداخل). كما رفض إدانة قتل العرب، مُرجعًا السبب إلى الفوضى الأمنية والسياسية نتيجة غياب حكومة إسرائيلية، في حين تتقدم أولوية حماية النفس والممتلكات.

وتتشابه الكثير من الحركات الاجتماعية السياسية الإسرائيلية مع حركة لهافا، مثل حركة لا فاميليا المتطرفة التي يُنسب كثير من قياداتها إلى “الكاهانية” (أي كاهانا مؤسس حركة كاخ الإسرائيلية الإرهابية).

تأثيرات متطرفة غير مستبعدة

يمكن القول إن هناك أحزابًا إسرائيلية ترتبط بجماعات وحركات اجتماعية تحمل أيديولوجيا متطرفة وعنصرية تدعو إلى طرد العرب، بل والاعتداء الشرعي عليهم، وهو ما يحمل مجموعة من التأثيرات، أبرزها كما يلي:

  •  تثوير الشارع: لا تزال إسرائيل تعاني من حالة شلل سياسي بسبب أن النظام الانتخابي وقوانين تشكيل الحكومات فيها لا تضمن للفائز في الانتخابات مهمة سهلة لتشكيل حكومة. وليست هناك آليات داعمة بشكل كافٍ للفائز تشكل له بدائل سياسية ملائمة للنجاح في تشكيل الحكومة.

ولذلك، ليس من المستبعد أن يتم توظيف الشارع لدى الأحزاب لتكون آلية داعمة له في زيادة عدد الأصوات والمقاعد في حال ذهبت إسرائيل إلى سيناريو إعادة الانتخابات كما هو محتمل في الظرف الراهن. 

  •  شرعية العنف: أخذت السياسات العنصرية ضد العرب تمحورًا متزايدًا لدى أجندات الأحزاب الإسرائيلية، لا سيما بعد تزايد قوة التيار اليميني المتطرف. وبما أن الأحداث الأخيرة منحت للتيار القومي المتطرف صعودًا ملحوظًا بدعم من نتنياهو، فليس من المستبعد أن يتزايد العنف ضد الفلسطينيين من أجل كسب أرصدة سياسية.

فوفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، فإن 48% من اليهود عمومًا يوافقون على عبارة “يجب طرد العرب أو نقلهم من إسرائيل”، يضمهم 59% من التيار القومي المتطرف. وتُرجم ذلك في تأييد أغلب اليهود لقانون القومية اليهودية الذي أقرته حكومة نتنياهو في 2018.

  •  تصدّر القيم القومية المتطرفة على حساب القيم الأرثوذكسية بين الإسرائيليين: تظهر ملامح هذا المؤشر في حدثين رئيسيين بالغَيِ الأهمية، هما: (1) رفض الأحزاب اليمينية الأرثوذكسية (الحريديم) مثل حزب يهودات هاتوراه وشاس للعنف الصاعد في القدس الشرقية، بل وإعلان الجماعات الدينية الحريدية بيانًا تستنكر فيه مظاهرات المستوطنين وتدعو أنصارها لعدم الانخراط فيها.

(2) الرفض القاطع من أحزاب الصهيونية الدينية (المحسوبة على التيار القومي المتطرف) الدخول في مباحثات تشكيل حكومة مع الأحزاب العربية، في حين لم تُبدِ الأحزاب الأرثوذكسية (الحريدية) اعتراضها التام على فكرة تشكيل حكومة مدعومة من أحزاب عربية.

أخيرًا، يمكن القول إن الأحداث الأخيرة (الشيخ جراح على سبيل المثال) مثّلت محاكاة واقعية لصعود التيار القومي المتطرف في إسرائيل، الذي يأخذ نمطين من الأعلى إلى الأسفل (أي من النخب إلى الشارع والعامة) المتمثلة في الحركات الاجتماعية السياسية المتطرفة التي تتصدى للعرب في القدس الشرقية وفي الداخل الإسرائيلي، ومن الأسفل إلى الأعلى (أي تأثيرات المستوطنين المتطرفين على أجندات نخبهم السياسية).

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية