يُعاني نصف أطفال العالم من التعرض للعنف سواء الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وفق الإحصاءات الواردة بتقرير الحالة العالمية للوقاية من العنف ضد الأطفال، والصادر عن منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) 2020، ويوضح التقرير أن العديد من الدول في حاجة إلى وضع استراتيجيات لنبذ العنف ضد الأطفال، لأن المبادئ والقيم التأسيسية الدولية والأعراف العالمية لحقوق الطفل لن تكون مجدية ما لم تعاد صياغتها وبلورتها ضمن استراتيجية وطنية تتفق وقدرات كل دولة بما يدعم حقوق أطفالها. لذلك أصدرت مصر في فبراير 2018 الإطار الاستراتيجي الوطني للقضاء على العنف ضد الأطفال، وتضمنت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي تم إطلاقها في سبتمبر 2021 محور خاص بحقوق الطفل، وفي مقدمته حمايتهم من التعرض للعنف. كذلك بحث مجلس النواب العام الماضي مشروع قانون حماية الطفل من العنف الأسري، هذا بالإضافة إلى العديد من الإجراءات التي اتخذتها الدولة على كافة الأصعدة بهدف التوعية الاستباقية بنبذ كل أنواع العنف ضد الأطفال سواء الأسري أو المؤسسي أو المجتمعي.
التنشئة وتنمية القيم
أحد أسباب وعي الأطفال المبكر بالعنف هي: الأعراف الثقافية والاجتماعية، فتوقعات قواعد السلوك المجتمعي المستقاة من النسق القيمي للمجتمع تؤثر على تشكيل مفهوم العنف لدى الأطفال، وتبرهن نتائج دراسة العنف ضد الأطفال في مصر الصادرة عن المجلس القومي للأمومة والطفولة بالتعاون مع اليونيسف في يناير 2015 شكل (1) على تأثير البيئات الجغرافية على تشكيل مفهوم العنف لدى الأطفال، حيث تتباين درجات تعرض الأطفال للعنف بتباين البيئات الجغرافية، فالأعراف الاجتماعية في الريف ترى في تربية الأبناء وخاصة الذكور باستخدام الشدة والغلظة وأحيانًا التعنيف النفسي والبدني أداة للتربية وتقويم السلوك، بينما تقل حدة هذه الأعراف في البيئات الحضرية، فآراء الآباء والأمهات في محافظة أسيوط بشأن استخدام العنف الجسدي ضد أولادهم مغايرة تمامًا لآراء الآباء والأمهات في محافظة القاهرة.
شكل (1): آراء الآباء والأمهات في محافظة أسيوط والقاهرة بشأن استخدام العنف الجسدي ضد أولادهم
المصدر: http://www.nccm.gov.eg/UploadedFiles/PDFLibrary/8/PDFs/arabic.pdf
على صعيد متصل، تتداخل أسباب وتداعيات الوعي باللا عنف كمكون سلوكي خلال التربية سواء الأسرية أو المؤسسية في المدارس أو دور الرعاية. يتناسب الوعي باللا عنف عكسيًا مع نسب الالتحاق بالمدارس وطرديًا مع نسب عمالة الأطفال، وبشكل عام يمكن القول بأن التعليم عامل هام وأساسي في قضية التوعية بنبذ العنف، لذا أطلقت وزارة التربية والتعليم عام 2019 منهجًا جديدًا لتدريس “القيم واحترام الآخر”، لطلاب المرحلة الابتدائية، ليعزز تعليم السلوكيات الإيجابية من خلال سرد قصصي لشخصيات مختلفة، ويسهم في بناء نسق قيمي يتقبل الآخر وينبذ العنف.
التشريع وتعزيز الحقوق
تعزز جميع التشريعات المصرية حماية حقوق الطفل بدءًا من الدستور الذي ينص على حقوق التعليم والرعاية الصحية، والتكفل بتوفير التطعيمات المجانية لتحصين الأطفال ضد الأمراض، بالإضافة إلى برامج الرعاية الاجتماعية للأطفال بلا مأوى، ومرورًا بسن قوانين الحماية من كافة أشكال العنف أو الإساءة أو الاستغلال من خلال نظام قضائي يضطلع بقضايا الأطفال، ومجلس قومي للطفولة يختص بشئون حماية ورعاية الطفل، وصولًا إلى تدشين استراتيجية وطنية للطفولة والأمومة 2018-2030، وخطة وطنية للطفل عام 2018، وقانون 189 للعقوبات عام 2020 والذي يتضمن مواد لتجريم التنمر، وحملة قومية لمجابهة التنمر ضد الأطفال، وأخرى لحماية وسلامة الأطفال عبر الإنترنت.
في السياق ذاته، أنشأت مصر العام الماضي 2021 وحدة بإدارة التفتيش القضائي بمكتب النائـب العـام تختص بحماية الطفـل، ومتابعة نيابات الطفل، والإشراف على أعمالها، ورصد القضايا والأحكام المقيدة ضد أطفال، وفي شهر أبريل من العام الماضي أطلقت الدولة المصرية الاستراتيجية الوطنية للرعاية البديلة للأطفال 2021-2030، حيث استهدفت توفير رعاية تنموية ومتكاملة للارتقاء بجودة حياة الطفل المصري بدعم من الأسر البديلة والتي وصل عددهم نحو 11 ألف أسرة كافلة.
وعلى صعيد نبذ العنف ضد الأطفال، أنشأ المجلس القومي للطفولة والأمومة خط هاتفي مجاني لنجدة الطفل في يونيو 2005، بهدف رصد حوادث العنف ضد الأطفال، وتتبع معاقبة الجاني، وتقديم العلاج والتأهيل للأطفال ضحايا العنف، وتوفير الدعم التوعوي للقضايا المتعلقة بتشويه الأعضاء التناسلية (الختان)، علاوة على التوعية الإيجابية نحو سبل التربية السليمة، بالتعاون مع لجان الحماية على كافة المستويات المحلية وقطاعات الخدمة المختلفة سواء من تعليم أو صحة أو تضامن اجتماعي، حيث تختص هذه اللجان بحماية الأطفال بكل محافظة من التعرض لأربعة عشر حالة خطر المدرجة بالمادة 96 من قانون الطفل، جدول (1).


دلالات وتوصيات
إن الإجراءات المُتبعة للتوعية والحماية الاستباقية نحو طفولة تنبذ العنف تحمل جملة من الدلالات والتوصيات على النحو التالي:
- شبكات الأمان والرعاية للأطفال: تتعدد وتختلف أشكال شبكات رعاية الأطفال، فالإضافة إلى الصورة النمطية والأساسية لرعاية الأطفال من خلال الأسرة البيولوجية، هناك دور رعاية للأيتام والأطفال بلا مأوى، وهناك الأسر البديلة بنظام التبني، وهناك أطفال المشردين بالشوارع بلا مأوى. ينجم عن هذا التعدد تباين في درجات الوعي بالعنف لدى الأطفال ضمن خصائص كل شبكة أمان ورعاية على حدة، لذا من المهم تخصيص برامج تنمية الوعي باللا عنف تلبي احتياجات الأطفال في كل شبكة من شبكات الأمان والرعاية.
- تباين سن الطفولة: على الرغم من أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل حددت سن الطفولة بأقل من (18) عامًا إلا أن القوانين والأعراف المتعلقة بحقوق الأطفال داخل مصر متعددة ومتباينة، فالسن القانوني لإصدار بطاقة الرقم القومي كان ستة عشر عاما حتى تم تخفيضه إلى خمسة عشر بقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في يوليو الماضي 2022، الأمر الذي سيترتب عليه حتمًا تعديلات في المسئولية الجنائية وقوانين العقوبات للأطفال والتي تحدد بسن (18) عامًا، من جهة أخرى يحدد قانون الأحوال الشخصية سن الحضانة للأطفال حتى 15 عامًا، أما عن الأعراف المنظمة لحقوق الطفل في الاستمتاع بمعظم الخدمات كوسائل الانتقال الجوي أو البحري وغيره، أو الخدمات الفندقية، والترفيهية وغيرها، فجميعهم يحدد سن الأطفال حتى اثني عشر عاما فقط، هذه الإشكالية في توحيد سن الطفولة مدنيًا أو قضائيًا ينتج عنه تداعيات اجتماعية تؤثر على المفاهيم المتعلقة بالعنف.
- ظواهر اجتماعية مصدريَّة: ثمة ظواهر اجتماعية جوهرية تمثل مصدرًا رئيسيًا للوعي المبكر بالعنف لدى الأطفال، ومن أهم هذه الظواهر ختان الإناث، وعمالة الأطفال، والتسرب من التعليم. فقد اقتربت نسبة ختان الإناث من 90% وفق بيان صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العام والإحصاء عام 2019، وبلغت نسبة عمالة الأطفال نحو 9% بمعدل طفل من كل (10) أطفال، هذه النسب تعكس مدى أهمية تكثيف الجهود للقضاء على تلك الظواهر خاصة أن مجابهتها يمثل تجفيفا لمنابع العنف ضد الأطفال.
ختامًا، المؤكد هو أن الدولة المصرية تخطو قدمًا بإجراءات واضحة نحو طفولة بلا عنف، ويعد كل من الإطار الاستراتيجي الوطني للقضاء على العنف ضد الأطفال، والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والاستراتيجية الوطنية للطفولة والأمومة، والاستراتيجية الوطنية للرعاية البديلة للأطفال، نقلة كبيرة جدًّا إلى الأمام، والمأمول هو أن تجري الاستفادة من هذه الاستراتيجيات، من أجل تحسين الأعراف الثقافية والاجتماعية بما يدعم نبذ العنف الأسري والمؤسسي، وتعزيز أنماط الأبوة والأمومة التي تسهم في حياة أسرية أكثر سعادة، بالإضافة إلى التوعية الإعلامية باللا عنف، وإنتاج الأعمال الدرامية التي تناقش العنف من أبعاد اجتماعية وثقافية نحو طفولة لا عنفية.
باحث سابق بالمركز

