وحدة الدراسات الأفريقية

تداعيات خطيرة: مظاهر تنامي التطرف الديني في إثيوبيا

تشهد إثيوبيا في السنوات الأخيرة تصاعدًا لمظاهر التطرف الديني، الأمر الذي يمثل بدوره تهديدًا وجوديًا للدولة الإثيوبية، حيث يحرف الصراع من مساره السياسي على السلطة إلى صراع متجذر حول البقاء بين المكونات الإثيوبية. وهذا يقود إلى اتجاه إثيوبيا إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي، ستُفتح على إثرها البلاد على مصراعيها لتدخلات إقليمية وصراعات ممتدة قد تعصف بوجود هذا الكيان السياسي الذي بات وجوده أكثر هشاشة من أي مرحلة سابقة، لا سيما أن الصراع دخل بالفعل مرحلة متشابكة باتت فيه المكونات الأساسية طرفًا في الصراع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذه الأطراف لها امتداداتها العرقية والدينية خارج البلاد. وفي ظل حالة…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

تشهد إثيوبيا في السنوات الأخيرة تصاعدًا لمظاهر التطرف الديني، الأمر الذي يمثل بدوره تهديدًا وجوديًا للدولة الإثيوبية، حيث يحرف الصراع من مساره السياسي على السلطة إلى صراع متجذر حول البقاء بين المكونات الإثيوبية. وهذا يقود إلى اتجاه إثيوبيا إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي، ستُفتح على إثرها البلاد على مصراعيها لتدخلات إقليمية وصراعات ممتدة قد تعصف بوجود هذا الكيان السياسي الذي بات وجوده أكثر هشاشة من أي مرحلة سابقة، لا سيما أن الصراع دخل بالفعل مرحلة متشابكة باتت فيه المكونات الأساسية طرفًا في الصراع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذه الأطراف لها امتداداتها العرقية والدينية خارج البلاد. وفي ظل حالة الاحتراب وتعارض المصالح بين الدول فإن الصراع يبدو مفتوحًا على المزيد من التطورات الصراعية.

مظاهر تصاعد الصراع الديني

وفق التقاليد الإثيوبية فإنه عندما يحدث الصدام بين المسيحيين والمسلمين يشار إلى أنه صراع بين الأديان البحتة، بدون إيحاءات عرقية واضحة، وذلك نتيجة تجاوز الانقسام الديني للجماعات الإثيوبية المتعددة. في الآونة الأخيرة، تم رصد العديد من الأحداث والمؤشرات على تصاعد العنف والتطرف الديني، وذلك ضمن الصراع الدائر بين الإثنيات الإثيوبية، ولعل أبرز مظاهر هذا العنف ظهرت فيما شهدته بلدتا أساسا ودودولا من صراع دموي، مما أدى إلى مقتل 10 أشخاص، وحرق الممتلكات والنهب في منطقة بتلك المناطق. وقيل إن آلاف الأشخاص فروا من منازلهم ولجئوا إلى كنائس ومساجد. كما وقعت اشتباكات مماثلة في أداما، مما أدى إلى إصابة أكثر من 40 شخصًا، وتدمير أكثر من 20 منزلًا. فضلًا عن أضرار أخرى أُلحقت بالممتلكات المسيحية في منطقة بيل روب. ويُنظر إليها على أنها حالات من العنف بين الأديان.

وفي 20 ديسمبر 2019، تم إحراق أربعة مساجد وسويت بالأرض وعدد من المحال التجارية، وتعرضت منازل خاصة -غالبيتها للمسلمين- للتدمير والنهب في بلدة موتا، على بعد حوالي 250 كم شمال غرب أديس أبابا، بخلاف العديد من حوادث العنف الطائفي الأخرى في إثيوبيا التي صُنفت على أنها “تطرف ديني”. كما شهدت بلدة موتا كذلك حرق كنيسة القديس جيورجيس، وهي إحدى الكنائس المبنية من الخشب، ومع ذلك انتشرت شائعات بأن الحريق كان متعمدًا. وقد بدأ تشكيل وتنفيذ هجمات انتقامية على المساجد من قبل المسيحيين بالمدينة وفقًا لتقرير مفصل أعدته لجنة تحقيق تابعة للحكومة الفيدرالية، أكدت أن 4 مساجد تم حرقها وتعرض 156 عقارًا للهجوم والنهب والحرق، وكذلك الأعمال التجارية الإسلامية التي يملكها مسلمون، وقدرت الخسائر بحوالي 330 مليون بر إثيوبي. وقد بات التطرف الديني عائقًا كبيرًا يواجه الدولة الإثيوبية في حالة التشرذم والانقسام الداخلي.

وفي ديسمبر 2019 أيضًا شهد إقليم (سيداما) في الجنوب وأجزاء مختلفة من شرق إثيوبيا، حرق أكثر من 30 كنيسة أرثوذكسية. وفي الفترة الأخيرة أصبح المشهد الديني في إثيوبيا أكثر قابلية للتوسع في التوترات المرتبطة بالتطرف الديني المبني على المنافسة الدينية وإقصاء الآخر. وفي يونيو 2021، وقعت أعمال عنف وتطرف ديني في إقليم أمهرا، وبالتحديد في مقاطعة (شوا) الشمالية بين الأمهرا والأورومو كأقلية مسلمة، أدت إلى نزوح أكثر من 250 ألف شخص. وفي يونيو 2021، جراء تلك الأعمال التي وقعت في إقليم أمهرا ضد الأورومو، قامت قومية الأورومو بأعمال عنف دينية استهدفت الأقليات الأمهرية المسيحية في الإقليم، مما تسبب في نزوح أكثر من 75 ألف شخص، وهو الأمر الذي دفع السلطة السياسية في إثيوبيا للمطالبة بتدخل رجال الدين للمصالحة بين القوميتين.

دور الحكومة الفيدرالية في تصاعد التطرف الديني

يتصاعد التطرف الديني الحالي في إثيوبيا بسبب فشل النخبة الإثيوبية في عملية بناء الدولة القومية، فضلًا عن مراوغة النخبة الإثيوبية الحاكمة في عمليات تقاسم السلطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع القوميات الأخرى، وعدم إشراكهم في عملية بناء الدولة الوطنية. فمنذ صعود تيار القوميين الأمهرا بقيادة آبي أحمد، زادت عملية التمثيل غير المتكافئ داخل قطاع الأمن لصالح نخب سياسية مختارة، هذا بجانب ظواهر خطرة أخرى مثل انتشار الأسلحة في يد المليشيات التي تعمل في الاتجار بالبشر وغسيل الأموال.

وقد ساهم الصراع في تيجراي في ارتفاع وتيرة التطرف الديني. ففي نوفمبر 2020، تعمدت الدولة الإثيوبية تدمير القطاع الزراعي كمحاولة متعمدة لتجويع قومية التيجراي حتى تخضع لرؤية وفلسفة حزب الازدهار. وقد تم نهب الثيران المستخدمة لحرث الأراضي الزراعية وقتلها عمدًا. إضافة إلى ذلك، لم يكن هناك أي وصول للمدخلات الزراعية مثل البذور والأسمدة، بينما دمر الجنود الإثيوبيون والإريتريون الأدوات الزراعية. وقد تسبب الصراع في إحداث دمار شامل للبنية التحتية في إقليم تيجراي، وتم توثيق أكثر من 9500 حالة وفاة بين المدنيين، مع عدم تسجيل العديد من القتلى. إضافة إلى ذلك، نزح حوالي 2 مليون شخص، ولا يقل عن 400000 في حالة مجاعة.

وثمة العديد من العوامل المحفزة لزيادة التطرف الديني والعرقي، منها: ارتفاع نسبة البطالة، وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة في جميع أنحاء إثيوبيا، والتنافس الإثنى والتفاعلات عبر الحدود المفتوحة في ظل تداخل العرقيات والإثنيات، والحدود الهشة بين القوميات، وفشل عملية التسوية السياسية وكذلك الحلول العسكرية، وكل تلك الأسباب لعبت دورًا بارزًا في تزايد حدة التطرف الديني والعرقي، وفي الغالب يؤدي هذا الاحتراب إلى تزايد احتمال تفاقم الأزمات، ودخول البلاد في حالة مركبة من عدم الاستقرار والفوضى. وقد أجرى مركز Afro barometer، دراسة استقصائية حول التطرف الديني والعرقي خلص فيه إلى أن 50% من الإثيوبيين ما زالوا يدعمون الفيدرالية العرقية بدلًا من المركزية التي يتبناها حزب الازدهار بحجة أنها تحتضن التراث المتعدد اللغات والثقافات.

في الأخير، يمكن القول إن الدولة في إثيوبيا أمام تحدٍّ جديد هو تحول الصراع نحو التطرف الديني الذي يتم توظيفه من جانب العرقيات والقوميات المختلفة من أجل الشحن المعنوي والإعداد للمعارك التي لا تنتهي بين القوميات المختلفة. وفي ظل التحولات والتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة، فإن هذا التطرف والعنف سوف تزداد وتيرته تحت لافتات دينية، وقد تجد الجماعات الراديكالية والأطراف الدولية التي تقف خلفها هذه البيئة مواتية للانتشار والتمدد. وبينما يغامر “آبي أحمد” بمستقبل الدولة فإن إثيوبيا قد تكون عرضة لحالة مدوية من عدم الاستقرار والفوضى قد تمتد للقرن الإفريقي بأكمله الذي يتسم بتركيبته السكانية المعقدة على أسس إثنية ودينية كذلك.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية