وحدة الدراسات الأفريقية

سيناريوهات صعبة: مستقبل المرحلة الانتقالية في السودان

تُمثل موجة الاحتجاجات التي شهدتها السودان مؤخرًا وبلغت ذروتها في 21 من أكتوبر 2021، ظاهرة بالغة الخطورة؛ حيث تم اختيار هذا اليوم للتزامن مع ثورة 21 أكتوبر 1964 التي أنهت حكم الفريق إبراهيم عبود، وذلك للضغط على المكون العسكري لتسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين. وخلّفت تلك التظاهرات التي دعت إليها أحزاب وتيارات نقابية على رأسها تجمع المهنيين السودانيين، وكذلك ما يُعرف بلجان المقاومة، إصابات محدودة في أم درمان بلغت قرابة (35 حالة وفقًا لوزارة الصحة السودانية)، مما يزيد من إرباك المشهد السياسي في السودان. وقد جاءت هذه الاحتجاجات نتيجة اتجاه شركاء الحكم الانتقالي لتبني منطق استعراض القوة بعد اتجاه أنصار…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

تُمثل موجة الاحتجاجات التي شهدتها السودان مؤخرًا وبلغت ذروتها في 21 من أكتوبر 2021، ظاهرة بالغة الخطورة؛ حيث تم اختيار هذا اليوم للتزامن مع ثورة 21 أكتوبر 1964 التي أنهت حكم الفريق إبراهيم عبود، وذلك للضغط على المكون العسكري لتسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين. وخلّفت تلك التظاهرات التي دعت إليها أحزاب وتيارات نقابية على رأسها تجمع المهنيين السودانيين، وكذلك ما يُعرف بلجان المقاومة، إصابات محدودة في أم درمان بلغت قرابة (35 حالة وفقًا لوزارة الصحة السودانية)، مما يزيد من إرباك المشهد السياسي في السودان. وقد جاءت هذه الاحتجاجات نتيجة اتجاه شركاء الحكم الانتقالي لتبني منطق استعراض القوة بعد اتجاه أنصار المؤسسة العسكرية إلى الاعتصام أمام القصر الجمهوري وما قابلها من خروج أنصار الحكم المدني في السودان في عدد من المدن السودانية على رأسها الخرطوم وبورتسودان وعطبرة وإقليم دارفور وفي نيالا جنوب السودان، وهو الوضع الذي من شأنه أن يفتح مسارات وتبعات غير محسوبة.

عبد المجذور الأزمة وعوامل التصعيد

إن الوضع الذي وصل إليه السودان خلال الوقت الراهن بين المكونين المدني والعسكري وحتى داخل المكون المدني ذاته، بسبب عوامل عدة تتجلى في عدد من الأسباب:

أزمة شرق السودان: تتراكم الملفات الحرجة في السودان، وعلى رأسها الملف الاقتصادي، وتعثر استكمال مؤسسات الحكم الانتقالي، مما أدى إلى بروز أزمة شرق السودان، وإغلاق مجلس نظارات قبيلة البجا الموانئ البحرية والمطارات والطرق الاستراتيجية في الإقليم منذ نهاية سبتمبر، مما مثّل ضغطًا مضاعفًا على الحكومة السودانية التي فشلت في احتواء تلك التظاهرات التي تستهدف بشكل كبير إلغاء مسار شرق السودان للسلام، وذلك عبر الاحتجاجات المستمرة داخل تلك المنطقة الحيوية بالسودان، والتي تضم ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف، ورفض بعض القبائل لاتفاق السلام، ومطالبة المجلس الأعلى للقيادات الأهلية بتلك المنطقة بإلغاء مسار شرق السودان “اتفاق السلام”، وما تبعها من أعمال عنف، من بينها غلق الميناء الرئيسي على البحر الأحمر، إلى جانب غلق الطريق الذي يربط مدينة بورتسودان بباقي المناطق الأخرى.

تصدع بيني: هناك محاولات لإحداث تصدع بين المكون العسكري والمدني بغرض إفشال انتقال السلطة، ومن ثم فتح المجال أمام التفكك بين شريكي الحكم الانتقالي، وقد وصل ذلك التصدع لحالة غير مسبوقة في الفترة الأخيرة اتضحت معالمها في الاتهامات المتبادلة بين المجلس السيادي والحكومة السودانية، وكذلك الفشل في تهدئة الأوضاع بينهما ومعالجة القضايا العالقة.

أزمة قرارات حظر سفر المسئولين المدنيين: أحد عوامل تصاعد الأزمة الأخيرة ما جاء في الثاني عشر من أكتوبر 2021 من صدور قرار حظر 11 مسئولًا مدنيًا من السفر، وعلى رأسهم “محمد الفكي” عضو مجلس السيادة والرئيس المناوب للجنة إزالة التمكين، إلى جانب وزير شئون مجلس الوزراء وعدد آخر من أعضاء لجنة إزالة التمكين. وبالرغم من نفي جهاز المخابرات العامة السودانية هذا الخبر، وعدم صحة الأنباء الخاصة بحظر مسئولين من السفر؛ إلا أن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو دفعت في مسار التسويق لهذا الخبر، والتأكيد على وجود معلومات حول حظر 11 شخصًا من السفر على رأسهم عضو المجلس السيادي محمد الفكي، وهو ما أوضحه “وجدي صالح” عضو لجنة التفكيك، مما أوجد حالة من التعبئة والتعبئة المضادة ضد الأجهزة الأمنية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وكذلك جهاز المخابرات العامة.

تداعيات سلبية

إن تزايد وتيرة تصاعد الأحداث في المشهد السوداني يمكن أن يُسفر عن العديد من التداعيات السلبية، يتمثل أولها في تفكك قوى الحرية والتغيير كإطار جامع للقوى السياسية والمدنية. فقد شهدت قوى الحرية والتغيير التي تعتبر الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك، تصدعًا واسعًا تجلى في انسلاخ عدد من الأحزاب والمجموعات والحركات المسلحة من تلك الدائرة، وذلك في الثالث من أكتوبر 2021، تركزت في: حركة تحرير السودان (فصيل مني أركو مناوي)، وكذلك حركة العدل والمساواة التي يقودها جبريل إبراهيم، وفصيل آخر ينتمي لحزب البعث، مما نتج عنه إطلاق ميثاق “التوافق الوطني لوحدة قوى الحرية والتغيير” بغرض توسيع دائرة المشاركة في العملية السياسية خلال تلك المرحلة، وهو الطرح الناجم عن رفض قوى الحرية والتغيير “الائتلاف الحاكم” إحداث أي تغيير في الوضع الراهن، أو التوجه لتوسيع قاعدة المشاركة، وهو الأمر الذي أربك المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير لأسباب متعددة، من بينها أن ذلك التحرك يتزامن مع وضعية الاضطراب بين المكون المدني والعسكري مما يخلق ضغطًا واسعًا على ذلك المكون السياسي، علاوة على ذلك فإن هذا من المحتمل أن يخلق أزمة دستورية وسياسية، ويُعيد الدولة لمرحلة ما قبل الوثيقة الدستورية.

ومن بين الانعكاسات الناجمة عن التوتر الأخير، زعزعة الشراكة والصيغة السياسية التي أنتجتها مرحلة ما بعد البشير بين المدنيين والعسكريين، ومن ثم التأثير على الوثيقة الدستورية التي تُمثل الإطار القانوني للاتفاق السياسي، وهو ما يُخلف -في نهاية المطاف- حالة من عدم الاستقرار، خاصة وأن الإنجازات المُحققة في تلك الفترة وعلى رأسها اتفاق جوبا للسلام كأحد مرتكزات الوثيقة الدستورية ستكون عرضة للتأثيرات السلبية، على نحو ما برز في استغلال مجلس نظارات البجا والعموديات المستقلة هذه الوضعية للضغط نحو إلغاء مسار شرقي السودان في مفاوضات جوبا، وهو أحد مسببات تفاقم الأزمة الحالية، وربما يُرجح تزايد نبرة الانفصال التي طرحتها تلك القبائل، وقد برز ذلك في مساعي مجلس نظارات البجا لفرض سياسة الأمر الواقع، واستغلال ورقة حق تقرير المصير، التي بدأت تظهر بصورة واضحة مطلع أكتوبر 2020 عندما دعا المؤتمر العام الأول لمجلس نظارات البجا للمطالبة بحق تقرير المصير لشرق السودان، والذي يُفهم منه المساعي للانفصال عن السودان.

واتصالًا بالسابق، فإن التصدعات الراهنة بين مكوني المسار الانتقالي سوف تؤثر بشكل كبير على إمكانية احتواء كافة المجموعات المسلحة غير النظامية تحت مؤسسة وطنية واحدة، حيث يُتيح الوضع الراهن هامش مناورة وتحركًا لتلك المجموعات المسلحة للانسلاخ من هذا الاتفاق، وقد برز ذلك في وضعية الانقسام بين تلك الحركات ما بين داعم للقوات المسلحة على رأسها حركتا مناوي وجبريل إبراهيم، وما بين حركات أخرى تطالب بمدنية الحكم وعلى رأسها حركة مالك عقار وحركتا الهادي إدريس رئيس الجبهة الثورية والطاهر أبو بكر حجر رئيس تجمع قوى تحري السودان.

سيناريوهات صعبة

هناك مجموعة من السيناريوهات التي يمكن أن يسير فيها الوضع في السودان، والتي تتسم جميعها بآثارها السلبية على استقرار البلاد ومستقبل العملية الانتقالية، والتي تقوم على الآتي:

انقلاب عسكري: وهي الرؤية التي تسعى لتسويقها قوى الحرية والتغيير والحكومة السودانية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدها السودان في سبتمبر 2021، وتستهدف من خلالها اكتساب رصيد سياسي في الداخل السوداني للالتفاف على الإخفاقات المتعددة في الملف الاقتصادي، علاوة على أنها تحمل رسائل للخارج بغرض الحصول على دعم القوى الخارجية المؤثرة في مواجهة المكون العسكري، فهي ممارسات ضاغطة على المكون العسكري ليس فقط في ضوء مساعيها لضرب الثقة بين المؤسسة العسكرية وبين كل من الشارع السياسي السوداني والفاعلين الدوليين.

بيد أن هذا الخيار يصعب تحقيقه في ظل وضعية التعددية للتكوينات العسكرية المسلحة داخل المشهد السوداني، ما بين مؤسسة الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة السودانية، إلى جانب العديد من الحركات المسلحة التي تقع في نطاق خارج سيطرة الدولة حتى الآن، والتي لم تنخرط بالصورة المأمولة لمخرجات اتفاق جوبا للسلام، علاوة على الظهير الشعبي الداعم للمكون المدني في خضم المشهد الانتقالي، علاوة على التأكيدات الدائمة من القوى الغربية لدعم مسار التحول الديمقراطي في السودان، والرغبة السودانية ذاتها في عدم الرغبة للعودة إلى المربع صفر أو إلى حالة العزلة الإقليمية والدولية التي كانت تشهدها الدولة قبيل التوقيع على الوثيقة الدستورية عام 2019، ومن ثم فإن خيار الانقلاب العسكري هو خيار مُكلف وغير حاسم.

حل الحكومة السودانية: برز ذلك كمطلب رئيسي من جانب المجلس الأعلى لنظارات البجا، إلا أن هذا الأمر لم يقتصر عند هذا الحد، بل جاءت قوى مدنية أخرى انفصلت عن قوى الحرية والتغيير في ضوء التصدعات المتتالية داخلها للمطالبة بتوسيع قاعدة المشاركة خلال تلك الفترة وحل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة كفاءات مع الإسراع في تكوين هياكل السلطة الانتقالية، إلا أن مشهد التصعيد من جانب قوى التغيير والحرية واللجوء للشارع السياسي وحالة الترقب الدولي للمشهد السوداني ربما يُقلص بصورة كبيرة من فرص تغيير الحكومة، علاوة على إسراع حمدوك لطرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة من خلال فتح أبواب المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير أمام القوى المؤسسة للتحالف والتي تتناقض توجهاتها مع توجهات الحكومة خلال الفترة الحالية، إلى جانب وضع وتشكيل اللجنة السباعية التي تضم رئيس الوزراء وممثلين للحرية والتغيير وحركات الكفاح المسلح “الجبهة الثورية” وعنصرين من المكون العسكري، في محاولة لكسب التأييد والعدول عن مطلب إقالة الحكومة، إضافة إلى أن هناك رغبة عامة لدى الأطراف بعدم الإخلال بالوثيقة الدستورية وبمسار المرحلة الانتقالية وخارطة الطريق للحيلولة دون الوصول إلى المربع صفر.

الانتقال لانتخابات مبكرة: وهو أحد الخيارات المطروحة على الساحة السودانية في ظل الرفض الشعبي الواسع لأداء الحكومة في المرحلة الانتقالية، إلا أن هذا الإجراء من الصعب تنفيذه في ظل المشهد المتصدع الداخلي، وعدم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وإعادة هيكلة وبناء مؤسسة عسكرية واحدة، وما يعكسه ذلك من عدم إكمال ملف السلام، كما أن هذا الخيار من الصعب تنفيذه في ضوء غياب مؤسسة وطنية تقوم على العملية الانتخابية في ضوء عدم وجود دستور دائم متفق عليه.

الوساطة الدولية: لطالما رفضت الدول الإفريقية حالة الانخراط الدولي لحل أزماتها، بيد أن الوضعية الحرجة في السودان تتطلب معها وساطة دولية تدعم مسار التحول الديمقراطي، وربما تكمن بصورة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل زيارة المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي للخرطوم لمناقشة أبعاد الأزمة ربما تُؤتي ثمارها نحو تهدئة الأوضاع وممارسة الضغط على أطراف الصراع لإنهاء حالة التوتر الداخلي.

وفي التقدير، تعكس التظاهرات الأخيرة وجود صعوبات حقيقية تواجه استكمال المسار الانتقالي في السودان، وهو ما يمكن أن يهدد اتفاق جوبا للسلام خاصة بعد حالة التفكك والتناقض والاستقطاب التي تشهدها الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق. وهذا الوضع يُنذر بصورة كبيرة لإعادة السودان إلى أجواء الصراع من جديد، وهو الوضع الذي قد يصعب احتواؤه في المستقبل القريب بالأدوات التقليدية التي تم استخدامها في فترة ما بعد سقوط البشير.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at