الوصول إلى حكم مصر إشارة التحرك:
عندما وصل عضو الجماعة الارهابية “محمد مرسي” إلى كرسي الحكم في مصر؛ في يونيو 2012 كانت أذرعها في العالم العربي؛ تتمدد وتقوى شيئا فشيئا؛ لتخطف ما تستطيع من دول عالمنا العربي، وكانت أولى المحاولات قادمة من أقصى الغرب عندما قامت الجماعة بتشكيل حكومة ائتلافية في المملكة المغربية برئاسة أحد قادة الاخوان عبد الإله كيران، بعد أن حصل حزب العدالة والتنمية الاخواني على أكثر الأصوات في انتخابات عام 2011، وفي تونس حصلت حركة النهضة الإخوانية أيضا على أعلى نسبة من الأصوات بـ 89 مقعدا في انتخابات المجلس التأسيسي المكلف بوضع الدستور التونسي وإدارة شئون البلاد في المرحلة الانتقالية في أكتوبر 2011، واقتسمت الحركة مع حزبين آخرين المناصب المهمة بينهم؛ فيما عرف باسم “الترويكا التونسية” فحصل الإخوان على منصب رئيس الوزراء وتم تعيين أبرز قيادتها “حمادي الجبالي” في المنصب، ونال الاخوان منصب نائب رئيس المجلس التأسيسي وإلى جوار ذلك حصلوا على منصب 16 وزيرا من جملة 31 و1 كاتب دولة، وكانت الساحة في ذلك الوقت تسمح بتحقيق مكاسب لإخوان تونس.
وفي ليبيا سارعت جماعة الإخوان بالمشاركة في الاطاحة بحكم القذافي في عام 2011، حتى تحصل على نصيب من التركة، وسارعت بإنشاء حزب يتشابه اسمه كثيرا مع أحزاب الإخوان في بلدان كثيرة من عالمنا العربي، فأطلقت عليه اسم “حزب العدالة والبناء”، وشاركت به في انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012، فاستفادت من زخم نجاح الجماعة في مصر، فحصل مرشحيها على المركز الثاني، وبدا لإخوان ليبيا أن نصيبا كبيرا من كراسي الحكم في ليبيا ستكون من نصيبهم، فالجوار المصري بين أيدي جماعتهم ولن تتواني عن تقديم يد العون لهم إذا احتاجوا إليها، وفي موريتانيا نشط حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الإخواني في أنحاء موريتانيا ومارس ارهابا إعلاميا وسياسيا استعدادا لانتخابات كانت على الابواب.
على حين انتقلت الجماعة فى الجزائر إلى صفوف المعارضة منذ يونيو عام 2012م، بعد أن كانت مشاركة فى الحكومة من خلال حركة مجتمع السلم، ودب الانقسام الكبير بين قيادات الجماعة وازداد الصراع بين أجنحتها، بعد وصول محمد مرسي للحكم، واقتربت “حركة مجتمع السلم” من المركز الرئيسي للإخوان في مصر أما “حركة الدعوة والتغيير” الاخوانية أيضا فقد مالت إلى التنظيم الدولي للإخوان.
وفي القرن الافريقي كانت جيبوتي أول تمدد تاريخي للاخوان خارج مصر، عندما زار أحد أهالي جيبوتي مقر الاخوان بالقاهرة وعاد إلى بلاده ليعلن تأسيس فرع للاخون فيها عام 1932، ولم يكن لفرع الجماعة نشاط أو تأثير يذكر تجاه الاحتلال الفرنسي، وحتى بعد خروج الاحتلال، كانت لعبة المصالح هي من تحكم حركة الجماعة، وعندما أعلن حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية في فبراير 2011 كان ذلك بمثابة شرارة بدء العمل ضد الحكومة الجيبوتية، فانطلقت احتجاجات الاخوان ضد رئيس جيبوتي “اسماعيل عمر جيلة” مطالبين بتنحيه عن الحكم، واستمروا في التحريض عليه، إلا أن الرئيس الجيبوتي كان قد وعى الدرس فلم يستجب لمطالبهم بل أجرى انتخابات رئاسية في نفس العام، وحصل على 81 % فيها.
ورغم أن الجماعة الإرهابية في الصومال كانت لها أسبقية في التأسيس في تاريخ فروع الجماعة خارج مصر فإن البيئة الصومالية المرتبطة بالقبيلة والتصوف وشيوع التدين بين الأغلبية، لم تعطي التأثير الكبير لفكر الجماعة الإرهابية، كما أن التمويل الأجنبي، ساهم في انقسامات متوالية داخل الجماعة وأصبحت معادلة القبيلة والمال هي الحاكمة في الحياة السياسية الصومالية، ورغم ذلك رأينا وصول بعض قادة الجماعة لمناصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ما بعد 2011 مثل الرئيسين السابقين؛ شريف شيخ أحمد، وحسن شيخ محمود.أما السودان فقد كانت الجماعة تحكمها تحت قيادة البشير منذ 30 يونيو 1989.
لقد بدا أن أغلب الجناح الغربي من العالم العربي في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي يقع في قبضة الجماعة الارهابية وأذرعها، ولكنها غير قادرة على تطويعها لمخططاتها.
أما الجانب الشرقي من العالم العربي، حيث دول الخليج العربي، التي تُحكم دوله من خلال أنظمة حكم ملكية، وبنظم أكثر انضباطا، لذا فإن الحراك في الشارع الخليجي محسوب الخطوات، ومن الصعوبة ظهور حركات مناوئة لأنظمة الحكم، ورغم ذلك ظهر نشاطا للإخوان في الإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عمان ومملكة البحرين، وهي الدول التي حاولت الجماعة تنفيذ مخططاتها فيها، أما علاقة الجماعة مع دولة قطر فإنها كانت حاكمة وضابطة لحركة الاخوان؛ فلم تقم بأي نشاط أو ترفع رأسا لها أو تثير فيها أمر خارج سياق رغبة أو سياسة قطر، وفي المملكة العربية السعودية؛ كانت السيطرة الامنية أكبر من أن ينشط فيها الإخوان بقوة.
وفي شمال الجزيرة العربية حيث توجد العراق والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، فالأمر أكثر تعقيدا، وفي العراق منذ الغزو الأمريكي يعاني مجموعة من القضايا والمشكلات المذهبية والصراع السياسي والعرقي والقبلي مما أوجد مساحة دائمة لأنشطة الإخوان خاصة وأنهم شركاء في غزو العراق منذ بدايته عام 2003، حيث انبثقت تدريجياً العديد من التنظيمات ذات الأصل الإخوانى أو المرتبطة بالتنظيم، والذى كان أحدث نسخها “تنظيم الدولة الاسلامية بالعراق وبلاد الشام” الذى تطور لاحقاً لما عرف باسم “داعش” يفرض سطوته على أجزاء من أرض العراق، وفي سوريا كانت قبضة حزب البعث وبشار الاسد الدموية سببا في عدم نجاح الإخوان في تمكينهم من الحكم رغم تغلغلهم في قطاعات كبيرة من الشعب السوري، ولعل محمد مرسي بعد وصوله للحكم حاول مساعدتهم وأطلق ندائه الاخرق الشهير “لبيك يا سوريا” أما لبنان التي لها خصوصيتها فإن تركيبتها السكانية كانت عقبة كبيرة أمام تمدد الاخوان فيها بشكل مؤثر، يمكن من خلاله التواجد في دوائر الحكم فيها كما فعلت في دول عربية أخرى، أما في المملكة الأردنية فقد تمتع الاخوان بنفوذ كبير سعت معه الحكومة الأردنية إلى سياسات تتراوح بين الإحتواء والحسم وفقا لظروف كل مرحلة.
إن العالم العربي في هذه الحالة بدا للجميع، أنه أصبح على المحك وفي انتظار ما ستؤول إليه الأمور في مصر، فهل ستنجح الجماعة الارهابية في تطويع مصر، بكل مقدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وقوتها الناعمة، فهي القلب النابض للعالم العربي ومقر صناعة القرار والقيادة عبر التاريخ، وتأثيرها في المحيط الإقليمي والدولي كبير وفاعل، فهل تصبح طيعة بين يدي قادة ظلاميين، وبالتالي سوف يستخدمون القوة الشاملة لمصر في تحقيق مخططات الجماعة وتقوية أذرعها في بلدان العالم العربي أما أن الشعب المصري ستكون له كلمة أخرى ويغير الامور ويوقف تلك المخططات ويرجع الجماعة ورجالها من حيث أتوا وينهي كل الخطط، التي تراكمت عبر عشرات السنين وينقذ العالم العربي بل والعالم أجمع من مصير مظلم كان ينتظر الجميع.
30 يونيو الطريق إلى تحلل الإخوان في مصر والعالم العربي:
خلال الفترة من يونيو 2012 إلى يونيو 2013 ارتكب الإخوان كل المحرمات التي يجب على أي الحاكم إلا يقترب منها أثناء فترة الحكم، وهددوا الشعب المصري بالويل والثبور وعظائم الأمور، وفشلوا في الملف الاقتصادي واقتربوا أكثر من عصب الهوية الوطنية ومارسوا عليه أشد أنواع الضغوط وحاولوا أخونة مؤسسات وطنية كانت طوال تاريخها لا تعمل إلا لصالح الوطن دون طائفة، واستخدموا الدستور والقانون ضد خصومهم، وحاولوا النيل من مؤسسات العدالة والاعلام وتدخلوا في مناهج التعليم والانشطة الثقافية والرياضية وزادوا من جناحهم العسكري وعينوا رجالهم في إدارات الدولة للسيطرة عليها، وساروا في طريق إنشاء حرس ثوري وتحالفوا مع من تلطخت أيديهم بالدماء واكتنزوا الأسلحة لاستخدامها ضد المصريين وأفعال كثيرة أخرى مما أصاب المنطقة بالفزع من خطة التمكين التي تبنتها الجماعة الارهابية التي قال أحد قادتها “لقد جئنا لنحكم 500 عاما”
أدركت جميع فئات الشعب المصري أن الطرق افترقت مع الجماعة الارهابية وأن رجلهم في قصر الاتحادية عليه أن يرحل وأن كل يوم يتأخر في تركه للمنصب تخسر مصر والعالم العربي الكثير، لذا جاءت ثورة 30 يونيو وبيان 3 يوليو في تمام الساعة التاسعة مساء لينهي عاما من أصعب الأعوام التي عاشتها مصر طوال تاريخها، وذهب حكم الجماعة إلى غير رجعة.
وتبع مصر كل بلدان العالم العربي، فهبت الشعوب العربية ضد الجماعة وبدء انهيار مشروعها في أنحاء الوطن العربي، فبدأت حصصها البرلمانية في التراجع في كل من المغرب وتونس بل وخسرت المقاعد الوزارية ورئاسة الحكومة في المغرب وتونس، وأيضا خسرت مقاعد البرلمان في الجزائر وموريتانيا وليبيا ، وتفككت في الصومال وجيبوتي والجزائر، وزاد صراع الاجنحة في السودان، وفي المشرق العربي تم مطاردة قيادتها في الامارات وسلطنة عمان والبحرين وسوريا والأردن، وحوصرت أكثر في المملكة العربية السعودية، وصنفت الجماعة في بلدان عالمنا العربي بأنها جماعة إرهابية وصودرت في كثير من البلدان أموالها وأغلقت مؤسساتها التي كانت تستخدم في أنشطتها الإرهابية.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل أنهت ثورة 30 يونيو حلم الجماعة الارهابية بحكم العالم العربي وتنفيذ مخططاتها؟ الجواب: أن الثورة قد قامت بخطوات عديدة ولكنها لم تنهي مهمتها كاملة؛ فمازال الطريق طويلا لاستكمال المهمة وهي مهمة ليست قاصرة على العمل داخل أرض مصر فقط؛ بل في جميع بلدان عالمنا العربي وغير العربي وتكاتف الجميع والعمل معا هو الحل الوحيد لإنهاء أحلام الجماعة التي لن تتخلى عنها أبدا.
مدير برنامج الدراسات التاريخية


