في أعقاب الحرب المدمرة التي شهدها قطاع غزة، تقف البيئة كشاهد صامت على حجم الكارثة الإنسانية التي ألمّت بالمنطقة. فقد تركت العمليات العسكرية بصمات عميقة على مختلف مكونات البيئة؛ مما أدى إلى تدهور شامل في جودة الحياة للسكان المحليين.
تمثل غزة بكل المقاييس كارثة بيئية متعددة الأبعاد، إذ تجمع بين أوجه التلوث بمستوياته القاتلة، وتراكم النفايات بأحجام مهولة، وفقدان التنوع البيولوجي بكافة أشكاله ومظاهره برًا وبحرًا، إضافة لما تدفع به العمليات الحربية المكثفة وآلاف أطنان الذخائر والقنابل من آثار سلبية على الانبعاثات وتغير المناخ.
يهدف هذا المقال إلى تحليل التداعيات البيئية للحرب الأخيرة على قطاع غزة، مع تسليط الضوء على التلوث الناتج عن الدمار، وتأثيراته في الصحة العامة، والموارد الطبيعية، والبيئة الحضرية.
مخلفات الحرب من الركام
تسببت الحرب في قطاع غزة في تدمير واسع للبنية التحتية والمباني؛ مما خلّف كميات هائلة من الركام والأنقاض. تُقدّر الأمم المتحدة هذه الكميات بأكثر من 50 مليون طن، حيث يوجد حاليًا أكثر من 107 كجم من الحطام لكل متر مربع في قطاع غزة، ووفقًا لبيانات الأقمار الصناعية للأمم المتحدة، فإن ثلثي المباني في غزة قبل الحرب (أكثر من 170 ألف مبنى)، تهدمت أو سوّيت بالأرض، وهو ما يعادل حوالي 69% من إجمالي المباني في قطاع غزة.
يشكل الحطام أخطارًا على صحة الإنسان والبيئة، بما في ذلك مخلفات البناء مثل الإسمنت والخرسانة والحديد والطوب، بالإضافة إلى مواد خطرة مثل المواد الكيميائية والغبار والتلوث بالذخائر غير المنفجرة وصولًا إلى الأسبستوس المعروف أنه مادة مسرطنة، والنفايات الصناعية والطبية وغيرها من المواد الخطرة. بالإضافة إلي التعامل مع الرفات البشرية المدفونة تحت الأنقاض والذي يجب التعامل معها بشكل مناسب.
ويمثل الركام خطرًا بيئيًا وصحيًا على سكان القطاع، بسبب احتوائه على مواد سامة ومسرطنة. لذلك، من الضروري التعامل مع هذه المخلفات بحذر، وضمان التخلص الآمن منها أو إعادة تدويرها بطرق تقلل من التأثيرات السلبية في البيئة والصحة العامة؛ مما يمثل تحديًا كبيرًا لجهود الإزالة وإعادة الإعمار في ظل الظروف الحالية.
تدمير مرافق المياه والصرف الصحي
تسببت الغارات الجوية والقصف المدفعي في دمار واسع للبنية التحتية الحيوية مثل محطات المياه والصرف الصحي. ووفقًا للتقارير ألقت القوات الإسرائيلية حوالي 100 ألف طن من المتفجرات؛ مما أدى إلى تدمير نحو 88% من البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك المنازل، وشبكات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء. وتزيد تكلفة الخسائر الأولية المباشرة للحرب عن 38 مليار دولار.
لقد دمر الاحتلال حوالي 330 ألف متر من شبكات المياه، ثم أوقف ضخ المياه إلى غزة وقيّد ذلك لاحقًا، وتم تعطيل معظم البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة بسبب قطع الكهرباء وحجب الوقود، كما مُنع دخول جميع المساعدات المتعلقة بالمياه بما فيها أنظمة التنقية والخزانات ومواد إصلاح البنى التحتية. ووفق تقرير لسلطة المياه الفلسطينية نشرته في أكتوبر 2024، فإن كمية المياه في القطاع انخفضت بنسبة 30-35% عما كانت عليه قبل الحرب.
ويعتمد القطاع على 3 مصادر رئيسية للمياه:
- المصدر الأول: المياه الجوفية حيث يضم القطاع مئات الآبار دمر الاحتلال نحو 717 منها وأخرجها عن الخدمة
- المصدر الثاني: هو محطات التحلية، حيث يحتوي القطاع على 3 محطات رئيسية هي؛ محطة الشمال بطاقة إنتاجية قبل العدوان قدرت بنحو 10 آلاف متر مكعب يوميًا، والوسطى بطاقة إنتاجية 5500 متر مكعب يوميًا، ومحطة الجنوب بطاقة إنتاجية 20 ألف متر مكعب يوميًا. ومع الحرب تعطل عمل محطتين منها بشكل كامل، بينما عملت الثالثة بشكل جزئي وبقدرة إنتاجية لا تتجاوز 5% بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيلها.
- المصدر الثالث: هو توفير المياه من شركة “ميكروت” الإسرائيلية وتشمل 3 وصلات أساسية؛ شمال ووسط وجنوب غزة، حيث كانت تزود القطاع بنحو 52 ألف متر مكعب يوميًا، وقطع الاحتلال هذه الإمدادات في أول أيام الحرب ليعيدها بشكل مقيد وجزئي بعد اتفاق الهدنة الأول في نوفمبر 2023.
لم تكن شبكات الصرف الصحي بمنأى عن الدمار، حيث أعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة تدمير الاحتلال لنحو 655 ألف متر من شبكات الصرف الصحي في القطاع. هذا التدمير تسبب بتوقف شبه كامل لخدمات الصرف الصحي؛ مما أدى إلى تسرب المياه العادمة للمناطق المأهولة بالسكان فضلًا عن تصريف أجزاء منها باتجاه البحر.
تدمير مرافق المياه والصرف الصحي أدى إلى تلويث الشواطئ والمياه الساحلية والتربة والمياه العذبة بمياه الصرف الصحي والجسيمات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية الخطرة. وهذا يشكل تهديدات مباشرة وطويلة المدى على صحة سكان غزة والحياة البحرية والأراضي الصالحة للزراعة.
تلوث التربة
أدى استخدام الأسلحة والذخائر المحتوية على معادن ثقيلة ومواد كيميائية متفجرة إلى تلويث التربة في المناطق المستهدفة. أشار تقييم لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الملوثات تشكل خطرًا طويل الأمد على صحة الإنسان والبيئة. ومن المتوقع أن يؤدي تدمير الألواح الشمسية إلى تسرب مادة الرصاص والمعادن الثقيلة الأخرى؛ مما يسبب نوعًا جديدًا من الأخطار على التربة والمياه في غزة، حيث يتم إنتاج نحو 25% من الكهرباء في غزة بواسطة الطاقة الشمسية.
كما أن عمليات التجريف الممنهج للأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار أو قصفها وتحويلها إلى مناطق جرداء من شأنه أن يسهم في تصحر قطاع غزة وتقليل خصوبة الرقعة الزراعية الصالحة لممارسة النشاط الزراعي في القطاع.
تلوث الهواء
نتج عن القصف والحرائق المصاحبة له انبعاث كميات كبيرة من الدخان والغازات السامة والجسيمات الدقيقة في الهواء. أفادت تقارير بأن الانبعاثات الكربونية خلال الأيام الستين الأولى من العدوان تجاوزت الانبعاثات السنوية لعشرين دولة عالميًا، حيث بلغت نحو 281 ألف طن من الانبعاثات الضارة. مما أدى إلى تدهور جودة الهواء وزيادة الأخطار الصحية على السكان. هذا التلوث الجوي يزيد من معدلات الأمراض التنفسية ويؤثر سلبًا في الصحة العامة، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان.
تدهور برامج إدارة النفايات
وهناك خطر متزايد خلفته الحرب على قطاع غزة ويعاني منه السكان حاليًا، وهو تراكم أكثر من 270 ألف طن من النفايات الصلبة في القطاع، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، والمنتشرة في التجمعات السكانية والطرقات والساحات والمستشفيات بما في ذلك النفايات الصحية، وذلك بسبب تدمير مرافق إدارة النفايات ونظام جمع ومعالجة النفايات في القطاع، وهو ما يشكل كارثة بيئية وصحية بحد ذاته، ويهدد بأن يكون مصدرًا آخر لانتشار الأمراض والأوبئة؛ الأمر الذي بدأ يظهر بوضوح في مخيمات النزوح المكتظة، لا سيما في ظل تدمير الهياكل الأساسية لخدمات المياه والصرف الصحي.
ففي مدينة غزة وحدها، يتجمع نحو 90 ألف طن من النفايات في الطرقات وفي محيط مراكز الإيواء بشكل كبير؛ مما أدى إلى إغلاق بعض الطرقات جزئيًّا وكليًّا لتجميع النفايات وبعض المناطق الأخرى، إضافة إلى انتشار الحشرات والقوارض الضارة المسببة للأمراض والأوبئة.
التأثير في التنوع البيولوجي
أدت الحرب في قطاع غزة إلى تأثيرات سلبية عميقة في التنوع البيولوجي في المنطقة؛ مما يهدد التوازن البيئي ويعرض العديد من الأنواع النباتية والحيوانية لخطر الانقراض.
- تدمير الموائل الطبيعية:
استخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات أدى إلى تدمير واسع للموائل الطبيعية؛ مما أسفر عن فقدان المواطن الأساسية للعديد من الكائنات الحية. هذا التدمير شمل حرق وتدمير الغطاء النباتي، بما في ذلك الأشجار والشجيرات والأعشاب المتوطنة في البيئة الساحلية وشبه الساحلية. نتيجة لذلك، تعرضت بعض الأنواع النباتية والحيوانية لخطر الانقراض بسبب فقدان بيئاتها الطبيعية.
- تأثيرات في الحياة البرية:
العمليات العسكرية تسببت في قتل وإصابة العديد من الحيوانات البرية، بالإضافة إلى تدمير مواطنها. كما أدى الضجيج والانفجارات إلى اضطراب سلوك الحيوانات؛ مما أثر في أنماط تكاثرها وهجرتها. على سبيل المثال، تحولت محمية وادي غزة إلى “مقبرة جماعية” للحياة البرية، مما أدى إلى تدمير أحد أهم مسارات هجرة الطيور العالمية.
- تلوث البيئات المائية:
تسرب المواد الكيميائية والملوثات الناتجة عن القصف إلى المياه الجوفية والسطحية؛ مما أثر سلبًا في الكائنات المائية. هذا التلوث أدى إلى انخفاض أعداد الأسماك والكائنات البحرية الأخرى؛ مما يهدد التنوع البيولوجي البحري في المنطقة.
وفي الختام: تعد البيئة من أكثر القطاعات تأثرًا بالصراعات والحروب، حيث تترك العمليات العسكرية آثارًا مدمرة في الموارد الطبيعية والبنية التحتية البيئية. وشهد قطاع غزة موجات متتالية من الصراعات؛ مما أدى إلى تدهور كبير في النظام البيئي المحلي. حيث أشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الآثار البيئية الناجمة عن الحرب في غزة تعد غير مسبوقة، حيث تُعَدُّ التداعيات البيئية للحرب في غزة من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة، حيث تسببت العمليات العسكرية في دمار واسع للبنية التحتية البيئية؛ مما أدى إلى تلوث التربة والمياه والهواء. هذا التلوث البيئي له آثار سلبية مباشرة في صحة السكان، حيث يزيد من انتشار الأمراض المعدية وأمراض الجهاز التنفسي.
بالإضافة إلى ذلك، أدى تدمير الأراضي الزراعية والغطاء النباتي إلى تهديد الأمن الغذائي؛ مما يزيد من اعتماد السكان على المساعدات الخارجية ويعيق عمليات التنمية. كما أن فقدان الموائل الطبيعية أدى إلى تراجع التنوع البيولوجي؛ مما يهدد التوازن البيئي في المنطقة.
إن معالجة هذه التداعيات تتطلب جهودًا مكثفة لإعادة تأهيل البيئة، بما في ذلك إزالة الملوثات، وإعادة بناء البنية التحتية البيئية، وتعزيز ممارسات الاستدامة. ويعد التعاون بين المؤسسات المحلية والدولية ضروريًا لتحقيق تعافٍ بيئي شامل يضمن بيئة صحية ومستدامة للسكان.






























