تنمية ومجتمع

أساليب جديدة في إعداد المناهج الدراسية

 تبنت وزارة التربية والتعليم في مصر عبر سنوات طوال نظام تعليم قائمًا على منهج أحادي، لم يعطِ أولوية إلى دور المتعلم في التعلم. فقد اعتمد النظام، الذي أصبح معروفًا الآن بنظام (1.0)، على التعليم النظري التلقيني والمواد المنفصلة والمنهج السطحي الواسع، الذي يعتمد على المواد التعليمية الورقية فقط، والامتحانات أداته الوحيدة للتقويم. أما النظام التعليمي (2.0) الجديد فيعتمد على الفهم العميق، ويُبنَى على التعلم القائم على الأنشطة، ويرتكز إلى المنهج متعدد التخصصات، ويُستخدم فيه التعلم الممتع المرتبط بحياة المتعلم والاستراتيجيات والطرق الحديثة والمواد التعليمية الورقية والرقمية، بينما يعتمد على التقييم والتحسين المستمر. إعداد مناهج النظام القديم (1.0) في مصر اتبعت…

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم

 تبنت وزارة التربية والتعليم في مصر عبر سنوات طوال نظام تعليم قائمًا على منهج أحادي، لم يعطِ أولوية إلى دور المتعلم في التعلم. فقد اعتمد النظام، الذي أصبح معروفًا الآن بنظام (1.0)، على التعليم النظري التلقيني والمواد المنفصلة والمنهج السطحي الواسع، الذي يعتمد على المواد التعليمية الورقية فقط، والامتحانات أداته الوحيدة للتقويم. أما النظام التعليمي (2.0) الجديد فيعتمد على الفهم العميق، ويُبنَى على التعلم القائم على الأنشطة، ويرتكز إلى المنهج متعدد التخصصات، ويُستخدم فيه التعلم الممتع المرتبط بحياة المتعلم والاستراتيجيات والطرق الحديثة والمواد التعليمية الورقية والرقمية، بينما يعتمد على التقييم والتحسين المستمر.

إعداد مناهج النظام القديم (1.0) في مصر

اتبعت وزارة التربية والتعليم في النظام القديم أسلوبًا محددًا في إعداد معظم المناهج الدراسية، حيث اعتمدت التنظيم التربوي القائم على المواد المنفصلة، فكان لكل مادة دراسية أهدافها العامة والخاصة ومحتواها وطرق تدريسها وأساليب تقويمها، وتُصاغ بمعزل عن باقي المواد الأخرى. وبرغم محاولات الربط بين المواد في بعض الأحيان، إلا أنه لم تكن هناك رؤية متكاملة للربط بين كافة المناهج الدراسية التي يدرسها التلميذ في مسار تعلمه.

وقد خضعت عملية إعداد المناهج في النظام القديم (1.0) لعدة مراحل متتالية، حيث تقوم الوزارة بتكليف مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية التابع لها بإعداد مصفوفة من المجالات والمعايير والمؤشرات لكل مادة من المواد الدراسية، وتكون تلك المصفوفات بمثابة هياكل أساسية لبناء المواد الدراسية، ومن ثم تقوم الوزارة بطرح مسابقة تأليف لمحتوى الكتب الدراسية في ضوء تلك المصفوفة؛ فيتبارى الأشخاص والشركات في إعداد وتأليف مقررات دراسية وتقديمها للوزارة التي تقوم بتقييم تلك المقررات واختيار أفضلها وأكثرها ملاءمة للمصفوفات.

يأتي من جديد دور مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية في معالجة المقررات التي تم اختيارها من قبل الوزارة، حيث يمارس دوره في التطوير بالحذف والإضافة والاستبدال أو التحديث، وغيرها من عمليات تطويع المقررات وتأهيلها وفقًا للمعايير المعدة سلفًا؛ حيث يعكف خبراء تطوير المناهج داخل المركز على تصنيف الأهداف العامة والخاصة، وإبراز القضايا المتضمنة، وتحديد طرق واستراتيجيات التدريس والوسائل التعليمية، وكذلك وسائل التقويم لكل درس من دروس المواد المختلفة؛ وبهذا يقع إخراج كتاب مدرسي ورقي، وكراسة أنشطة وتدريبات في بعض الأحيان، ودليل للمعلم يستعين به في التدريس ويشمل أهداف المنهج والدروس والقضايا المتضمنة وكذلك طرق تدريس المحتوى ووسائل التقويم المناسبة، على عاتق مركز تطوير المناهج.

ولكن إعداد المناهج الدراسية بهذه الطريقة واجه الكثير من الانتقادات التي تتمثل فيما يلي:

– افتقرت المناهج التي توضع بمعزل عن بعضها إلى سلاسل الترابط الفكري المنظم بين المواد الدراسية مما جعل المقررات تتسم بالرتابة والتكرار في بعض السنوات أو في السنة ذاتها بين المواد المختلفة.

– أدى تباين المعلومات المنتقاة لنفس الموضوع الدراسي من مادة لأخرى إلى تشتت أذهان التلاميذ.

– عندما نشدت الوزارة تكامل المعارف بالمواد الدراسية المنفصلة، أدى ذلك إلى تكديسها بالمعلومات والمعارف، وأهملت محددات الوقت وقدرات التلاميذ على الفهم والاستيعاب والتطبيق، وممارسة الأنشطة واكتساب المهارات وغيرها من متطلبات النمو الشامل المتوازن لجوانب شخصية التلاميذ.

علاوةً على ذلك، واجهت الوزارة عدة مشكلات في عملية تطوير المناهج ذاتها، منها أن المؤلفات الناتجة عن طرح المسابقة قد لا ترقى إلى الطموحات المرجوة، فيتم رفضها والإبقاء على المناهج القائمة لفترات طويلة. كما اتسم الكتاب المدرسي بانخفاض مستوى التصميم وعوامل الإنتاج الفني الأخرى، مما قلل من الجاذبية والفائدة المتحققة منه، مما أتاح الفرصة لتفوق الكتاب الخارجي من حيث المحتوى والشكل والإخراج، خاصة وأن بعض مؤلفي كتب الوزارة ساهموا بشكل غير مباشر في تأليف الكتب الخارجية. لقد تكاملت كل هذه الأسباب لتثبت قصور عملية إعداد وتطوير المناهج الدراسية بالطريقة القديمة (1.0)، الأمر الذي حتم على الوزارة استحداث نظم جديدة في إعداد المناهج مع الانتقال إلى نظام (2.0) التعليمي الجديد.

محاور بناء المنهج في نظام التعليم (2.0)

أطلقت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في سبتمبر 2018م النظام التعليمي الجديد (2.0) الذي تبنت من خلاله تغييرًا جذريًّا في العملية التعليمية، ووضعت إطارًا عامًّا لمناهج التعليم قبل الجامعي، واشتمل هذا الإطار على جملة من المواصفات التي يجب أن يتمتع بها المتعلم، والتي تؤهله للحياة الناجحة والعمل الكفء في القرن الحادي والعشرين؛ وتتلخص في أن يكون المتعلم مفكرًا ومبدعًا، مستمرًا في التعليم والتعلم، قائدًا فعالًا ومقودًا إيجابيًا، متعايشًا مع الآخرين، معتزًّا بوطنه وتراثه، متمسكًا بقيمه، لديه القدرة التنافسية، مؤمنًا بقيم العمل، ومحققًا لمبادئ ريادة الأعمال.

يعتمد المنهج الجديد (2.0) على أربعة محاور كنواتج مرغوبة في التعلم وهي:

– المحور الأول: (من أكون؟) يعبر التلميذ عن نفسه بلغته، وينتقل من دفء عائلته إلى دفء عائلة أكبر (المدرسة، والمعلمين، وزملائه)؛ فيمكنه المضيّ قدمًا بثقة نحو اكتشاف العالم من حوله.

– المحور الثاني: (العالم من حولي) يبدأ التلميذ في اكتشاف بيئة العالم من حوله (الشارع، الحي، المدينة أو البلد أو القارة)، ويتعلم المزيد عن هذا العالم، ويعبر عنه بطرق وأساليب مختلفة؛ إذ يمكنه أن يُقيم علاقات ومشاعر مع (الأشياء، والأشخاص، والمواقف).

– المحور الثالث: (كيف يعمل العالم؟) يتعلم التلميذ العديد من الأشياء؛ كالأرقام، والعلاقات المعقدة للتمييز، والمقارنة، والتصنيف، والوعي بالعلاقات المكانية والزمنية، والتعبير عن أحداث الحياة اليومية، وتطوير قدرته على توظيف الأرقام في مختلف مواقف الحياة كالبيع والشراء؛ لمساعدته في إدارة حياته بفاعلية.

– المحور الرابع (التواصل): يستخدم التلميذ اللغة في التواصل، والتفاعل من خلال أنماط اتصال متعددة الأوجه والأبعاد، تكون حدوده عبارة عن حروف، وألوان، وخطوط، وأرقام، فضلًا عن لغة الجسد، بما في ذلك الإشارات.

تعامل النظام التعليمي الجديد مع محتوى المناهج كافةً بشكل تكاملي يخدم كل منها الآخر؛ بمعنى أن منهج اللغة العربية يعمل بشكل متوازٍ مع المنهج متعدد التخصصات (اكتشف / والرياضيات / واللغة الإنجليزية)، من خلال النوافذ التي تخصص لتنمية المهارات التأسيسية في كل من اللغة العربية والرياضيات، كما يطبق تطبيقًا مباشرًا في محاور وفصول وأنشطة المحتوى متعدد التخصصات.

نظرًا لحداثة أهداف ومحتوى المناهج بالنظام التعليمي الجديد (2.0) فقد تطلب ذلك تحديث استراتيجيات التدريس، والاعتماد بشكل أساسي على طرق التدريس القائمة على اللعب الممتع والمشروعات والبحث واستخدام التكنولوجيا الحديثة والمنصات الرقمية، كما اعتمد أيضًا على أجهزة التابلت والكمبيوتر وغيرها من وسائل تكنولوجيا التعليم الحديثة.

ارتبط التحول إلى نظام التعليم الجديد 2.0 بالتحول من نظام الامتحانات إلى نظام التقويم. قام نظام الامتحانات على إعطاء المتعلم عددًا من الدرجات لقياس مستوى حفظه للمعلومة وليس فهمها أو تطبيقها، ودون أن يعرف نقاط قوته وضعفه، ولا يُتاح له التعلم من الأخطاء، أما نظام التقويم الجديد فيكون بشكل مستمر خلال الفصل الدراسي، والغرض منه معرفة نقاط القوة والضعف، بالإضافة إلى أن الاختبار يقيس مهارات معرفية فقط، أما التقويم فيعتمد على قياس المهارات وإتاحة الفرصة للطلاب لتحسين مستواهم بشكل مستمر.

إعداد المناهج بنظام (2.0) الجديد في مصر

 اعتمدت وزارة التربية والتعليم على مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية في وضع إطار عام لمناهج نظام التعليم الجديد، والذي اشتمل على ثلاثة مكونات رئيسية هي: المهارات، والقضايا، والقيم. فبالنسبة للمهارات تم اعتماد المهارات الحياتية للقرن الواحد والعشرين التي أقرتها اليونيسيف، وهي عبارة عن اثنتي عشرة مهارة حياتية هي: الإبداع، التفكير النقدي، حل المشكلات، التعاون، التفاوض، صنع القرار، إدارة الذات، الصمود، التواصل، احترام التنوع، التعاطف، والمشاركة، وأضيف إليها مهارتان، هما: الشفافية، والمحاسبية، لحاجة المجتمع المصري إليهما.

وبالنسبة للقضايا المحلية والعالمية، فقد تم عمل قائمة تضم قرابة ثمانين قضية، صُنفت بعد ذلك لخمس قضايا رئيسة، هي: البيئة والتنمية، الصحة والسكان، عدم التمييز، المواطنة، والعولمة؛ تم تضمينها داخل مناهج النظام الجديد. أما بالنسبة للقيم فقد تم تطوير مصفوفة من القيم تعكس الثقافة الوطنية المصرية وآفاق تطورها المستقبلي.

في ضوء ما سبق، تم تصميم الإطار العام لمناهج النظام التعليمي (2.0). ألغت الوزارة نظام عمل مسابقة لتأليف الكتب الدراسية في الصفوف التي نالها الانتقال للنظام الجديد، وتم الاستعانة بشركات عالمية متخصصة في بناء محتوى المناهج مشهود لها بالجودة والكفاءة مثل: ديسكفري، ناشيونال، نهضة مصر، يورك برس، وبريتانيكا، وذلك لإنتاج مقررات تتناسب مع الصفوف الدراسية، فجاءت مناهج رياض الأطفال عبارة عن مستويين يشتملان على مقرر “اكتشف”، وهو عبارة عن نوافذ للتعلم الممتع للغة العربية والرياضيات واللغات والأنشطة؛ وطوال المرحلة الابتدائية يدرس التلاميذ باقة متعددة التخصصات باللغة العربية، تستهدف التأكيد على وحدة العلم الأساسية، وتجنب التكرار والازدواجية في المفاهيم، وتقديم الحقائق والمعلومات بشكل كلي مترابط، وتحقيق التكامل الأفقي والرأسي بين فروع العلم، ومراعاة التسلسل والترابط بين فروع العلم، وتقديم تعليم ذي مغزى في سياق متجاوز للمواد الدراسية ومتشابك. وتتضمن هذه الباقة المتعددة مواد: “اللغة العربية، الرياضيات، العلوم، الجغرافيا، والتاريخ”، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية والتربية الدينية، والتربية الرياضية والصحية كمواد منفصلة. وبدءًا من المرحلة الإعدادية سيجري فصل الباقة متعددة التخصصات وتدريس مادتي العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية، وإدخال لغة ثالثة بجانب اللغتين العربية والإنجليزية، وإتاحة مواد أساسية وأخرى اختيارية.

لحقت عملية تطوير المناهج وفقًا لنظام التعليم الجديد (2.0) عددًا من الصفوف الدراسية، حيث اشتمل التطوير مرحلة رياض الأطفال، بالإضافة إلى الصفوف الأول حتى الرابع الابتدائي. أشاد معظم التربويين بما حدث من تطوير في محتوى تلك المناهج الدراسية من حيث قدرتها على تنمية التفكير والمهارات والقدرات، كما أوجبوا ضرورة تفعيل دليل المعلم وتدريب المعلمين على تلك المناهج بشكل أكبر لكي تتحقق أكبر استفادة منها. ومن المقرر في الأعوام القادمة أن يمتد التطوير إلى باقي الصفوف. فيما طرأت بعض التغيرات على أنماط ومحتوى الاختبارات فقط للصفوف من الأول حتى الصف الثالث الثانوي، فتم اعتماد نمط اختبارات وفقًا لنظام الاختيار من متعدد في جميع المواد الدراسية للمرحلة الثانوية، وأُجريت بعض الاختبارات إلكترونيًا للصفين الأول والثاني الثانوي، فيما أدى الطلاب الامتحانات ورقيًا في الصف الثالث الثانوي هذا العام.

في الأخير، يتضح أن هناك اختلافًا بين عملية إعداد المناهج بين نظامي التعليم في مصر، سواء في الشكل أو المضمون، وأن نظام التعليم (2.0) قد فتح آفاقًا جديدة في احترافية بناء المناهج ومواكبة التطور والحداثة، ومعالجة القضايا العالمية، واكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع متطلبات هذه الألفية في ضوء نسق من القيم المجتمعية التي يرتضيها المجتمع، مع العلم بأن هذا النظام وتلك المناهج الجديدة لن تؤتي ثمارها من دون التطبيق الكامل للمنظومة التعليمية الجديدة، والعمل بتناغم ديناميكي بين مكونات النظام التعليمي الجديد الذي هو الآن في مرحلة من مراحل الإحلال والتجديد بدلًا من النظام القديم (1.0)، على أن يكون للشركات التعليمية المصرية المعتمدة من الجهات والهيئات العالمية نصيب كبير في عملية تأليف المقررات وإعداد الحقائب التعليمية، وكذلك إنشاء مجلس قومي دائم للإشراف على تطوير المناهج في كافة المراحل التعليمية هدفه تقويم المناهج وجوانبها الأكاديمية الصادرة عن الوزارة، ومدى ملاءمتها لمتطلبات الحداثة وللسياسات والتوجهات العامة للدولة، فلن تكون الوزارة هي المسئولة عن إعداد المناهج وإقرار تدريسها دون إشراف تخصصي أعلى.

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم