في أعقاب عملية عسكرية بدأت من محافظة حلب في 6 يناير 2026، استعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات واسعة من المناطق التي خضعت منذ سنوات لقوات سوريا الديمقراطية؛ حيث سيطر الجيش السوري على معظم أراضي محافظات حلب والرقة ودير الزور، بمساعدة العشائر العربية، كما توغلت قواته في محافظة الحسكة التي يسيطر عليها الأكراد، وسيطر أيضًا على سدين كهرومائيين على نهر الفرات، وعلى حقول النفط والغاز في محافظة دير الزور، بما في ذلك أكبرها، المسمى حقل العمر، بالإضافة إلى حقلي التنك وكونيكو. كذلك، وقع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اتفاقًا لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية بتاريخ 18 يناير 2026، يقضي بدمج المؤسسات المدنية بمحافظة الحسكة في الدولة السورية، ودمج أفراد قوات قسد في الجيش السوري وقوات الأمن بشكل فردي، لتعيد بذلك دمشق في غضون ثلاثة عشر يومًا رسم خريطة النفوذ والسيطرة الميدانية في شمال وشرق سوريا بعد استقرارها قرابة أكثر من عقد. وفي هذا الإطار، تناقش الورقة دور العامل التركي في إعادة هندسة الواقع الميداني في مناطق الإدارة الذاتية الكردية.
سياق محفز
تضافرت مجموعة من العوامل التي خلقت سياقًا إقليميًا ودوليًا داعمًا لموقف الحكومة السورية ضد قوات قسد، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو التالي:
• التفاهمات الأمنية بين سوريا وإسرائيل: خضعت العملية العسكرية السورية ضد قسد في محافظة حلب في جوهرها لصفقة سياسية مع الولايات المتحدة بالأساس، ومع إسرائيل وفرنسا بدرجة أقل. ويتضح ذلك من توقيت تنفيذ العملية بالتزامن مع صدور بيان ثلاثي أمريكي–إسرائيلي–سوري أشار إلى التوصل، برعاية واشنطن، لتفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب، بما يكشف عن طبيعة المقايضة السياسية الحاكمة للمشهد. ففي هذا السياق، سمحت الولايات المتحدة للحكومة السورية باستعادة السيطرة على مناطق الأكراد غرب الفرات، بما يمنح دمشق نصرًا معنويًا في نطاق جغرافي بالغ الحساسية، مقابل الوصول إلى تفاهمات أمنية مُرضية مع إسرائيل وقبول تركي ضمني بهذه الترتيبات.
ويعزز هذا التقدير كلًا من الاستجابة السلسة لقوات قسد بالانسحاب من مناطق انتشارها غرب الفرات، والمناطق الواقعة غرب الفرات من محافظة دير الزور، دون إلقاء ثقلها العسكري الكامل في المواجهة، إلى جانب الحسم السريع للمعركة لصالح الجيش السوري، رغم كونه الطرف الأضعف مقارنة بالقوات الكردية، وفق المقاييس العسكرية. ويشير ذلك إلى إدراك قسد لمتغيرات الموقف الأمريكي، الذي يبدو أكثر استعدادًا لإعادة هندسة موازين القوى الميدانية في الشمال السوري عبر حصر الثقل الكردي شرق الفرات، وهو ما أظهرته اللهجة التوافقية التي طبعت تصريحات المسئولين الأمريكيين، فبينما اكتفى ترامب بالتأكيد على متانة علاقات واشنطن بكل من الحكومة السورية وقسد، شدد المبعوث الأمريكي توم باراك على أولوية الحفاظ على دولة سورية موحدة بمؤسسات وطنية تضمن حقوق جميع المكونات، في إطار مقاربة تقوم على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”.
• انقضاء مهلة تطبيق اتفاق 10 مارس: بحلول نهاية عام 2025، انقضت المهلة الزمنية المنصوص عليها في اتفاق الاندماج الموقع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والذي قضى بدمج الهياكل العسكرية والمدنية لقسد ضمن نظيراتها التابعة لدمشق، دون إحراز أي تقدم ملموس في مسار التنفيذ؛ حيث خاض الطرفان جولات تفاوضية مفتوحة لم تفضِ إلى نتائج عملية، شهدت تقديم كل منهما تصورات للاندماج رفضها الطرف الآخر. وبالتوازي، تعثر تنفيذ الاتفاق المنفصل الموقع في أبريل 2025 بشأن حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والذي نص على حظر المظاهر المسلحة، وقصر حيازة السلاح على قوات الأمن الداخلي، وسحب قوات قسد المسلحة إلى شرق الفرات. إذ اصطدم الاتفاق برفض قوات الأسايش الاندماج ضمن قوات الأمن الداخلي في مدينة حلب، بما أبقى الوضع الأمني والإداري في الحيين دون تغيير فعلي.
• فشل مفاوضات دمشق وقسد: فتحت دمشق بالتنسيق مع تركيا جبهة حلب بعد فشل جولات المفاوضات مع قسد خلال الأسابيع القليلة السابقة؛ فبينما تم إلغاء جولة محادثات كانت مقررة في 29 ديسمبر 2025، فشلت الجولة التي استضافتها دمشق يوم 4 يناير 2025 في تحقيق أي اختراق حقيقي؛ حيث بقيت الخلافات قائمة بشأن عدد من البنود الجوهرية، أهمها: آلية دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري، وإدارة عائدات النفط في مناطق شمال شرق البلاد، وصلاحيات القيادات المحلية، وشكل الإدارة المستقبلية للمناطق ذات الغالبية الكردية.
وتتبنى دمشق تصورًا يقوم على تفكيك الإطار التنظيمي لقوات قسد ودمج عناصرها بشكل فردي داخل الجيش السوري، من خلال إعادة تنظيمهم ضمن ثلاث فرق عسكرية أو تشكيل فيلق واحد يخضع بالكامل لقيادة المؤسسة العسكرية النظامية، مع احتفاظها بالسلطة المركزية في تعيين القيادات، كما تطالب بحل جميع التشكيلات المرتبطة بقسد، بما فيها وحدات حماية المرأة، وضم عناصرها كأفراد إلى وزارة الداخلية. بالمقابل، تتمسك قسد بالإبقاء على بنيتها العسكرية القائمة، وتطالب بالاندماج في الجيش السوري كوحدة متماسكة لا عبر تفكيكها إلى أفراد، وتشترط اختيار قادة التشكيلات العسكرية المقترحة، وتدعو إلى إنشاء ثلاثة ألوية؛ أحدها مخصص لوحدات حماية المرأة مع الحفاظ على هيكلها، ولواءين لمهام مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وتطالب أيضًا بمنح أحد قادتها منصب نائب وزير الدفاع، وضمان عدم تغيير القيادات العسكرية إلا بموافقتها، مع تمثيلها داخل هيكل القيادة العامة للجيش.
وعلى المستوى الإداري، تسعى الحكومة إلى إنهاء الصيغة الحالية للإدارة الذاتية عبر إلحاق مؤسساتها، ومنها الأسايش والتعليم وقطاع النفط، بالوزارات المعنية، بحيث تعمل ضمن إطار الدولة وبإشرافها المباشر، مع منح صلاحيات محدودة تندرج تحت مفهوم اللا مركزية الإدارية دون أي اعتراف سياسي مستقل. فيما ترفض قسد حل مؤسسات الإدارة الذاتية، وتطالب بالإبقاء عليها ضمن نموذج لا مركزية سياسية يضمن استقلالية إدارية واعترافًا دستوريًا، ويشمل الحفاظ على قوات الأسايش بهيكلها الكامل، وربطها إداريًا بوزارة الداخلية، واعتماد مناهج تعليمية تتيح التعليم باللغة الكردية، إضافة إلى المطالبة بحصة ثابتة من عائدات النفط، والمشاركة في إدارة المعابر الحدودية والمطار.
بصمة تركية
رغم تولي القوات السورية التنفيذ الكامل للعملية العسكرية ضد الأكراد وغياب القوات التركية الرسمية، بالرغم من اللهجة المتشددة التي تبناها المسئولون الأتراك ضد قسد وفي مقدمتهم وزير الخارجية هاكان فيدان والتلويح المتكرر بالخيار العسكري، فإن تركيا كانت في قلبها، وهو ما أظهرته مؤشرات سيتم استعراضها كالتالي:
• الدعم الدبلوماسي للعملية: أعلنت الحكومة التركية دعمها العلني للحكومة السورية في جهودها لتوسيع نطاق سيطرتها على البلاد، ووصف مسئولون أتراك العمليات العسكرية التي بدأت من حلب بأنها جزء من الحرب على الإرهاب. من جهة، اعتبرها الرئيس أردوغان إنجازًا مهمًا وفرصة تاريخية، مؤكدًا أن تطهير حلب من عناصر وحدات حماية الشعب يُعد خطوة أساسية نحو إرساء السلام والاستقرار والأمن الدائمين في سوريا، ومشيرًا إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع أي تهديد للأمن التركي. ومن جهة أخرى، أكدت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتقديم الدعم، فيما كرر وزير الخارجية هاكان فيدان موقفه بأن قوات سوريا الديمقراطية “لا تفهم إلا لغة القوة”، كما جرت العمليات السورية تحت إشراف ومتابعة الاستخبارات التركية، التي تولت إجراء تحديثات مستمرة مع الحكومة السورية والولايات المتحدة، وإرسال رسائل إلى قوات سوريا الديمقراطية.
• استخدام معدات تركية: مهدت تركيا ميدانيًا للعمليات السورية ضد الأكراد عبر ترتيبات أمنية موسعة أبرمتها مع دمشق خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، تضمنت التزام أنقرة بتزويد الجيش السوري بأسلحة ومعدات عسكرية تشمل مركبات مدرعة، وطائرات دون طيار، وأنظمة مدفعية وصواريخ، بالإضافة إلى منظومات دفاع جوي، مع نشرها في الشمال السوري ضمن إطار تعاون أمني يسمح للحكومة السورية باستهداف الجماعات الكردية. كما شملت التفاهمات تدريبًا متخصصًا للجيش السوري على استخدام هذه المنظومات. وهو ما تجلى ميدانيًا خلال العملية؛ حيث شاركت بها المسيرات التركية من طراز “بيرقدار”، فضلًا عن مشاركة الفصائل المسلحة الموالية لتركيا، مثل الجيش الوطني السوري، في القتال المباشر ضد الوحدات الكردية؛ مما يعكس الدور التركي المحوري في قيادة وتوجيه العملية.
ويأتي الإسناد الاستخباراتي والتسليحي والدبلوماسي التركي لعملية حلب ضد قسد انطلاقًا من عدة محركات وهي:
• اعتبار قسد ذراعًا إسرائيلية ضد تركيا: باتت تحركات تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية محكومة باعتبارها ليست مجرد فاعل سوري مسلح يسعى لتحقيق تطلعات انفصالية، بل وكيلًا ميدانيًا للمشروع الإسرائيلي الأوسع لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، ويهدف بشكل مباشر إلى تقويض الأمن القومي التركي وخلق بؤرة اضطراب على الحدود الجنوبية، يمكن توظيف امتداداتها الداخلية لإثارة اضطرابات داخل تركيا، وهو ما انعكس في تصريحات دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم، في معرض تعليقه على عملية حلب؛ إذ وصف مظلوم عبدي بـ “المؤيد للصهيونية” و”دمية في يد إسرائيل”، واعتبر قوات سوريا الديمقراطية “إرهابية”. في هذا الإطار، تسعى أنقرة إلى استعادة السيطرة على الورقة الكردية عبر تفكيك البنية السياسية والعسكرية لمشروع الدولة الكردية ونزع السلاح في المنطقة، ومنح الحكومة المركزية سيطرة كاملة عليها.
• تحقيق الردع من خلال لغة القوة: يعتقد المسئولون الأتراك أن قوات سوريا الديمقراطية أساءت فهم لغة المصالحة والحوار؛ حيث استمرت في تبني موقف متشدد رافض للاستجابة لنداء عبد الله أوجلان بإلقاء السلاح وطرد العناصر الأجنبية، وفضلت المماطلة وكسب الوقت واللعب على تناقضات المواقف الإقليمية والدولية، انطلاقًا من افتراض أنها تمتلك نفوذًا كافيًا للحفاظ على الوضع الراهن إما من خلال القتال المسلح أو الوساطة الدبلوماسية، لذا؛ أرادت أنقرة إظهار قدرتها على ترجمة مواقفها الشفهية المهددة بالعمل العسكري إلى ممارسة فعلية للقوة حتى وإن بشكل غير مباشر لتحقيق الردع المطلوب وإكساب موقفها جدية أكبر.
• دعم عملية تركيا خالية من الإرهاب: بينما دخلت عملية المصالحة التركية الكردية مرحلة متقدمة تقف فيها على أعتاب بلورة إطار قانوني وآليات إجرائية وتنفيذية لتحقيق الاندماج المجتمعي ومعالجة مشكلة العائدين إلى تركيا من عناصر حزب العمال الكردستاني، يأتي الموقف المتشدد لقوات قسد الرافض للاندماج في هياكل الحكومة السورية كعقبة أمام إتمام عملية السلام؛ حيث وضعتها تركيا شرطًا لتحقيق التقدم، لذا؛ فإن عملية حلب وما يُمكن أن يليها من عمليات عسكرية ضد قسد يهدف للضغط عليها لتنفيذ شرطي الاندماج وطرد العناصر الأجنبية تزامنًا مع تطور عملية السلام الداخلية، خاصة مع ما أظهرته التجربة العملية من محدودية قدرة أوجلان على التأثير في قسد.
وعلى الجانب الآخر، تتعامل أنقرة بحذر مع التطورات الميدانية السورية لعدم إثارة حساسية المكون الكردي والاضرار بعملية “تركيا خالية من الإرهاب”؛ حيث يرى فاعلون مرتبطون بالأكراد أن عملية حلب تظهر إمكانية ربط وعود السلام والحوار بالقوة؛ مما يصعب إقناع المجتمعات الكردية بالتسوية. وفي هذا الإطار، علَّق حزب المساواة الشعبية والديمقراطية على عملية حلب متهمًا أنقرة بتأجيج الصراع في سوريا وتعريض أي فرصة لتحقيق سلام دائم في الداخل للخطر، واعتبر رئيس الحزب، تونجر باكيرهان، أن الهجمات على الأحياء الكردية في حلب تهدد بتقويض ثقة الشعب في خطاب السلام التركي. لكن بالمقابل تسعى الحكومة التركية إلى تحديد المعنى الدقيق للسلام من منظورها، عبر توجيه رسالة واضحة إلى أكراد الداخل والخارج مفادها أن السلام لا يعني التسامح مع أي وجود مسلح كردي على حدودها الجنوبية، وأن هذا الوجود سيُواجه عسكريًا باعتباره جزءًا من التهديدات الأمنية ضد تركيا.
ختامًا، إن زحف القوات السورية في مناطق الأكراد والسيطرة السريعة عليها ما هو إلا انعكاس لصفقات سياسية أوسع عقدتها الأطراف الدولية والإقليمية، وفي القلب منها تركيا، وكانت مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مسرح تنفيذها، فقد استطاعت أنقرة فرض حساباتها ومنظوراتها الأمنية للقضية الكردية السورية على الإدارة الأمريكية مقابل تمرير القضايا الأمنية الإسرائيلية في الجنوب، ومع ذلك، لا يعني هذا تخليًا أمريكيًا كاملًا عن الأكراد، الذين يظلون أحد الشركاء الميدانيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وإنما يُعد بمثابة إعادة تعريف لشكل وطبيعة هذه الشراكة خلال المرحلة المقبلة، وفقًا لحسابات وتفاهمات الأطراف الفاعلة في الملف السوري وبما يتسق مع توازنات القوى الإقليمية والدولية المتغيرة.