تميزت مصر عبر تاريخها الطويل بخصوصية حضارية فريدة، نبعت من هوية مركبة ومتجانسة في آن واحد، وهي هوية ممتدة وضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، تداخلت فيها الروافد المصرية القديمة لعصر الأسرات، مع المكونات والمراحل المسيحية والإسلامية، فضلاً عن أبعادها وجسورها الجيوسياسية والثقافية كدولة عربية، وأفريقية، ومتوسطية.
كما امتازت الشخصية المصرية بمرونة بنيوية صلبة جعلتها عصَية على الاختزال في أيديولوجية أحادية ضيقة، واستنكرت فرض أي نمط ثقافي وافد يصطدم مع قيم السماحة والاعتدال والتدين الفطري والتعايش المشترك والتي استقرت في وجدان الجماعة الوطنية.
بناءً على ذلك لا يُمكن مقاربة تاريخ مصر الحديث والمعاصر، أو استيعاب تحولاته الكبرى ومحطاته المفصلية، بمعزل عن فهم بنية “الدولة الوطنية” بمفهومها المركزي الاستقراري، فمصر تمثل أقدم الدول المركزية في التاريخ البشري، حيث استقرت قواعدها الإدارية والمؤسسية والحضارية منذ فجر التاريخ .
وفي مسار الأمم والشعوب تبرز تحولات كبرى ومنعطفات تاريخية حاسمة تشكل فواصل بنيوية بين مرحلتين؛ ولم تكن ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013م، استثناءً من هذه القاعدة التاريخية المطردة، وإن القراءة الفاحصة الهادئة لهذا الحدث تؤكد على أنه لم يكن مجرد حراك جماهيري عابر، أو هبة شعبية مؤقتة أملتها ضغوط تكنوقراطية، أو ظروف اقتصادية وسياسية آنية، بل كانت الثورة في جوهرها التحليلي حركة تصحيح استراتيجية مسارها نابع من أعماق الوعي الجمعي المصري؛ بهدف صون كينونة الدولة وحماية هويتها الثقافية والحضارية من محاولات الاختطاف الأيديولوجي والإقصاء الفكري.
إن تناول ثورة 30 يونيو من منظور التحليل التاريخي الأكاديمي يقتضي تفكيك هذه الظاهرة الاجتماعية والسياسية الفريدة، ولا يتأتى ذلك بالرصد التوثيقي السطحي للأحداث الفوقية واليومية فحسب، بل بالغوص في الدوافع الفكرية العميقة، وقراءة تجليات هذا الحراك في بنيان الوعي الشعبي، مع وضع الحدث في سياقه المقارن بالثورات الكبرى في تاريخ مصر الحديث، مثل ثورتي 1919م، و 23 يوليو 1952م، وتسعى هذه القراءة إلى تسليط الضوء على الكيفية التي تحول بها الوعي الشعبي المصري من حالة الرصد والترقب السلبي إلى قوة تاريخية فاعلة وصانعة للأحداث، استطاعت استعادة الدولة وإعادة صياغة معادلات الأمن القومي والتنمية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة عصفت بها رياح التفتيت والانهيار المؤسسي والتمزق الطائفي.
يطرح الفكر التاريخي سؤالاً نظرياً ومنهجياً جوهرياً، مفاده ما المحددات البنيوية للوعي الشعبي؟ وكيف يتحول من حالة الإدراك السلبي المترقب للواقع إلى طاقة حركية تصنع التحولات التاريخية الكبرى؟
في سياق علم الاجتماع التاريخي يُعرّف الوعي الشعبي بأنه محصلة التراكم المعرفي، والثقافي، والقيمي لمجتمع ما عبر حقبه التاريخية المتعاقبة، وهو بذلك لا يمثل مجرد رأي عام مؤقت أو متقلب تؤثر فيه وسائل الدعاية الموجهة، بل هو الضمير المستتر والعمق الاستراتيجي للكتلة التاريخية الحرجة الكامنة في صلب المجتمع.
وفي الحالة المصرية يكتسب الوعي الشعبي خصوصية شديدة الارتباط بمفهوم النهر والمجتمع الزراعي المستقر، هذا الاستقرار الممتد عبر آلاف السنين أنتج وعياً جمعياً يقدس مفهوم الدولة المركزية، ويرى فيها الضامن الأساسي والوحيد للبقاء، والاستقرار، وحفظ الأنفس والممتلكات، وتوزيع الموارد .
وبناءً على هذا المحدد الجغرافي-التاريخي، طور الوعي الجمعي المصري عبر العصور آلية دفاع ذاتية فريدة، وضمن أن تتحرك كوامن هذه الآلية بشكل حاسم وصارم عندما يشعر الضمير الجمعي أن جوهر البقاء، أو الهوية الممتدة، أو تماسك المؤسسات الوطنية الراسخة قد أصبح مهدداً بالزوال والتبدد والضياع.
لقد تجلت هذه الآلية الدفاعية تاريخياً في محطات تاريخية عديدة؛ حيث ظهرت بوضوح في ثورة 1919م عندما توحدت الأمة بكافة مكوناتها وأطيافها الاجتماعية والدينية ضد الاحتلال البريطاني تحت شعار الاستقلال التام، وتكررت التجربة في الدعم الشعبي الواسع والالتفاف الكبير حول ثورة 23 يوليو 1952م بهدف تصفية جيوب الاستعمار وإرساء مبادئ العدالة الاجتماعية وتقوية ركائز الجيش الوطني.
وفي 30 يونيو 2013م، وصل هذا الوعي التاريخي الكامن إلى ذروة نضجه السياسي المعاصر حيث أدرك الإنسان المصري البسيط والمثقف على حد سواء أن طبيعة الأزمة الراهنة –حينها- تجاوزت حدود الإخفاق الإداري، أو عجز الكفاءة، أو الضوائق الاقتصادية المؤقتة التي يُمكن التعاطي معها بالصبر والمبادرات التقليدية، بل شخّص الوعي الجمعي الأزمة باعتبارها أزمة وجود حقيقية تهدد النسيج الوطني الموحد لصالح مشروع ضيق وعابر للحدود الوطنية، وعند هذه النقطة الحرجة والخطيرة تحول الوعي من القوة الكامنة والنقد الصامت إلى الفعل الثوري الحاسم والمباشر في الميادين.
لم تكن الإرهاصات والأحداث السياسية والمجتمعية التي سبقت ثورة 30 يونيو في نظر العقل الجمعي المصري مجرد أخطاء سياسية عابرة أو عثرات إدارية يمكن تصحيحها بالوسائل البرلمانية التقليدية، بل شكلت في جوهرها خطراً داهماً يهدد بانهيار ركائز الدولة الوطنية، وتحويل المجال العام إلى ساحة للصراعات الأهلية والتفتيت الطائفي والمذهبي، على غرار النماذج المأساوية التي بدأت تلوح في الأفق الإقليمي المضطرب المحيط بمصر.
من هنا جاءت ثورة 30 يونيو 2013م؛ لتقدم مشهداً غير مسبوق في تاريخ الحشود البشرية على المستويين الإقليمي والعالمي، فلم يكن التحرك الجماهيري مقتصراً على العاصمة أو المراكز الحضرية الكبرى كالقاهرة والإسكندرية فحسب، بل امتد بشكل متزامن ليشمل كافة عواصم المحافظات، والمدن، والقرى من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، وقد أثبت هذا الاتساع الجغرافي الأفقي الساحق شمولية الوعي الثوري، وتجاوزه للأطر التقليدية للنخب السياسية والحزبية الفوقية وصولاً إلى القواعد الشعبية العريضة في عمق الريف والحضر.
ترتبط ثورة 30 يونيو برباط عضوي وتاريخي وثيق بثورة 1919م العظيمة؛ فمثلما انتفضت الدولة المصرية في مطلع القرن العشرين لترسيخ شعار “الدين لله والوطن للجميع” رداً على محاولات سلطات الاحتلال شق الصف الوطني على أسس طائفية، جاءت ثورة 30 يونيو لتعيد إحياء هذا المبدأ الدستوري والحضاري الأصيل وتؤكد على أن المواطنة هي الرابط الأساسي والوحيد بين أبناء الوطن، كما أكدت الثورة على أن أي مساس بالهوية المصرية والموروث الثقافي التعددي المتسامح هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو العبث به من أي فصيل.
ولما كانت الثورات في التاريخ الإنساني تحمل بطبيعتها طابعاً تفكيكياً للبنى السياسية والهياكل القائمة، فإن ثورة 30 يونيو وضعت حداً فاصلاً وجديداً لجدلية “الثورة والدولة” في الفكر السياسي المعاصر، وتميزت هذه الثورة بخصوصية نادرة؛ إذ إنها لم تقم من أجل هدم هياكل الدولة أو تفكيك مؤسساتها وإشاعة الفوضى، بل قامت -على العكس تماماً من ذلك- من أجل الحفاظ على الدولة واسترداد كفاءتها وهيبتها وحمايتها من التحلل.
وعند إجراء مقارنة منهجية وموضوعية بين مصائر دول المنطقة التي شهدت موجات الحراك الجماهيري في عام 2011م، نجد أن غياب الوعي بأهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية أدى في العديد من الأقطار الشقيقة إلى انهيار الجيوش النظامية، وتفكك الأجهزة الإدارية، وسيادة الفوضى المؤسسية، وظهور المليشيات المسلحة عابرة الحدود؛ مما حول تلك الأوطان الشقيقة إلى ساحات مفتوحة لحروب بالوكالة وتدخلات سافرة من قوى إقليمية ودولية.
في المقابل وبفضل العمق التاريخي والحضاري الراسخ للمجتمع المصري، أدرك العقل الجمعي الفارق الجوهري والوجودي بين معارضة نظام سياسي أو حكومة قائمة وبين إسقاط مؤسسات الدولة وتدمير ركائزها؛ ولذلك توجهت الحشود الشعبية في 30 يونيو إلى الميادين وهي ترفع شعارات واضحة تطالب بإنقاذ وصون مؤسسات الدولة السيادية والروحية والخدمية (مثل القضاء، والقوات المسلحة، والشرطة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، والجهاز الإداري) من محاولات الأخونة، والإخضاع، والسيطرة الفئوية.
فكانت ثورة 30 يونيو بالمعنى التاريخي الدقيق، صرخة جماعية لاستعادة هيبة الدولة وكفاءتها، وإعادة الاعتبار لمفهوم “المؤسسية” الصارمة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وهو ما جنّب مصر سيناريوهات التفتت والانهيار والسيناريوهات المأساوية الدموية التي لحقت بالعديد من دول الإقليم المحيطة بها.
وقد أعادت ثورة 30 يونيو صياغة العقد الاجتماعي في مصر على أسس متينة قوامها المواطنة الكاملة، والمساواة الدستورية والفعالة دون أي تمييز أو فرز على أساس الدين، أو الجنس، أو العرق، وكان من أبرز مكتسبات هذا الوعي المتجدد بعد الثورة إنهاء حالة القلق التي انتابت ملايين المسيحيين في مصر على مستقبلهم وحقوقهم التاريخية الأصيلة في وطنهم؛ حيث تجسدت اللحمة الوطنية في أبهى صورها عندما شخّص الجميع المخاطر باعتبارها تستهدف الكيان الوطني والمستقبل المشترك بكامله دون تفرقة.
وفيما يلي استعراض للملامح الأساسية التي تبرز ترسيخ مفهوم المواطنة وإدارة المجال العام بين مرحلتي ما قبل وما بعد ثورة 30 يونيو:
- خطاب الدولة الرسمي: حيث تحول الخطاب في مرحلة ما قبل الثورة من خطاب طائفي، إقصائي، يعتمد على التقسيم والفرز المجتمعي والأيديولوجي المستمر، إلى خطاب وطني جامع في مرحلة ما بعد الثورة، ويؤكد بصورة مستديمة على أسس الدولة المدنية الحديثة والمساواة الدستورية الراسخة.
- دور المؤسسات الدينية الروحية: لقد شهدت مرحلة ما قبل الثورة محاولات مستمرة لتسييس الدين وتوظيف المنابر والمؤسسات لخدمة تيار سياسي وأيديولوجي محدد، بينما تمكنت الدولة في مرحلة ما بعد الثورة من استعادة الأزهر الشريف والكنيسة المصرية لدورهما الوطني والروحي والفكري كرموز لجامع الأمة وصون الوسطية والاعتدال.
- التشريعات والحقوق والحريات: فقد عانت الدولة قبل الثورة من غياب الحماية التشريعية الحقيقية لبعض الفئات وتهميش الملفات الحقوقية والوطنية الأساسية؛ أما بعد الثورة فقد تُرجم الوعي الجديد إلى خطوات تشريعية ملموسة، شملت إقرار قانون بناء الكنائس الموحد التاريخي، وتمكين المرأة والشباب بصورة غير مسبوقة في المناصب القيادية والتشريعية والتنفيذية.
وقد أدت هذه التحولات العميقة في بنية الفكر السياسي والتشريعي للدولة إلى طفرة ملموسة وحقيقية في مؤشرات الانتماء الوطني لدى المواطنين، فلم يعد مفهوم الانتماء مجرد شعور عاطفي مجرد أو أدبيات إنشائية تُقال في المناسبات، بل تُرجم عملياً إلى ممارسات واقعية واصطفاف شعبي صلب خلف المشروعات القومية الكبرى، كما تشكل إدراك عام وشامل بأن قوة الوطن وحصانته تنبعان أساساً من تماسك جبهته الداخلية وقدرتها على استيعاب وتنوع كافة مكوناتها التاريخية الفريدة.
من أعمق الآثار التاريخية والاستراتيجية لثورة 30 يونيو هي تلك النقلة النوعية الكبرى في مفهوم الوعي العام تجاه الأمن القومى؛ حيث تخلص العقل الجمعي المصري تماماً من النظرة الضيقة المحصورة في البعد الدفاعي المباشر وحماية الحدود البرية، وأصبح يدرك الأبعاد المعقدة والمتشابكة للمخاطر الحديثة التي تحيط بالدولة في بيئة دولية وإقليمية شديدة الاضطراب، كما استوعب المواطن المصري أن الأمن القومي لا يعني فقط حماية الحدود الجغرافية، بل يمتد ليشمل محاور حيوية ووجودية أخرى، من بينها ما يلى:-
- الأمن المائي، والغذائي، وأمن الطاقة باعتبارهم مرتكزات وجودية لبقاء المجتمع واستمراره.
- مواجهة حروب المعلومات والحروب السيبرانية التي تستهدف تزييف الوعي، ونشر الشائعات الممنهجة، وتفكيك المجتمعات من الداخل عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة.
- مكافحة الفكر المتطرف والإرهاب الأسود العابر للحدود واستئصال شأفته كمتطلب أساسي وحتمي لأي حراك تنموي أو اقتصادي مستدام.
وقد ارتبط هذا الوعي الأمني المتطور بإدراك موازٍ لحتمية التنمية الشاملة والسريعة؛ إذ تولدت قناعة شعبية راسخة بأن مواجهة التحديات الوجودية واستعادة مكانة مصر الإقليمية والدولية الرائدة لا يمكن أن تتحقق بالشعارات الحماسية أو الأماني، بل ببناء اقتصاد قوي، وتحديث بنية تحتية عملاقة، وإطلاق مشروعات قومية كبرى.
وتمثل ذلك عملياً في شبكة الطرق القومية العملاقة، وقناة السويس الجديدة، وتطوير العشوائيات والمناطق غير الآمنة، ومبادرة “حياة كريمة” الأضخم عالمياً لتطوير الريف المصري وتغيير وجه الحياة لغالبية السكان، وصار هذا الترابط العضوي المتين بين (الأمن والتنمية) ركيزة أساسية وثابتة في فكر الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الثورة.
تقدم ثورة 30 يونيو مخزوناً استراتيجياً وفكرياً وسياسياً هائلاً من الدروس التي يجب استثمارها بشكل دائم في صياغة مناهج بناء الوعي، لا سيما لدى الأجيال الناشئة والشباب الذين لم يعاصروا تفاصيل الأزمة الخانقة وفترة حكم جماعة الإخوان المسلمين وما تلاها من اضطرابات أمنية واقتصادية حادة .
وتخلص القراءة التاريخية والتحليلية الشاملة إلى صياغة أبرز النتائج والاستنتاجات على النحو التالي:
- أولوية كينونة الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية: إن الدرس الأسمى والأساسي لثورة يونيو هو أن كيان الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية والسيادية هو الضمانة الوحيدة والملاذ الآمن لمنع الفوضى والتمزق المجتمعي، وأن بديل الدولة ليس النظام الأفضل أو المدينة الفاضلة، بل هو سيادة قانون الغاب، والمليشيات المسلحة، والدمار الهيكلي الكامل للمجتمعات.
- الإعلاء من شأن الانتماء الوطني: أثبتت التجربة التاريخية المعاصرة أن أي تنظيم أو جماعة أو فصيل يضع مصلحته أو تنظيمه الأممي فوق المصلحة العليا للوطن مآله الحتمي الفشل الذريع واللفظ الشعبي التام، فالأوطان لا تُدار بأجندات عابرة للحدود أو أفكار تقصي الشركاء التاريخيين في الوطن.
- التكامل والتلاحم العضوي بين الشعب والمؤسسات: أكدت الثورة أن قوة مصر التاريخية تكمن في التلاحم العضوي والحر بين الإرادة الشعبية العريضة والمؤسسة العسكرية الوطنية وأجهزة الدولة السيادية، ومتى ما تحقق هذا التلاحم بوعي كامل وثقة متبادلة، غدت الدولة قادرة على قهر المستحيل ومواجهة أعتى المؤامرات الخارجية والداخلية وتجاوز الأزمات الاقتصادية والسياسية المركبة.
إن ثورة 30 يونيو 2013م لم تكن مجرد حدث سياسي عابر أو تقليدي يهدف لتغيير سلطة تنفيذية أو تعديل حكومي محدود، بل كانت تعبيراً عبقرياً وفريداً عن يقظة الوعي الجمعي المصري، واستدعاءً طوعياً ومفاجئاً لآليات الدفاع الذاتي الحضاري الكامنة في الشخصية المصرية لاسترداد الدولة وحماية ثوابت الهوية الوطنية، كما أعادت مصر إلى مسارها التاريخي الطبيعي كدولة مدنية وطنية جامعة لكل أبنائها دون تفرقة، ووضعت حداً صارماً لمخططات إعادة رسم الخرائط وتفتيت المنطقة العربية على أسس طائفية ومذهبية وعرقية.
وتؤكد النظرة المستقبلية الواعية على أن حماية الدولة المصرية في عالم اليوم المليء بالتحولات الجيوسياسية الحادة والصراعات الإقليمية والدولية الشرسة حول الموارد، والمياه، والنفوذ، لم تعد تقتصر على القوة العسكرية وحسب، بل باتت ترتكز بالأساس والأولوية على الوعي الشعبي المحصن فكرياً وثقافياً وسياسياً .
ما يعنى أن الوعى الشعبى الرشيد والمدرك لطبيعة التحديات الاقتصادية والسياسية، هو الذى سيظل دائمًا وأبدًا صمام الأمان الحقيقي لحفظ الدولة المصرية، وصون سيادتها الكاملة
ومن هنا فإن المسؤولية الكبرى أصبحت ملقاة على عاتق المؤسسات الفكرية، والتعليمية، والإعلامية، والثقافية؛ لمواصلة تفكيك الأفكار المتطرفة والإقصائية، وغرس قيم المواطنة الحقيقية، وشرح ثوابت ومحددات الأمن القومي للأجيال الجديدة لحمايتهم من الانسياق وراء الشائعات وهدم الثقة في مؤسساتهم.
رئيس وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر


