يتناول هذا المقال تحليل الرسائل المشفرة المرتبطة بالعملية العسكرية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، التي انطلقت في 28 فبراير 2026، من خلال دراسة الأسماء والمسميات الممنوحة لمثل هذه العمليات العسكرية.
فدائمًا ما يحرص رئيس الوزراء الإسرائيلي في مستهل أي عملية عسكرية على الإدلاء بسلسلة من التصريحات التي تحمل رسائل صريحة وواضحة موجهة إلى المجتمع الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تتضمن رسائل مشفرة يسعى من خلالها إلى حشد “الشعب اليهودي” و”الجيش اليهودي” للقيام بمهمة تهدف إلى الحفاظ على أبدية إسرائيل.
وربما يتسق اسم العملية العسكرية “زئير الأسد” مع الخطاب الرمزي الذي يوظفه نتنياهو، حيث يقدَّم الأسد بوصفه رمزًا للقوة والحماية التي ستصون الوجود اليهودي وتضمن استمراريته. وفي هذا السياق يربط نتنياهو بين هذه الرمزية وبين ما يصفه بالتهديد الوجودي الذي تمثله إيران، ونحاول من خلال المقال الإجابة على مجموعة من التساؤلات:
من أين جاء نتنياهو باسم العملية العسكرية “زئير الأسد”؟ وهل الرمزية التي يقصدها نتنياهو وراء تسمية العملية العسكرية “زئير الأسد”، كما صرّح صراحة بالإشارة إلى “أسد تروملدور”، أم أنه يقصد الأسد التوراتي؟ وما سبب استحضاره دائمًا رمزية “الأسد” في جميع العمليات المتعلقة بإيران تحديدًا؟ ولماذا شدد في نهاية خطابه على أن إسرائيل شبل أسد؟ فإذا كانت إسرائيل الشبل، فمن يكون الأسد الحقيقي؟ ما الرسالة الخفية التي يسعى نتنياهو لإيصالها من خلال هذا الاسم الرمزي الذي أطلقه على العملية العسكرية؟
دائمًا ما يحرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مستهل أي عملية عسكرية، على الإدلاء بسلسلة من التصريحات التي تحمل رسائل محددة موجهة إلى أطراف مختلفة. ففي بعض الأحيان يوجّه خطابه إلى العدو، وفي أحيان أخرى يخاطب الحلفاء، وأحيانًا يتوجه برسائله إلى المجتمع الإسرائيلي نفسه. ومع ذلك، لا يكاد يخلو أي من هذه الخطابات من توظيف رموز دينية أو تاريخية، فغالبًا يستحضر فقرة من العهد القديم، أو يشير إلى حدث تاريخي بعيد، أو يختار مسمى ذا دلالة دينية للعملية العسكرية التي تخوضها إسرائيل ضد خصومها، في محاولة لاستثارة المشاعر وتعزيز التعبئة المعنوية لدى الجمهور الإسرائيلي.
فيُطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي على العملية العسكرية ضد إيران، التي جرت بين 13 و24 يونيو 2025، اسم “עם כלביא“، والتي تعني حرفيًا ” شَعْبٌ كَلَبْوَة” وهو اسم مستوحى مما جاء في سفر العدد 23/24 “הֶן עָם כְּלָבִיא יָקוּם, וְכַאֲרִי יִתְנַשָּׂא” هُوَذَا شَعْبٌ كَلَبْوَةٍ يَقُوم، وَيَرْتَفِعُ كَأَسَدٍ، وهو وصف اطلق على بني إسرائيل في نصوص العهد القديم. ويستحضر نتنياهو هذه الفقرة في خطابه قائلًا:
“معًا بالتضامن وبروح فريدة لشعبنا، شعب كالأسد يقوم ويرتفع كأسد. سننتصر”. من هنا أطلق نتنياهو على اسم العملية “شَعْبٌ كَلَبْوَة”.
ومع انطلاق العملية العسكرية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير 2026، أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بتصريح قائلًا:
“سقط بطل الأمة يوسف تروملدور في معركة تل حي. إرثه وشجاعته نقش فينا – في النصب التذكاري على قمة الجليل، حيث سقط مع سبعة من رفاقه، أُقيم تمثال “الأسد الزائر”. كثيرًا ما زرت هناك طوال حياتي. عندما نظرت إلى التمثال، هكذا كنت أراكم دائمًا، هكذا كنت أرى أنفسنا، شعب إسرائيل. بمشيئة الله، زئير الأسد من جنودنا، ومن طيارينا، ومن مواطنينا يُسمع الآن في جميع أنحاء العالم – واليوم أكثر من أي وقت مضى، العالم كله يعرف. شعب إسرائيل حي”[1].
وبالتالي وفقًا لأقوال نتنياهو يحمل اسم العملية “زئير الأسد” دلالة رمزية تاريخية، مستوحاة من تمثال يوسف تروملدور الذي يُعتبر رمزًا للبطولة والمقاومة. حيث ارتبطت شخصية يوسف تروملدور بمعركة “تل حي” التي دارت في الأول من مارس 1920، بين مسلحين عرب وقوة دفاعية يهودية تصدت لحماية المزرعة الزراعية “تل حي” في طرف الجليل. خلال المعركة، شنت ميليشيات عربية شيعية، بمساندة بعض البدو من قرية مجاورة، هجومًا على موقع “تل حي”. أسفرت الاشتباكات عن مقتل ثمانية من اليهود وخمسة من العرب. وقد أصيب يوسف تروملدور، قائد المدافعين اليهود، برصاصات في يده وبطنه، وتوفي في مساء ذلك اليوم أثناء نقله إلى قرية جلعادي. عقب المعركة، تم إحراق موقع “تل حي” وغادره اليهود.
وربما حاول بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي استدعاء هذه الرمزية من خلال إطلاق اسم “زئير الأسد” على العملية، في محاولة لرفع الروح المعنوية داخل المجتمع الإسرائيلي وتعزيز التماسك حول العملية العسكرية.

صورة تمثال “الأسد الزائر” ليوسف ترومبلدور[2]
فالتقطت شبكات التواصل الاجتماعي تلك الدلالة الرمزية ذات البعد التاريخي، فبادرت إلى نشر صور ومقاطع مصوّرة تربط بين اسم العملية والحدث التاريخي المرتبط به، مع إبراز الروح البطولية التي يجسدها ذلك الحدث في الذاكرة الجمعية اليهودية[3]. وربما يعكس هذا التفاعل حجم التأثير الذي أحدثه الاسم في رفع المعنويات داخل المجتمع الإسرائيلي، وتعزيز فكرة “جيش الشعب” التي سعى بنيامين نتنياهو إلى ترسيخها من خلال قوله:
“زئير الأسد الصادر عن جنودنا وطيارينا ومواطنينا يُسمع الآن في جميع أنحاء العالم”، في محاولة لدمج الجبهة العسكرية بالجبهة المدنية ضمن خطاب تعبوي موحِّد.
ومن اللافت للانتباه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطاباته غالبًا ما يستوحي أسماء العمليات العسكرية من نصوص العهد القديم. لكن يثار التساؤل: لماذا يلجأ نتنياهو إلى حدث تاريخي يعود إلى عام 1920، وقد يكون غير مألوف لجيل الشباب الحالي في إسرائيل؟ الدليل على ذلك أن من يقوم بنشر صور لتمثال تروملدور “زئير الأسد” يرفق عادة معه شرحًا له وللشخصية التي يمثّلها. إلى أن اختتم نتنياهو خطابه بالقول:
“قال النبي عاموس (عاموس 3/8: אַרְיֵה שָׁאָג, מִי לֹא יִירָא؟) الأَسَدُ قَدْ زَأر، فَمَنْ لاَ يَخَافُ؟ وفي عملية “زئير الأسد” نحن نزأر، فلا تخف يا إسرائيل، لأنك شبل أسد. نقف على قلب رجل واحد، وبعون الرب، سنحمي أبدية إسرائيل”.
فهل الرمزية التي يقصدها نتنياهو وراء تسمية العملية العسكرية “زئير الأسد”، كما صرّح صراحة بالإشارة إلى “أسد تروملدور”، أم أنه يقصد الأسد التوراتي؟ وما سبب استحضاره دائمًا رمزية “الأسد” في جميع العمليات المتعلقة بإيران تحديدا؟ ولماذا شدد في نهاية خطابه على أن إسرائيل شبل أسد؟ فإذا كانت إسرائيل الشبل، فمن يكون الأسد الحقيقي؟ ما الرسالة الخفية التي يسعى نتنياهو لإيصالها من خلال هذا الاسم الرمزي الذي أطلقه على العملية العسكرية؟
من المرجح، من خلال الربط بين أبدية إسرائيل وشبل الأسد في نهاية خطابه، أن نتنياهو يقصد “شبل أسد يهودا גור אריה יהודה” الذي وفقًا للتصور اليهودي يحمل رمزية دينية وتاريخية عميقة في وعي المجتمع الإسرائيلي، والذي أصبح شعارًا لمدينة القدس وشعار القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي.

وحسبما جاء في التفاسير اليهودية يمثل شعار “أسد يهودا” شعارًا لمملكة يهودا القديمة[4]، وهو مستمد من اللقب الذي أطلقه النبي يعقوب على يهودا ابنه في سفر التكوين 49/9: “يهودا شبل أسد”، ثم واصلته مملكة يهودا بقيادة الملك داود ومن بعده ابنه سليمان[5]، وجميع ملوك بني إسرائيل من نسله، والذي سيصل من داود إلى المسيح المخلص الذي وفقًا للنص التوراتي سيأتي من نسل داود[6]، تلك الشخصية المحورية في العقيدة اليهودية، الذي أكدت نصوص التوراة والتلمود أنه في آخر الزمان سيظهر ليخلص “شعب إسرائيل”، ويقاتل الأمم الكثيرة التي تكره إسرائيل ويخضعها.
وبذلك يرتبط هذا الشعار في العقيدة والوجدان الديني لدى اليهود بـأبدية “الشعب اليهودي”، وربما تلك هي الرسالة المشفرة التي حاول من خلالها حشد “الشعب اليهودي” و”الجيش اليهودي” للقيام بمهمة يجب من خلالها الحفاظ على أبدية إسرائيل.
وبذلك يتسق اسم العملية العسكرية “زئير الأسد” مع الخطاب الرمزي الذي يوظفه نتنياهو، حيث يقدَّم الأسد بوصفه رمزًا للقوة والحماية التي ستصون الوجود اليهودي وتضمن استمراريته حسب الرواية اليهودية. وفي هذا السياق يربط نتنياهو بين هذه الرمزية وبين ما يصفه بالتهديد الوجودي الذي تمثله إيران لإسرائيل، إذ قال:
“خرجت إسرائيل والولايات المتحدة إلى عملية مشتركة لإزالة التهديد الوجودي على إسرائيل من قبل نظام النظام الإيران”.
ومن ثم كان لزامًا على رأس الدولة، ممثلًا في رئيس الوزراء أن يبعث برسالة رمزية مشفَّرة قادرة على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع. فخلف ستار الهجوم الإسرائيلي- الأمريكي على إيران، توجد تصدعات عميقة تُضعف البنية الداخلية لإسرائيل. وتتمثل هذه التصدعات في استقطاب سياسي حاد وصراع مستمر بين معسكري اليمين واليسار، إضافة إلى شرخ مجتمعي في الثقة بمؤسسات الدولة. كما تتجلى أيضًا في فجوات اجتماعية ودينية وتوتر دائم بين التيار العلماني واليهود الحريديم، وهو ما يعكس حالة من الانقسام الداخلي الذي تحاول القيادة السياسية احتواءه عبر خطاب تعبوي يوظف الرموز التاريخية والدينية.
هذه الصراعات والفجوات كشفت عن تباين واضح بين مفهوم “الدولة الإسرائيلية الديمقراطية” ومفهوم “الدولة اليهودية التوراتية”، وفي ظل هذا التباين، بدا من الضروري طرح رمز جامع يمكن أن يلتف حوله مختلف أطياف المجتمع، وهو شعار “الدولة اليهودية التوراتية”، المتجسد في رمز “أسد يهودا” فهذا الرمز يحمل دلالة دينية وتاريخية عميقة في الوجدان اليهودي، ويمكن أن يشكّل نقطة التقاء توحّد ما يُعرف بـ”الشعب اليهودي” في مواجهة ما يُقدَّم بوصفه تهديدًا وجوديًا، وفي مقدّمته التهديد النووي الإيراني الذي يُصوَّر باعتباره الأخطر على مستقبل إسرائيل واستمراريتها.
ومع اندلاع المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى التعامل مع حالة القلق وتآكل الثقة داخل المجتمع، ويبدو أنها لجأت إلى بلورة حزمة من الاستراتيجيات غير المعلنة بهدف إعادة ترميم الشعور بالأمن وتعزيز التماسك الداخلي. وهو ما يجب أن نفرد له ورقة بحثية خاصة فيما بعد، لرصد وتحليل مجموعة من المؤشرات السياسية والإعلامية والأمنية التي رافقت هذه المرحلة.
[1] https://www.google.com/search?q=%D7%90%D7%99%D7%95%D7%9D+%D7%A7%D7%99%D7%95%D7%9E%D7%99+%D7%A0%D7%AA%D7%A0%D7%99%D7%94%D7%95&newwindow=1&sca_esv=998a066a4e114733&rlz=1C1FHFK_iwEG1153EG1153&biw=1280&bih=689&sxsrf=ANbL-n6m_1Gu35KDOi3RlaiJbw16zpRLHg%3A1772633076822&ei=9DuoafX2Mb7o7M8Po8LR2A4&ved=0ahUKEwj1wPHmtIaTAxU-NPsDHSNhFOsQ4dUDCBE&uact=5&oq=%D7%90%D7%99%D7%95%D7%9D+%D7%A7%D7%99%D7%95%D7%9E%D7%99+%D7%A0%D7%AA%D7%A0%D7%99%D7%94%D7%95&gs_lp=Egxnd3Mtd2l6LXNlcnAiINeQ15nXldedINen15nXldee15kg16DXqteg15nXlNeVSNguUPIEWL4mcAF4AJABAJgB_gWgAbAOqgEJMC41LjEuNi0xuAEDyAEA-AEBmAIBoAK5BsICBhAAGBYYHsICBRAAGO8FmAMAiAYBkgcDNi0xoAfSCLIHAzYtMbgHuQbCBwM1LTHIBzaACAA&sclient=gws-wiz-serp#fpstate=ive&vld=cid:ba9dd614,vid:WKW0zBk0EvU,st:0
[2] مكتوب على النصب التذكاري جملة “טוב למוות בעד ארצנו” أي “من الأفضل الموت في سبيل أرضنا”.
[3] https://www.facebook.com/reel/1794544417905479
[4] במדבר רבה, פרשה ב, פסקה ז تفسير سفر العدد الكبير، الجزء 2، فقرة 7
[5] وفقا للنص التوراتي وضع سليمان رمز الاسد داخل الهيكل، كما جاء في ملوك أول 7/ 29 “וְעַל-הַמִּסְגְּרוֹת אֲשֶׁר בֵּין הַשְׁלַבִּים, אֲרָיוֹת בָּקָר וּכְרוּבִים” وَعَلَى الأَتْرَاسِ الَّتِي بَيْنَ الْحَوَاجِبِ أُسُودٌ وَثِيرَانٌ وَكَرُوبِيمُ”.
[6] فجاء عنه في سفر إرمياء 23/ 5 “הִנֵּה יָמִים בָּאִים נְאֻם-יְהוָה, וַהֲקִמֹתִי לְדָוִד צֶמַח צַדִּיק; וּמָלַךְ מֶלֶךְ וְהִשְׂכִּיל, וְעָשָׂה מִשְׁפָּט וּצְדָקָה בָּאָרֶץ. هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلًا فِي الأَرْض”. وبالتالي أجمعت المصادر الدينية اليهودية المختلفة أنه يأتي من نسل الملك داود.