الرواية والرواية المضادة فى الحرب الأوكرانية

عضو الهيئة الاستشارية

مع توالي الأسابيع من الحرب بكل خسائرها المادية والبشرية، بات واضحا أن أوكرانيا ليست سوى ضحية للاستراتيجية الأمريكية الرامية لكبح جماح روسيا. ان ما تقوم به الولايات المتحدة والدول الغربية لا يعدو كونه سوى نفاق سياسي، حيث أعلنوا جميعا أنهم لن ينضموا للحرب بجانب أوكرانيا، في الوقت الذي تقوم فيه تلك الدول بإرسال الذخيرة والسلاح والعتاد العسكري والدبابات والمرتزقة إلى أوكرانيا، وهو ما يفضي إلى ارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين فضلا عن تدمير كامل الاقتصاد الأوكراني. ينفي العديد من الدول الغربية وجود مخاوف حقيقية أو مبررة لدى الرئيس الروسي من توسع حلف الناتو، وتدعي ان مطالب روسيا ما هي…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مع توالي الأسابيع من الحرب بكل خسائرها المادية والبشرية، بات واضحا أن أوكرانيا ليست سوى ضحية للاستراتيجية الأمريكية الرامية لكبح جماح روسيا. ان ما تقوم به الولايات المتحدة والدول الغربية لا يعدو كونه سوى نفاق سياسي، حيث أعلنوا جميعا أنهم لن ينضموا للحرب بجانب أوكرانيا، في الوقت الذي تقوم فيه تلك الدول بإرسال الذخيرة والسلاح والعتاد العسكري والدبابات والمرتزقة إلى أوكرانيا، وهو ما يفضي إلى ارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين فضلا عن تدمير كامل الاقتصاد الأوكراني.

ينفي العديد من الدول الغربية وجود مخاوف حقيقية أو مبررة لدى الرئيس الروسي من توسع حلف الناتو، وتدعي ان مطالب روسيا ما هي إلا دعاية وذرائع للغزو الناتج عن أطماع وإيمان بأن أوكرانيا ليست دولة وإنما جزء من روسيا. وبدل البحث عن حلول دبلوماسية للخروج من الحرب الراهنة، تستمر الدول الغربية بقيادة أمريكا في تحميل الرئيس الروسي وحده مسئولية ما يجرى، وأن أي حل يتعين أن ينتهي بهزيمة بوتين الذي تم تشبيهه بهتلر، وأن هذه الهزيمة ستنتج عن العزلة والعقوبات الاقتصادية، وأيضا تغيير النظام السياسي الروسي، بداعي أنه لم يعد هناك مجال للتعايش مع نظام في روسيا يقوده بوتين بعد ما جرى. ويبدو أن الدول الأوروبية والغربية على استعداد لدفع الثمن السياسي والاقتصادي الذي يتطلبه إلحاق الهزيمة ببوتين.

الرواية الغربية تبدو متناقضة مع الرواية الروسية التي تقول إن ما يحدث في أوكرانيا هي عملية عسكرية محدودة وليست غزوا أو عدوانا كما يروج له الإعلام الغربي. قامت أمريكا وحلف الناتو، خلال السنوات الأخيرة، بنقل كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة والبنية التحتية العسكرية إلى أوكرانيا، متجاهلا الشواغل الروسية والتحذيرات المتكررة للرئيس الروسي بشأن خطورة الإقدام على هذه الأفعال، وما تمثله من تهديد وجودي لبلاده. بالإضافة الى ذلك، تعمد النظام الاوكراني على مدي الثماني سنوات الماضية، دعم مجموعات النازيين الجدد في محاولة إذلال مواطني إقليمي دونتسك ولوجانسك، وممارسة جميع أساليب الترويع التي وصلت إلى حد التطهير العرقي ضد مواطني الإقليميين لاسيما حاملي الجنسية الروسية. تقول روسيا انه خلال العملية العسكرية في أوكرانيا تمكنت القوات الروسية من الحصول على وثائق ومعلومات تؤكد أن النظام الأوكراني كان يُخطط إلى شن هجوم على الإقليمين بداية شهر مارس المنصرم.

يشن الغرب حربه الإعلامية على روسيا، بعدما تم تعبئة المنصات الإعلامية الغربية، بشكل غير مسبوق، لاستخدام جميع أدواتها لشيطنة موسكو. كما امتدت الحملة الغربية إلى المحافل والمنظمات الدولية بما فيها المنظمات الفنية المُتخصصة التي لا تمت في عملها بأي صلة للمسائل السياسية والأمنية، والهدف هو عزل روسيا وإخراجها من أكبر عدد من المؤسسات الدولية، واستبعادها من النظام الدولي وبناء منظومة جديدة وفقا لرؤية الغرب وخدمة مصالحه الضيقة على حساب باقي الدول. وترى موسكو ان الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، أصبحت ترى أن المنظومة الدولية الحالية لا تحقق لها مصالحها بالقدر الكافي، وبالتالي فهي تسعى إلى تشكيل نظام جديد يحقق لها أهدافها، وأن تلك الدول تعتقد ان التطورات الحالية توفر لهم فرصة لاستبعاد الأطراف التي تقف حائلا أمام تنفيذ هذا المشروع.

اذا نظرنا للمشهد بصورة أوسع، ربما ما نشهده الآن هو بمثابة مخاض لنظام عالمي جديد، وأن الصراع الدائر في أوكرانيا ليس سوى مشهد رمزي يعكس مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة والدول الغربية من جانب، والدول الرافضة لهيمنة هذه الدول على العالم من جانب آخر، حيث تسعى الولايات المتحدة لإعادة ضبط المنظومة الدولية بعد أن أدركت أنها – وبشكلها الحالي- لا تحقق مصالحها، بل تعزز من قوة الصين على حسابها.

الولايات المتحدة لديها ذعر من قرب انتهاء سيادتها على العالم، وهي تدرك أن المواجهة الحالية في أوكرانيا هي الفرصة الأخيرة للحفاظ على هذه المكانة، وعليه فهي تفعل كل ما في وسعها من أجل إلحاق الهزيمة بروسيا، وأنها على استعداد للقتال حتى آخر أوكراني لتحقيق ذلك. وتذهب التقديرات بأن الرئيس الروسي مستمر في عملياته العسكرية لتحييد القدرة العسكرية الأوكرانية والسيطرة بشكل كامل على الدونباس وماريوبول وضم القرم بشكل نهائي وصولا للمياه الدافئة وتأمين وجوده بها.

التخوف الحقيقي الآن هو امتداد الصراع إلى أي من دول الجوار من الأعضاء بحلف الناتو، حتى ولو بطريق الخطأ، الأمر الذي سيجبر الحلف على النظر في تفعيل التدابير الواردة بالمادة الخامسة ومن ثم قد ينتقل الصراع إلى مراحل أخرى لا يرغبها أي طرف.

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس 7 أبريل 2022

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب