وحدة الدراسات الاقتصادية

التأثيرات المحلية والعالمية لأزمة “إيفرجراند”

شهدت الأسواق المالية العالمية موجة بيعية مثيرة للانتباه خلال الأيام القليلة الماضية على إثر تفاقم أزمة شركة العقارات الصينية الأكثر مديونية عالميًا “إيفرجراند” بسبب ارتفاع ديونها لمستوى يتجاوز 300 مليار دولار أو ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وبدأت بوادر الأزمة منذ بداية العام الجاري في الظهور مع صعود احتمالية تخلف الشركة عن سداد ديونها المستحقة بالتوازي مع استعادة ملايين العملاء مقدمات حجوزات مدفوعة للشركة مما يدلل على انعدام ثقة المستهلكين بالشركة، بالإضافة إلى تظاهر موظفي الشركة بسبب تأخر موعد صرف رواتبهم. وبناء على ذلك، أثارت الأزمة المخاوف في الأسواق بشأن إمكانية انتقال وانتشار تداعياتها إلى جميع…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهدت الأسواق المالية العالمية موجة بيعية مثيرة للانتباه خلال الأيام القليلة الماضية على إثر تفاقم أزمة شركة العقارات الصينية الأكثر مديونية عالميًا “إيفرجراند” بسبب ارتفاع ديونها لمستوى يتجاوز 300 مليار دولار أو ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وبدأت بوادر الأزمة منذ بداية العام الجاري في الظهور مع صعود احتمالية تخلف الشركة عن سداد ديونها المستحقة بالتوازي مع استعادة ملايين العملاء مقدمات حجوزات مدفوعة للشركة مما يدلل على انعدام ثقة المستهلكين بالشركة، بالإضافة إلى تظاهر موظفي الشركة بسبب تأخر موعد صرف رواتبهم.

وبناء على ذلك، أثارت الأزمة المخاوف في الأسواق بشأن إمكانية انتقال وانتشار تداعياتها إلى جميع أنحاء العالم حتى قام البعض بتشبيه ما يحدث بالأزمة المالية العالمية، ولكن سرعان ما استبعد صندوق النقد الدولي هذه الاحتمالية، مؤكدًا أن النظام المصرفي العالمي أكثر قوة وصلابة مما كان عليه خلال عام 2008.

القطاع العقاري الصيني

بدأت انطلاقة قطاع العقارات والإسكان في الصين عقب عام 1998 حينما ألغت الحكومة نظام الإسكان المدعوم والقائم على الرعاية الاجتماعية، وأطلقت نظامًا قائمًا على السوق بهدف تلبية الطلب على المنازل بعيدًا عن تدخل الحكومة مما شجع عددًا كبيرًا من الشركات الحكومية والخاصة على الدخول إلى السوق من أجل اقتناص المزيد من الأرباح، لا سيما مع بدء الحكومة في تشجيع مواطنيها على امتلاك منازل خاصة بهم، في إطار الاستراتيجية الوطنية الهادفة لتعزيز النمو الاقتصادي. وفي الفترة ما بين 1999 و2007، زادت مساحة الأراضي الحكومية المبيعة بمعدل سنوي قدره 22.8%، وارتفعت أسعار المساكن خلال الخمسة عشر عامًا الماضية بأكثر من 10% سنويًا في المدن الكبيرة.

ويُعتبر القطاع العقاري من القطاعات الحيوية بالنسبة للاقتصاد الصيني؛ إذ تشير التقديرات إلى تمثيله ما يتراوح بين 20% إلى 30% من ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما يُمثل القطاع ركيزة استقرار في البلاد، حيث يتكون ما يقرب من خُمس دفاتر قروض البنوك الصينية من قروض سكنية، بالإضافة إلى أن معظم الائتمان المصرفي في الصين مضمون من قبل العقارات حتى وإن كان خارج سوق الإسكان.

وسجل حجم الاستثمارات في مجال التطوير العقاري ارتفاعًا خلال الفترة التي تتراوح بين يناير إلى أغسطس 2021 بنحو 10.9% على أساس سنوي ليسجل 9806 مليارات يوان، من ضمنها استثمارات سكنية تبلغ قيمتها 7397.1 مليار يوان.

وتعتبر شركة “إيفرجراند” من أهم اللاعبين في السوق العقاري الصيني، إذ تحتل المركز الثاني في قائمة أكبر الشركات العقارية وفقًا لحجم المبيعات البالغة 696.47 مليار يوان خلال 2020، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (1): أهم الشركات العقارية بالصين – بحسب المبيعات (مليار يوان)

وتمتلك “إيفرجراند” سبع شركات تابعة تعمل في مجالات تصنيع السيارات الكهربائية، واستخراج المعادن، والأنشطة الرياضية والترفيهية، كما تستحوذ على 1300 مشروع عقاري في 280 مدينة بأنحاء الصين، وكذلك أقامت تعاونًا استراتيجيًا مع أكثر من 860 شركة معروفة حول العالم.

مؤشرات كاشفة

ظهرت أزمة ديون “إيفرجراند” منذ بداية عام 2018 عندما تخلفت الشركة عن سداد ديون بأكثر من 4 مليارات دولار، ومن ثم جاءت جائحة كورونا لتفاقم الأزمة مما أجبر الشركة على تقديم تخفيضات على وحداتها العقارية بنحو 30% بحلول نهاية العام الماضي. ويُمكن إرجاع أسباب الأزمة إلى النقاط الآتية:

1- ارتفاع ديون الشركة: تضخمت ديون شركة “إيفرجراند” في السنوات الأخيرة مع اقتراضها لتمويل أهدافها المختلفة، وفي الوقت الحالي تتجاوز ديون الشركة الدين الخارجي لخمس دول عربية حتى الربع الأول من العام الجاري، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (2): مقارنة بين حجم ديون “إيفرجراند” وخمس دول عربية

يتبين من الشكل السابق أن مجموع ديون الدول الخمس مجتمعة يبلغ نحو 279 مليار دولار مقارنة بنحو 300 مليار دولار تدين بها شركة العقارات الصينية وحدها.

2-  ارتفاع حجم الالتزامات: ارتفع إجمالي التزامات الشركة بنحو 5.55% على أساس سنوي من 1.8 مليار يوان خلال 2019 إلى 1.9 مليار يوان خلال 2020، وهو ما يتضح على النحو الآتي:

الشكل (3): تطور حجم التزامات الشركة (تريليون دولار)

وتسيطر القروض قصيرة الأجل -أقل من عام- على 46.8% من إجمالي محفظة القروض البالغة 716.5 مليار يوان بحلول نهاية عام 2020، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (4): هيكل قروض الشركة وفقًا لآجال الاستحقاق حتى نهاية 2020 (مليار يوان)

3 – تراجع أرباح الشركة: تراجعت أرباح الشركة بنحو 6.26% على أساس سنوي خلال العام الماضي لتصل إلى 31.4 مليار يوان مقارنة مع 33.5 مليار يوان خلال 2019، وهو ما يمكن إيضاحه على النحو الآتي:

الشكل (5): أرباح الشركة سنويًا (مليار يوان)

4- الحملات التنظيمية الحكومية: شددت الحكومة الصينية من قبضتها على القطاع العقاري في أغسطس من العام الماضي حين اجتمع مسئولو كلٍّ من بنك الشعب الصيني ووزارة الإسكان الصينية مع أكبر المطورين العقاريين في البلاد لمناقشة السياسة الجديدة التي ستنتهجها الحكومة تجاه قطاع الإسكان في الفترة القادمة، وتميزت تلك السياسة بعدم تجاوز التزامات المطور العقاري 70% من قيمة أصوله، وأن يكون صافي ديون الشركة أقل من حقوق الملكية لديها، وأخيرًا أن تغطي حيازات الشركة من النقدية قيمة ديونها قصيرة الأجل بنسبة 100% على الأقل. ويأتي ذلك عقب قرار الحكومة عام 2017 بتشديد لوائح البناء والتملك في العقارات والإسكان بهدف تهدئة النشاط وارتفاع الأسعار بالسوق العقاري الصيني.

تداعيات الأزمة

أثارت أزمة “إيفرجراند” حالة من الاضطراب والقلق في أوساط المستثمرين مما ساهم في تراجع البورصات العالمية، وتخفيض التصنيف الائتماني للشركة وللاقتصاد الصيني، وهو ما يُمكن إيضاحه على النحو الآتي:

1- تراجع سهم الشركة: سجل سهم شركة “إيفرجراند” تراجعًا على أساس سنوي في تعاملات بورصة هونج كونج بنحو 85.02% ليسجل 2.95 دولار هونج كونج بحلول الثلاثين من سبتمبر الجاري، وهو ما يتبين من الرسم التالي:

الشكل (6): سعر سهم “إيفرجراند” (دولار هونج كونج)

وإلى جانب تراجع سهم الشركة، انخفض المؤشر الرئيسي لبورصة هونج كونج “هانج سانج” بنحو 5.58% على أساس شهري مسجلًا 24575.64 نقطة في تعاملات الخميس الموافق الثلاثين من سبتمبر الجاري، وهو ما يتبين على النحو الآتي:

الشكل (7): مؤشر هانج سانج لبورصة هونج كونج

2- خسائر في الأسواق العالمية: تسببت أزمة “إيفرجراند” في حالة من الفزع في معظم الأسواق العالمية مما أدى إلى تراجع مؤشر “إس آند بي 500” الأمريكي بنحو 4.30% على أساس شهري مسجلًا 4328.45 نقطة، كما يوضح الشكل (8):

الشكل (8): الأداء الشهري لمؤشر “إس آند بي 500”

كما هبط مؤشر “ستوكس 600” بنحو 3.65% مقارنة بالشهر الماضي لينهي موجة مكاسب شهرية استمرت 7 أشهر متتالية عند 455.87 نقطة. وتأثرت بالتبعية ثروات رجال الأعمال، حيث كشف مؤشر “بلومبرج” للمليارديرات في الثاني والعشرين من سبتمبر عن فقدان أغنى 500 شخص حول العالم ما يوازي 135 مليار دولار في يوم واحد. 

3- تخلف الشركة عن سداد الديون الخارجية: نتيجة لكل ما سبق، لم تعلن الشركة عن أي إفصاح رسمي حول سداد مدفوعات فائدة بقيمة 83.5 مليون دولار على سندات دولارية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، وهو ما أدى إلى خفض وكالة “فيتش” التصنيف الائتماني للشركة عند مستوى “c” مقابل التصنيف السابق “cc” مشيرة إلى مشكلات السيولة، وضعف الملاءة المالية للشركة، وعدم قدرتها على تسديد التزاماتها من الديون.

4- تدخلات السياسة النقدية: ضخ البنك المركزي الصيني في السابع والعشرين من سبتمبر نحو 100 مليار يوان (48. 15 مليار دولار) في النظام المصرفي من خلال اتفاقيات إعادة شراء عكسي مدتها 14 يومًا، وهي أكبر كمية سيولة يضخها البنك بهذه الطريقة منذ فبراير الماضي.

5- التخلي عن أصول الشركة: في محاولة لإنقاذ الوضع المالي للشركة، قرر مجلس الإدارة بيع حصة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليار دولار (9.99 مليار يوان) في بنك ” Shengjing” لإحدى الشركات المملوكة للدولة.

6- تسريح العمالة: قد تتجه “إيفرجراند” إلى خفض حجم العمالة لديها، البالغ عددهم 123 ألف شخص، أو التوقف عن تعيين موظفين جدد بهدف خفض التزاماتها، كما أنه من الممكن أن تقرر الشركة وقف مشروعاتها التي لا تزال قيد الإنشاء حتى تتخطى أزمة نقص السيولة التي تعاني منها.

7- آثار اقتصادية كلية: خفَّضت وكالة “فيتش” للتصنيفات الائتمانية توقُّعاتها لمعدل نمو اقتصاد الصين لعامي 2021 و2022، على خلفية تأثير تباطؤ سوق العقارات على الطلب المحلي، وتتوقع الوكالة نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنحو 8.1% خلال العام الجاري انخفاضًا من التوقعات السابقة البالغة 8.4%، كما تتنبأ بمعدل نمو يبلغ 5.2% لعام 2022 مقارنة بالتقديرات السابقة البالغة 5.5%.

واستخلاصًا مما سبق، يتضح أن أزمة شركة العقارات الأكثر مديونية في العالم لها تأثيرات ملموسة على جميع الأصعدة، سواء من ناحية تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني بسبب الآثار السلبية التي ستطال القطاع العقاري، أو من ناحية التأثير على سوق العمل، أو على الأسواق المالية.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة