تلعب الكهرباء المتولدة من الطاقة النووية دورًا مهمًا في توليد الطاقة في العالم، إذ يتم تصنيفها ضمن الطاقة المتجددة والنظيفة، ذلك المصدر الموثوق القابل للتحكم والذي لا ينتج عنه أي انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري، مما يساعد في الحد من تغير المناخ. تلك المواصفات تجعلها أحد أهم الحلول التي يمكن للعالم أن يعتمد عليها لتحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، وهو “ضمان حصول الجميع على طاقة ميسورة التكلفة وقابلة للاعتمادية والمتجددة”. كما تساهم في تحقيق الهدف السادس، وهو “ضمان إمدادات المياه العذبة الآمنة والإدارة المستدامة للموارد المائية”.
تلك هي الأسباب نفسها التي دفعت مصر لافتتاح العام 2024 بأحد أهم الأحداث التي يمكن تصنيفها بالتاريخية، حيث تم الإعلان في 23 يناير 2024 عن إطلاق الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الرابعة، ذلك المشروع الطموح الذي بدأ التخطيط له في 19 نوفمبر 2015 عندما خططت مصر للمرة الأولى لبناء أول محطة طاقة نووية للأغراض السلمية، وقد وقع الاختيار على روسيا كشريك فني للمشروع، كونها تعد أحد أكبر الترسانات النووية عالميًا، حيث تم التوقيع المبدئي على الاتفاق المبدئي بين الدولتين في نوفمبر 2015، والذي بموجبه تحصل مصر على خدمات عملاق الطاقة النووية “روس آتوم” والشركات التابعة لها ببناء أول محطة للطاقة النووية في مصر، لكن النتيجة الحالية تحمل تاريخًا طويلًا من الكفاح لدخول مصر النادي النووي عالميًا.
العهد الناصري
يعود الحلم المصري النووي لعام 1956 عندما تم توقيع أول اتفاقية للطاقة النووية مع الاتحاد السوفيتي والتي كانت بداية لإنشاء هيئة الطاقة الذرية بمصر في عام 1957 والذي ساهم في أن تصبح مصر عضوًا مؤسسًا في الوكالة الدولية للطاقة النووية التي تتبع الأمم المتحدة والتي تتخذ من فيينا مقرًا لها. وبدأت جهود مصر في الملف النووي حيث صدر قانون تنظيم العمل بالإشعاعات المؤينة والوقاية من أخطارها في عام 1960، وتم بناء المفاعل الذري للبحوث العلمية بقوة 2 ميجا وات في عام 1961، ومعمل لإنتاج النظائر المشعة إلى جانب عدد من الأجهزة النووية المحدودة بمنطقة إنشاص بالشرقية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
استمرت الجهود المصرية في هذا المجال حيث انتهت مصر من إقامة مركز الشرق الأوسط الإقليمي للنظائر المشعة للدول العربية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 1963، وطرحت مصر مناقصة عالمية لتوريد الطاقة النووية في عام 1964 لتوليد الكهرباء بمنطقة سيدي كرير بالساحل الشمالي الغربي بقدرة 150 ميجاوات، إلا أن ذلك المشروع توقف عند نشوب حرب 1967، وفي عام 1968 وقعت مصر على معاهدة دولية للحد من انتشار الأسلحة النووية “NPT” بين ما يقرب من 170 دولة.
عهد السادات
في عهد الرئيس السادات وبعد الارتفاعات في أسعار البترول التي كان التضامن العربي مع مصر سببًا لها في أكتوبر 1975، وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تزويد مصر بمفاعلات الطاقة النووية، وتم الاتفاق مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك “ريتشارد نيكسون” على إنشاء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء بقدرة 1300 ميجاوات، ووقعت مصر الاتفاقيات اللازمة بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والولايات المتحدة الأمريكية ومصر، إلا أنه تمت إضافة شرط في عهد الرئيس الأمريكي “جيمي كارتر” يقضي بتفتيش الولايات المتحدة الأمريكية على المنشآت النووية المصرية، الأمر الذي رفضته مصر واعتبرته تدخلًا في شئونها، وقبل تعرض الرئيس الراحل محمد أنور السادات للاغتيال، أصدر قرارًا جمهوريًا بتخصيص منطقة صحراوية بالضبعة لتكون موقعًا لإقامة المحطة النووية بمصر لتستخدم في توليد الكهرباء وتحلية المياه ولكن لم تنفذ.
عهد مبارك
شهد العام 1983 طرح مصر مناقصة إنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء، وحاولت مصر تعديل اتفاقيتها مع وزارة الطاقة الأمريكية لزيادة حصة شراء اليورانيوم اللازم لتشغيل المحطات النووية المصرية من 600 ميجا وات التي كان قد سبق الاتفاق عليها لمحطة سيدي كرير إلى 4000 ميجاوات بما يغطي احتياج 4 محطات كل منها حوالي 1000 ميجا وات، إلا أن ذلك المشروع توقف نتيجة لأسباب تتعلق بحدوث انفجارات مثل تلك التي حدثت في المفاعل تشرنوبل بالاتحاد السوفيتي.
لكن بقي هناك أمل حول إنشاء تلك المحطة، وقد تم إعداد دراسة جدوى مبدئية أخرى في الفترة بين أعوام 1999 و2001، ثم تم تحديثها في عام 2002، ثم اتخاذ قرار استراتيجي بمصر في عام 2007 بالإعلان عن بناء عدد من المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء، ثم توقيع اتفاقية حكومية دولية بين مصر وروسيا بشأن التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في عام 2008، ثم توقيع هيئة المحطات النووية عقد تقديم الخدمات الاستشارية الفنية مع “ورلي بارسونز” في عام 2009، ثم تأجيل ذلك المشروع برمته في الفترة بين 2010 وحتى العام 2014.
التقاء الإرادة بالحسم
عاد الأمل مجددًا بقرارات حاسمة وإرادة سياسية قوية لوضع الحلم النووي المصري موضع التنفيذ، وقد استطاعت مصر خلال فترة 9 سنوات تحقيق ما كان يتم التخطيط له لمدة تقترب من أربعة عقود، حيث تم إعداد تحضيرات لإصدار مناقصة لاختيار مقاول الهندسة والتوريد والبناء في عام 2014، وتوقيع اتفاقية حكومية دولية بين مصر وروسيا، واتفاقية حكومية دولية مالية بين وزارتي المالية المصرية والروسية بشأن بناء المحطة النووية بالضبعة في عام 2015، وتوقيع عقود الهندسة والتوريد والبناء مع شركة “روس آتوم” في عام 2016، وتقدمت هيئة المحطات النووية بطلب إذن قبول اختيار موقع الضبعة إلى هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، وتوقيع إشعار البدء الذي يعتبر إشارة البداية الرسمية لمشروع بناء أول محطة طاقة نووية بمصر في عام 2017، والانتهاء من أعمال المسح الهندسي والتصميم المبدئي في عام 2018، وإصدار إذن قبول اختيار موقع الضبعة في 10 مارس 2019، والبدء في تشييد الرصيف البحري، والبدء في أعمال البنية التحتية / الأعمال غير النووية بالمشروع في عام 2020، والموافقة على البدء في تصنيع صاعد قلب المفاعل في عام 2021، والانتهاء من أعمال الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الأولى في 20 يوليو 2022، وإتمام الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الثانية في 19 نوفمبر 2022، والانتهاء من الصبة الخرسانية الأولى للوحدة الثالثة في 3 مايو 2023، وأخيرًا الحدث الأهم في عام 2024 بإطلاق الصبة الخرسانية الأولى للوحدة الرابعة في 23 يناير 2024 لتكون تتويجًا لجهود إنشاءات وبداية مرحلة الإنشاءات الكبرى لكل الوحدات الخراسانية بالمشروع والتي من المخطط لها أن تنتهي في عام 2028 ودخول المفاعل النووي الأول لمرحلة التشغيل بقدرة 1200 ميجاوات.
حاليًا، وبموجب الاتفاقية المبدئية التي تم توقيعها في 19 نوفمبر 2015 تتولى روسيا مهام الإشراف على بناء وتمويل أول محطة للطاقة النووية بمصر، وكما سبقت الإشارة فقد تمّ توقيع العقود الأولية في عام 2017 لبناء المحطة التي تتكون من عدد 4 مفاعلات نووية من طراز VVER-1200 وهي مفاعلات من الجيل الثالث التي تم تطويرها في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين وهي أكثر تعقيدًا من مفاعلات الجيل الثاني، وتتميز بأنها أكثر كفاءة وأمانًا من مفاعلات الجيل الأول والثاني، وقادرة على إنتاج كميات أقل من النفايات المشعة، يولد المفاعل طاقة بمقدار 1200 ميجاوات لكل وحدة، ومن ثم فإن إجمالي الطاقة المستهدف توليدها من ذلك المفاعل تبلغ 4800 ميجا وات (من الجدير بالذكر أن إجمالي الطاقة المتولدة من السد العالي تبلغ 2100 ميجا وات)، تبلغ التكلفة التقديرية لتلك المحطة حوالي 29 مليار دولار، تمول بنسبة 85% من جانب الحكومة الروسية من خلال قرض حكومي بفائدة مدعومة بحوالي 3% لمدة 22 عامًا، بينما تتكفل مصر بتمويل النسبة المتبقية والتي تبلغ 15%.
سيتم تنفيذ المشروع على مساحة 45 كم مربع وبطول 15 كم على ساحل البحر الأبيض وبعمق 5 كم. وينقسم المشروع إلى عدة مراحل تتمثل المرحلة الأولى منه في إنشاء محطة تضم 4 مفاعلات نووية لتوليد كهرباء بإجمالي قدرات 4800 ميجاوات، وإعداد البنية التحتية الخاصة برصد وقياس درجات الحرارة والرطوبة واتجاهات الرياح والزلازل والتيارات البحرية، وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المشروع وإنشاء المباني الخدمية الخاصة بالعاملين.
معايير عالمية ودولية
حصلت محطة الضبعة على ثاني أفضل مشروع نووي بالعالم في نوفمبر 2020، وذلك لما يحتويه المفاعل (من الجيل الثالث)، من تصميم بسيط وموثوق به إذ تستطيع المحطة تحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة تزن 400 طن وتسير بسرعة 150 مترًا في الثانية، ويستطيع المفاعل تحمل “تسونامي” حتى ارتفاع 14 مترًا، ويتحمل الزلازل حتى عجلة زلزالية 0.3 من عجلة الجاذبية الأرضية، ويستطيع تحمل الأعاصير والرياح، هذا إلى جانب استيفاء معايير تصميم تقاوم خطأ المُشغل “العامل البشرى”، كما تضمن هذه المفاعلات عدم التسرب الإشعاعي عن طريق الحواجز المتعددة، كما يوجد بها نظم السلامة السلبية والإيجابية، وزيادة كفاءة استخدام الوقود وإخراج أقل كمية من النفايات، كما تحتوي هذه المفاعلات على نظام التحكم الآلي الحديث. وتُعد هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA) هي المالك والمشغل للمشروع، ويعد المقاولون الرئيسيون هم كيانات من مؤسسة روس آتوم (ROSATOM) والشركات التابعة لها.
يساهم مشروع الضبعة بشكل كبير في تحقيق عوائد اقتصادية متنوعة للاقتصاد المصري من خلال دخول مصر إلى ميدان التطوير الصناعي والتكنولوجي، حيث تتعاون شركة “روس آتوم” الروسية مع موردين محليين في تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية ومن المتوقع أن تكون نسبة تنفيذ نحو 20% من المشروع بالتعاون مع الشركات المحلية، ومن المستهدف أن تصل نسبة المكون المحلي إلى 20-25% عند تشغيل المفاعل الأول في 2028، ونفس النسبة عند تشغيل المفاعل الثاني في 2029، ثم تزيد هذه النسبة إلى 35% عند تشغيل المفاعل الثالث في 2030 والمفاعل الرابع في 2031. بالإضافة إلى ذلك، يتمثل 35% من الإنشاءات و25% من مكونات ومعدات المحطة في مكونات محلية، بينما تمثل نسبة التصميمات المصرية للمشروع حوالي 5%، كما تصل نسبة توريد المواد الخام إلى 35%.
أما على صعيد تشغيل العمالة، فقد تم الاتفاق على قيام شركة “روس آتوم” بتدريب ما يقرب من 2000 شخص من موظفي التشغيل والصيانة للعمل في المحطة، وبالتالي ستقوم الشركة بتأهيل وتدريب جميع الموظفين على كيفية التشغيل الناجح والآمن لأربع مفاعلات طاقة في المحطة، ومن المتوقع أن يصل عدد العاملين إلى أكثر من 10000 متخصص، وتوفير ما لا يقل عن 2000 فرصة عمل للعمالة المصرية بالمشروع.
نائب رئيس وحدة الاقتصاد ودراسات الطاقة