يحتفل المجتمع المصري خلال هذا الشهر بثورتين من أهم الثورات تأثيراً في مصر، تمثل كل منهما نقطة تحول مهمة في تاريخها المعاصر وإذا كانت ثورة يوليو 1952 قد وضعت على رأس أولوياتها القضاء على الاستعمار، وسيطرة رأس المال على الحكم، فإن ثورة يونيو 2013، وضعت على رأس اولوياتها الحافظ على هوية مصر، بعد أن سارعت جماعة الاخوان المسلمين لتشويه تلك الهوية بعد اختطافها المجتمع بعد احداث 25 يناير 2011، وإذا كانت ثورة يوليو 1952 قد قام بها الضباط الاحرارالذين كانوا يمثلون طليعة الجيش المصري، وانحازلها الشعب، فان ثورة 30 يونيو 2013 قام بها الشعب وانحاز لها جيش الشعب، بعد أن اقتنع بعدالة مطالبه.
الطريق الي ثورة يوليو 1952:
اجتمعت في مصر عدة عوامل أدت الى ثورة 23 يوليو 1952، على رأسها استمرار الاحتلال، وسوء أوضاع مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ظله.
وكانت لدي مصر فرصة للخلاص من الاحتلال عقب الحرب العالمية الثانية وخروج إنجلترا منهكة منها، وانشغالها ببناء المجتمع الإنجليزي، الذي اعيته الحرب، وابدائها الرغبة في الخلاص من المستعمرات التي كانت تشكل عبئاً عليها، حتى انها قبلت التخلي عن الهند، درة مستعمراتها. لكن ضعف مؤسسة القصر، وتناحر الأحزاب السياسية المصرية على الحكم، واتجاهها لممالأة الانجليز، والاعتماد عليهم في الاستيلاء على الحكم والتربع على مقاعد الوزارة- وحادث 4 فبراير 1942 خير شاهد على ذلك- دفع بريطانيا الى التنكر لجميل المصريين ودورهم في الحرب-والذي كان له الفضل في انتصار بريطانيا وحلفائها في معركة العلمين، التي غيرت مجرى الحرب لصالحهم- وعدم اظهار أي رغبة في تخفيف قبضة الاحتلال أو انهائه، حيث أبقت على انتشار جيوشها، التي بلغت ثمانين الفا ببعض المدن المصرية الهامة، و تلكأت في اخلاء القاهرة والإسكندرية، دون احترام لمعاهدة 1936 التي كانت تنص على نشر عشرة آلاف جندي بمنطقة قناة السويس، ودون مراعاة لشعور المصريين والاعتراف بفضلهم في دعم بريطانيا وحلفائها في الحرب.
كذلك راح الانجليز يعملون للحيل بين المصريين وبين امتلاك الكفاءة التي تؤهلهم لمقاومة الاحتلال وطرده من البلاد، حتى انهم فرضوا على الجيش المصري بعثة عسكرية بريطانية بموجب معاهدة 1936، استغلوها في التآمر عليه واضعافه، بعد أن منعوا عنه الأسلحة الحديثة، وقاوموا زيادة عدده وعدته، ليكون ضعفه مبررا لبقائهم في مصر ما شاءت لهم أطماعهم.
كما ساهمت سياسة الاحتلال في ارتباك المشهد السياسي بمصر، فقد ساهمت في تدني أوضاع مصر الاقتصادية والاجتماعية، بعد ان حولت تلك السياسة مصر الي احدى الوحدات الاقتصادية التابعة للاقتصاد البريطاني المتخصصة في انتاج القطن، وما ارتبط بذلك التحول من نشوء طبقة من كبار ملاك الأراضي الزراعية(الاقطاعيين)، وتحول غالبية الفلاحين المصريين إما إلى صغار ملاك لا يحوزون مساحات زراعية تمكنهم من العيش عند خط الفقر، وإما الى معدمين، لا فرص عمل امامهم بالريف سوى العمل كأجراء – وفي ظل ظروف عمل قاسية- بمزارع كبار الملاك. هذا في الوقت الذي أهملت فيه سياسة الاحتلال الصناعة كمصدر من مصادر الثروة، رغم الجهود التي قام بنك مصر للنهوض بها، الامر الذي ساهم في غياب العدالة الاجتماعية، وبروز صراع طبقي عبر عن نفسه في حوادث اعتداء الفلاحين على أصحاب الأراضي أو على وكلائهم، واعتداء العمال على أصحاب المصانع، كما حدث في شبرا الخيمة (1948)، وبلغ الصراع أشده في حريق القاهرة (26يناير 1952).
كذلك كان الفساد السياسي الذي ساد الفترة الممتدة من صدور دستور 1923 وحتى مطلع خمسينات القرن العشرين، وراء قيام ثورة يوليو، والذي لم يكن مرده عيب في الدستور بقدر ما كان العيب في تطبيقه، وفي النظام السياسي والاجتماعي السائد بالبلاد، الذي مكن أصحاب رأس المال من السيطرة على الحكم وتحويله الي أداة لمصلحتهم، حيث وفرت الظروف لكبار ملاك الأراضي الزراعية شغل أغلب مقاعد البرلمان، بفضل نفوذهم على فلاحي دوائرهم، الذين كانوا ينتخبونهم حتى لو لم تتوفر فيهم مؤهلات النيابة، كما أدى تفشي الفقر و الجهل وضعف الوعي السياسي بين العامة من أبناء المجتمع، إلى انتشار بيع الأصوات بأبخس الاثمان بين الناخبين، و عدم دقة الناخبين في اختيار نوابهم في الانتخابات، في وقت كانت أصوات المتعلمين- لقلتهم- لا وزن لها، بجانب أصوات الأكثرية الواقعة لفقرها تحت تأثير أصحاب رءوس الأموال، الأمر الذي دفع كثير من أبناء هذه الشريحة الاجتماعية الى الامتناع عن ممارسة حقها الانتخابي، وترك الميدان لمن لا يحسنون اختيار نواب المجتمع، في وقت دفع الطمع في الحكم، الى تزييف الانتخابات، وهيكلة نتائجها بما يتفق مع مصالح الشخصيات السياسية والحزبية التي كانت تتولى إدارة المعارك الانتخابية.
وارتبط بالفساد السياسي تزاوج المال والسلطة، فلأن غالبية النواب والشيوخ كانوا من كبار الملاك وأصحاب المصالح الخاصة، فقد مالأوا الحكومات، بشكل دفعهم الي عدم مراعاة الصالح العام عند مناقشة القضايا الاجتماعية تحت قبة البرلمان، ونظروا الى مصالحهم الشخصية عند سن القوانين وتقرير الضرائب، مما أضاع مصالح الشعب، وأوقع عبء الضرائب عليه، واستحال النظام الديمقراطي البرلماني الي استبداد مقنع، يعد من أسوأ أنواع الاستبداد.
وبقدر فساد الجهاز التشريعي، فسد الجهاز التنفيذي، حيث أدي النظام الحزبي لأن تتبادل الأحزاب واحدا تلو الآخر – التي لم يكن لها برامج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية- الوزارة، وبلغ فسادها مداه بإقدامها على ملء وظائف الحكومة بالأتباع والانصار والأقرباء، واستغل بعض الوزراء نفوذهم، فاشتغلوا بالتجارة، وحققوا أرباح طائلة، وباعوا الوظائف والترقيات، وحاول بعض أحرار الكتاب مقاومة هذا التيار فلجأت الحكومة الي البطش بهم، الامر الذي أدي إلى شيوع المحسوبية والرشوة والاستثناء، في عهد كل الحكومات التي لم يحقق أياً منها إصلاحات تذكرفي مختلف ميادين الحياة اليومية.
وعرفت الفترة عدم استقرار السلطة التنفيذية كلية، فمنذ أن وضع دستور1923، وعرفت مصر الحياة البرلمانية في ظله، لم يكمل مجلس نواب واحد المدة المقررة له -خمس سنوات -بحكم الدستور، بعد اقدام الملك على حله تحت تأثير الوزارات، اما للتخلص منه، واما للإبقاءً على الحكم في حزب معين. ولذا تغيرت الوزارات بسرعة، حتى ان احداها لم تتمكن من الحكم مدة تمكنها من تنفيذ سياستها، و ان بعضها لم تستمر غير يوم او بعض يوم. لذا تزعزعت ثقة الناس في الحكومات واتسعت الهوة بين الحكام والمحكومين. وامام استمرار الاحتلال، وتردي أوضاع المجتمع المصري السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان متوقعا حدوث ثورة ستطال النظام الاجتماعي في مصر برمته، وهذه الثورة توقعها حتى بعض رجال الاحتلال، وكثر من النخب السياسية المصرية.
ثورة يوليو 1952:
امام تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما نزل بالجيش المصري في حرب 1948، تعالت مطالب الشعب بالإصلاح، من خلال الصحف الوطنية، وبعض الاحرار من أعضاء البرلمان، الذين قاوموا وناضلوا، وهاجموا الملك فاروق وبطانته، وكذا الأحزاب وزعماءها، ولهذا تعرض البرلمان قبيل يوليو 1952 للحل المرة بعد المرة.
وبينما كان المدنيون الاحرار يناضلون في الجهر، كانت مجموعة من ضباط الجيش الاحرار بزعامة البكباشي جمال عبد الناصر تعد وسائل الخلاص، بعد أن أيقنوا ان الحل يحتاج الى عمل ثوري، أخذوا يعدون له.
وفي فجر 23 يوليو 1952 استيقظ الشعب على نداء الثورة، بعد أن تقدمت قوات من الجيش في منتصف تلك الليلة، واحتلت دور الحكومة والإذاعة والمرافق العامة. وفي غضون ساعات قليلة من هذا التحرك، أملت الثورة على الملك فارق مطالب الشعب، وهي ان يتنازل عن الملك لأبنه أحمد فؤاد، وان يغادر البلاد في موعد غايته 26 يوليه 1952، وقد نفذ فاروق هذين المطلبين. وقد حدد قادة الثورة من الضباط الاحرار اهداف الثورة في: القضاء على الاستعمار والاقطاع واحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة عدالة اجتماعية، وجيش وطني وحياة ديموقراطية سليمة.
وقامت الثورة على تنفيذ اهدافها منذ اللحظة الأولي، فأعلنت الغاء دستور 1923 في ديسمبر 1952، كما حلت الأحزاب السياسية وصادرت أموالها لصالح الشعب في 16 يناير 1953، تمهيدا لإقامة حياة ديموقراطية سليمة. كما الغت الملكية وأعلنت النظام الجمهوري في 18 يونية 1953.
وكخطوة أولى لتحقيق العدالة الاجتماعية صدر قانون الإصلاح الزراعي، الذي حدد الملكية الزراعية بمائتي فدان كحد أقصى، كما صدر قانون حل الأوقاف الاهلية، وتوزيع أراضيها مع الأراضي التي طبق عليها قانون الإصلاح الزراعي على الفلاحين.
ولإرغام دولة الاحتلال على الجلاء والاذعان لمشيئة الأمة، شرع نظام ثورة يوليو منذ أيامه الأولى في تقوية الجيش، وأنشاء معسكرات التدريب، وتشكل الحرس الوطني، الأمر الذي دفع إنجلترا إلى التسليم بمطلب الشعب المصري وتوقيع اتفاقية الجلاء، في 19 أكتوبر 1954 التي نصت على الغاء معاهدة(أغسطس) 1936، وجلاء القوات البريطانية جلاءً تاما عن الأراضي المصرية في غضون عشرين شهرا من تاريخ توقيع المعاهدة، والاتفاق على بقاء أجزاء من قاعدة قناة السويس صالحة للاستعمال، مع وجود بعض الخبراء الانجليز المدنيين فيها، وأن تقوم مصر بتهيئتها لاستخدام القوات البريطانية حال حدوث هجوم من الخارج مسلح على مصر، أو احدى الدول العربية المشتركة في ميثاق الضمان الاجتماعي، او تركيا، على أن تجلو تلك القوات عن القاعدة حال انتهاء القتال.
وبتنفيذ المعاهدة وجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية، ورفع العلم المصري على منطقة قناة السويس في 18 يونية سنة 1956، انتهي الاحتلال البريطاني لمصر، الذي استمر أربعة وسبعين عاما، وعقب العدوان الثلاثي على مصر في 31 أكتوبر 1956، من جانب إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، بعد اقدام مصر على تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956- رداً على تراجع البنك الدولي للإنشاء والتعمير، بضغط من الدول الاستعمارية، عن منح مصر قرضاً لبناء السد العالي- أقدمت مصر في يناير 1957،على الغاء معاهدة الجلاء وباثر رجعي اعتباراً من 31 أكتوبر 1956، وهو نفس اليوم الذي اعتدت فيه بريطانيا على مصر، رغم عدم مرور السبع سنوات المقررة لاستمرار المعاهدة.
وفشل العدوان وجلاء قوات الدول المعتدية علي الأراضي المصرية في يناير 1957، لا يعني أن الامبريالية العالمية قد توقفت عن استهداف مصر، بل اتجهت إلى شن حرب اقتصادية على مصر، فجمدت ما لديها من أرصدة مصرية، وامتنعت عن شراء القطن المصري، وعن امداد مصر بالمواد الغذائية والأدوية، لكن مصر صمدت للحرب الاقتصادية، كما صمدت للعدوان العسكري. وردت على ذلك بالاستحواذ على القاعدة البريطانية في القناة بمعداتها واسلحتها ومنشآتها، كما أقدمت على تمصير المنشآت الفرنسية والانجليزية وادارتها لفائدة المصريين، وفتحت اسواقاً جديدة للتجارة المصرية، نجحت من خلالها في تسويق القطن المصري، واستيراد ما يلزمها من مواد غذائية وادوية وغيرها، حتى انتهي الامر بفشل الحرب الاقتصادية التي فرضت على مصر، وعودة أطرافها الأجنبية الي مفاوضة مصر للافراج عن ارصدتها المجمدة، وعودة العلاقات التجارية بينهما، كما توصلت شركة قناة السويس المنحلة مع الحكومة المصرية الي اتفاق (1958) أنهي النزاع بينهما، وأقر تعويضات عادلة لحملة أسهمها. إضافة إلى هذا حققت الثورة تغييرات جوهرية في نظام الحكم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
وبينما كانت البلاد تشهد تحولات إيجابية على المستوي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري جاءت النكسة على أثر الحرب التي شنتها إسرائيل بغتة على دول المواجهة في 5 يونيو 1967، ولما كانت النكسة تمثل أخطر تحد لثورة يوليو1952، فقد انطلقت بعدها بأيام حرب الاستنزاف، التي اعادت القوات المسلحة ابانها بناء صفوفها استعدادا لحرب الكرامة، التي خاضتها ومن خلفها المجتمع المصري في أكتوبر 1973، والتي فتح الانتصار فيها الطريق لسعي إسرائيل لعقد معاهدة سلام مع مصر، استردت بموجبها مصر أراضيها التي احتلت في 1967، وعودة علاقات مصر مع الرأسمالية العالمية، بإقرار سياسة الانفتاح الاقتصادي، و العمل لاستيعاب تداعياتها، بعد انتفاضة الخبز (1977). تلك التداعيات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية غير القادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع المصري لعقود كثيرة، دفعت ملايين من بسطاء المصريين للنزول الى الشارع في 25 يناير 2011، ورفع شعار ” عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”.
الطريق إلى ثورة 30 يونيو 2013.
ورغم الحشود الكثيفة التي امتلأت بها ميادين مصر خلال مرحلة يناير 2011 وسلامة مطالبهم وشعاراتهم، إلا أن هيمنة جماعة الإخوان وتيارات أخرى مرتبطة بها على مشهد الأحداث أسهم في تحويل تلك الشعارات والمطالب إلى وسائل ومحاور للهدم والفتن وأدخل البلاد تدريجيًا في نفق مظلم نرى نتائجه الآن في محيط مصر الإقليمي كله.
ولاشك أن السلوك الهدام للإخوان، وتواطئهم مع الاستعمار كان دومًا جزءاً من تاريخها منذ أن دخلت المعترك السياسي قبل ثورة يوليو 1952، فعندما كان المجتمع المصري يخوض حرباً مع الجيش البريطاني في منطقة القناة بعد أحداث الإسماعيلية، وطلب من قيادات الجماعة حث شبابها على المشاركة في المقاومة، كان ردهم أن الجماعة ليست معنية بقضية الجلاء والاستقلال بقدر اعتنائها بتطهير المجتمع من الموبقات والمعاصي، ولعل هذا يفسر لنا ما نال الملاهي ودور السينما من مآسي في حريق القاهرة. وحتى ثورة يوليو 1952 باعدوا بينهم وبين التحضير لها، خشية أن يتم الكشف عنها قبل نجاحها، ولما نجحت لم يعلنوا عن تأييدهم لها فحسب، بل حاولوا الترويج لدور رئيس لهم في التحضير لها، ومساندتها، وقد تنبه الضباط الاحرار إلى ذلك فباعدوا بينهم وبين الثورة من البداية. لهذا كانت هيمنتهم على المشهد في مرحلةيناير 2011 خادمة بكل المتربصين بمصر، حيث استمر هذا النهج بعد اعتلائهم حركة 25 يناير، حيث ترددوا في خوض معركة الرئاسة، التي لم يحسموها الا بعد أن تأكدوا من علو كعبهم في الشارع، بعد أن نجحوا في بث الخلافات بين الشباب، حتى انشغلوا بانقساماتهم، وابعدوا المرأة-لحين- عن الشارع ومواصلة دورها الوطني.
وخاض الاخوان معركة الرئاسة التي أتت برئيس منهم، والذي كانت فترة حكمه التي لم تزد عن عام تشي بأن مصر ستشهد ثورة لتصحيح المسار، حيث كانت مصر تدار من مكتب الارشاد، حتى ان مستشاري رئيس الجمهورية- بما فيهم المستشار العسكري- أكدوا انهم لم يستشاروا في أمر من الأمور، وانهم كانوا أشبه بمن يشغلون مناصب شرفية، كما انهم عملوا على الهاء المجتمع بأزماته حتى ينشغل عن فشلهم السياسي، وكانت الآلية التي تدار بها اجتماعات بحث الموضوعات المهمة- من بينها اجتماع بحث موضوع سد النهضة- خير شاهد على العجز السياسي لمؤسسة الرئاسة في عام حكم الاخوان، الذي انشغلوا فيه بالعمل للسيطرة على مفاصل الدولة بغرس عناصرهم في مؤسساتها، بما في ذلك المؤسستين العسكرية والأمنية.
كل هذه الممارسات كانت وراء تحرك المجتمع المصري لتصحيح مسار 25 يناير وإنهاء حكم جماعة الاخوان، بعد أن رأى في ذلك ضرورة لإنقاذ البلاد من الانزلاق في نفق الفوضى، وحماية الهوية المصرية.
لهذا نزل أكثر من 30 مليون مصري في 30يونيو2013 الي ميادين مصرفي العاصمة، والاقاليم، طالبوا بإنهاء حكم جماعة الاخوان، وقد دفع هذا النزول بأعداد كبيرة القوات المسلحة وقيادتها إلى التحرك لحماية الثورة، وفي 3 يوليو تم الاستجابة لمطالب الثورة، وتقرر انهاء حكم الجماعة، وان يقوم رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة البلاد لحين اجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتم اجراء انتخابات -بناء على دستور جديد- جاءت بالرئيس عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية. الذي كان عليه مواجهة تحديات عدة يأتي على رأسها مواجهة الإرهاب الذي كان يستهدف هدم الدولة المصرية، وتسهيل مهمة تفكيكها، وكذلك مواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، بعد أن ورث وضع اقتصادي متردي.
لهذا أعطت القيادة السياسية أولوية للقضاء على الإرهاب، والسيطرة على الجماعات الهدامة، لتحقيق الأمن والاستقرار وتوفير بيئة حاضنة للتنمية، وقد كلف هذا الدولة كثير من الأرواح والأموال، حتى تم اجتثاث جذور الإرهاب.
ولمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، قامت الدولة على خطة للتنمية المستدامة، في ظروف قاسية، منها محاولات الخارج التضييق على ثورة 30 يونيو، وجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، التي القت بظلالها على الاقتصاد العالمي.
وقد قامت خطة التنمية على أساس برنامج شامل للإصلاح يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات وتجاوز الأزمات، ولما كان نجاح الخطة معلق على توفير رؤوس الأموال اللازمة لها، فقد قامت الدولة على سياسة لتجميع وجذب رؤوس الأموال من الداخل والخارج، حيث نجحت في ترويض رأس المال المحلي، واقناعه بلعب دور محوري في التنمية، وتسريع عجلتها وتنشيط السوق، كما اهتمت بتشجيع رأس المال الأجنبي على العمل بسوق الاستثمارات المصرية، بتوفير بيئة حاضنة للاستثمارات، وتغيير قانون الاستثمار، بشكل يوفر ضمانات لأصحاب رأس المال الأجنبي، تحمي استثماراتهم من التأميم والمصادرة وتعطيهم الحق في تحويل ارباحهم، وتوفير فرص الحصول على العمالة المدربة من الداخل والخارج لهم، كذلك وجهت الدولة الاستثمارات العامة نحو مجالات خطة التنمية المستدامة.
بفضل هذه الجهود تم تنفيذ مشروعات عملاقة في وقت قياسي، منها مشروع قناة السويس الجديدة، وغشيان المجتمع بشبكة عصرية من الطرق ووسائل النقل والمواصلات بما في ذلك عصرنة شبكة السكك الحديدية، وانشاء مدن جديدة، وتطوير المدن القديمة بما ساعد على القضاء على العشوائيات، مع الحفاظ على سماتها الحضارية، هذا فضلاً عن انشاء العاصمة الإدارية الجديدة والاهتمام بالقطاعات الخدمية على مستوي التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وهذا ما جعل 30يونيو تمثل ثورة شعبية حقيقية، ستحصد البلاد في الأيام القادمة ثمارها.

