وحدة الدراسات الاقتصادية

نشاط ملحوظ: اتساع حركة الاستحواذ في سوق الطاقة المتجددة

تركز اهتمام الحكومات خلال السنوات القليلة الأخيرة على قضية مكافحة التغيرات المناخية والقضاء على الانبعاثات الحرارية بهدف مواجهة تداعياتها السلبية على البيئة والاقتصاد والإنسان، ولهذا بدأت غالبية دول العالم في وضع لوائح تحث على خفض الانبعاثات الكربونية والاتجاه للاعتماد على الطاقة النظيفة التزامًا باتفاقية باريس للمناخ عام 2015.   وبناء على هذا التوجه، اتخذت الشركات العالمية العاملة في غالبية القطاعات خطوات مماثلة لتلك المتخذة من قبل حكوماتها، فعلى سبيل المثال، بدأت شركات صناعة السيارات بتوجيه المزيد من الاستثمارات لإنتاج مركبات كهربائية مع التعهد بالتخلص من تلك العاملة بالوقود الأحفوري، كما قررت شركات المنتجات الاستهلاكية والغذائية خفض الانبعاثات الحرارية الناتجة عن أعمالها…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تركز اهتمام الحكومات خلال السنوات القليلة الأخيرة على قضية مكافحة التغيرات المناخية والقضاء على الانبعاثات الحرارية بهدف مواجهة تداعياتها السلبية على البيئة والاقتصاد والإنسان، ولهذا بدأت غالبية دول العالم في وضع لوائح تحث على خفض الانبعاثات الكربونية والاتجاه للاعتماد على الطاقة النظيفة التزامًا باتفاقية باريس للمناخ عام 2015.  

وبناء على هذا التوجه، اتخذت الشركات العالمية العاملة في غالبية القطاعات خطوات مماثلة لتلك المتخذة من قبل حكوماتها، فعلى سبيل المثال، بدأت شركات صناعة السيارات بتوجيه المزيد من الاستثمارات لإنتاج مركبات كهربائية مع التعهد بالتخلص من تلك العاملة بالوقود الأحفوري، كما قررت شركات المنتجات الاستهلاكية والغذائية خفض الانبعاثات الحرارية الناتجة عن أعمالها في المدى المتوسط، وأخيرًا، اتبعت شركات الطاقة نهجًا مشابهًا عن طريق التعهد بالقضاء على الانبعاثات، أو الانضمام لمشروعات لتوليد الطاقة النظيفة، أو الاستحواذ على نظيرتها العاملة بقطاع الطاقة المتجددة.

وفي هذا الإطار، يحاول المقال تحليل سلوك الدمج والاستحواذ الملحوظ لدى شركات الطاقة خلال الشهور الماضية مع استعراض فرص النمو في قطاع الطاقة المتجددة.

نشاط ملحوظ بصفقات الاستحواذ بالقطاع

اتجهت العديد من شركات الطاقة منذ بداية العام الجاري 2021 للاستحواذ على الشركات المنتجة للطاقة المتجددة في ظل مساعيها للتحول من النفط والغاز إلى مصادر الطاقة النظيفة، كإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية أو مصادر مستدامة مثل الشمس والرياح ومساقط المياه وغيرها.

ففي بداية فبراير الماضي، أقدمت شركة “توتال” الفرنسية على شراء مشروع للطاقة الشمسية بطاقة إنتاجية 2.2 جيجاوات، وبطاريات تخزين بسعة 600 ميجاوات في ولاية تكساس من شركة “صن تشيز باور”، وذلك بعدما وقعت اتفاقية شراكة مع “باور غلوبال” لتطوير مشروعات إنتاج وتخزين الكهرباء من مصادر متجددة في الولايات المتحدة بسعة 1.6 جيجاوات. بالإضافة إلى ذلك، استحوذت الشركة على حصة نسبتها 20% في شركة “أداني جرين إنرجي” الهندية للطاقة المتجددة مقابل 2.5 مليار دولار.

إلى جانب ذلك، اشترت “بريتيش بتروليوم” خط أنابيب من مزارع الطاقة الشمسية الأمريكية مقابل أكثر من 220 مليون دولار كجزء من خطتها لإبعاد نفسها عن صناعة الوقود الأحفوري، كما استحوذت شركة الطاقة الكندية “نورثلاند باور إنك” على 551 ميجاوات من أصول الطاقة المتجددة التشغيلية في إسبانيا.

كما أعلنت شركة “رويال داتش شل” الهولندية شراء شركة الطاقة المتجددة “إنسباير إنرجي كابيتال” بهدف توسيع أعمالها في مجال الطاقة النظيفة بالولايات المتحدة، واستحوذت “إيني” الإيطالية على محطات للطاقة الشمسية في إسبانيا وفرنسا من خلال الاستحواذ على مجموعة “داما إنرجي”، وكذلك، استحوذت “جلوبال باور” التايلاندية على حصة تبلغ 41.6% من شركة “أفادا إنرجي برايفت” التي تعتبر إحدى الشركات الرائدة في مجال الطاقة المتجددة في الهند.

والجدير بالذكر أن الهند تعتبر من الأسواق الواعدة في مجال الطاقة المتجددة؛ إذ سجلت أكبر حجم على الإطلاق من عمليات الاندماج والاستحواذ في القطاع خلال النصف الأول من العام بصفقات قيمتها الإجمالية 3.6 مليار دولار، كما شكلت نحو 30% من إجمالي حجم عمليات الاندماج في العالم في القطاع، مع توقعات بأن تجذب تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الهند متوسط استثمار يبلغ 35 مليار دولار سنويًا بين عامي 2030 و2040، بزيادة قدرها ثلاثة أضعاف مقارنة بالمستويات الحالية.

نمو متسارع لشركات الطاقة المتجددة

قبل عقد من الزمان، لم تكن شركات الطاقة المتجددة قادرة على التنافس مع عمالقة الطاقة أمثال “إكسون موبيل” و”بريتش بتروليوم” و”إيني”، ولكن التحول الذي شهده العالم خلال السنوات الماضية في تطوير مصادر توليد الطاقة المتجددة ساهم في صعود تلك الشركات بشكل قوي مما جعلها منافس قوي لمثيلتها المتخصصة في مصادر الطاقة التقليدية.

ويعود هذا الصعود إلى زيادة استثمارات تلك الشركات مثل “نكست إرا” الأمريكية و” إيبردرولا” الإسبانية و”إينل” الإيطالية في مزارع الرياح والطاقة الشمسية في ظل التحول السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري مما أدى إلى ارتفاع قيمتها السوقية نظرًا لزيادة إقبال المستثمرين على شراء أسهمها، وهو ما توضحه الأشكال الآتية:

الشكل (1): سعر سهم “نكست إرا”

الشكل (2): سعر سهم “إينل”

الشكل (3): سعر سهم ” إيبردرولا”

يتضح من الأشكال السابقة ارتفاع أسهم الثلاث شركات سابقة الذكر بوتيرة سريعة وملحوظة منذ عام 2016 وحتى وقتنا الحالي، وجاء ذلك بالتزامن مع تراجع أسهم شركات النفط العالمية كما يتضح من الأشكال التالية:

الشكل (4): سعر سهم “بريتش بتروليم”

الشكل (5): سعر سهم “إيني”

الشكل (6): سعر سهم “إكسون موبيل”

وكنتيجة لما سبق، تفوقت القيم السوقية للشركات المذكورة سلفًا على نظيرتها المتخصصة في الفحم والوقود الأحفوري كما هو موضح من الشكل الآتي:

الشكل (7): القيمة السوقية لشركات الطاقة النظيفة والتقليدية

وعلاوة على ذلك، ارتفع مؤشر “New Energy Global Innovation” – “NEX” -الذي يتتبع شركات الطاقة النظيفة- بنحو 142% خلال العام الماضي، في حين انخفض مؤشر”Arca oil” بنسبة 38% على أساس سنوي، كما يتبين من الشكل (8).

الشكل (8): مقارنة بين مؤشري “NEX” و “ARCA” 

أسباب نشاط حركة الاستحواذ بالقطاع

يتبين من التحليل السابق أن شركات الطاقة المتجددة أصبحت نقطة جاذبة لمؤسسات الطاقة التقليدية- التي عانت من انكماش حاد في أعمالها جراء تداعيات كورونا على أسواق الطاقة العالمية- بسبب ازدهار أعمال الأولى ووجود توقعات باستمرار هذا الاتجاه، هذا إلى جانب الأسباب الآتية:

  1.  نمو متباطئ:

تشير جميع التوقعات الصادرة عن المؤسسات العالمية إلى احتمالية تباطؤ الطلب في سوق النفط خلال السنوات المقبلة، فمن المُرجح أن يزداد الطلب على النفط بنحو 10 مليون برميل يوميًا على المدى الطويل من 99.7 مليون برميل يوميًا إلى 109.3 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2040، لينخفض عقب ذلك إلى 109.1 مليون برميل يوميًا خلال عام 2045، وهو ما يوضحه الشكل الآتي:

الشكل (9): الطلب على النفط يوميًا

وعلاوة على ذلك، انخفض الطلب العالمي على الفحم بنسبة 4٪ في عام 2020، بما يمثل أكبر وتيرة انخفاض منذ الحرب العالمية الثانية. ويعود هذا التراجع بشكل رئيسي إلى تداعيات جائحة كورونا وتحبيذ الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

  1. سوق صاعدة:

بالتوازي مع تباطؤ أو انخفاض الطلب في أسواق الطاقة التقليدية، زاد استخدام الطاقة المتجددة بنسبة 3% خلال عام 2020 مع انخفاض الطلب على جميع أنواع الوقود الأخرى، وبناءً على ذلك، قفزت حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء العالمية إلى 29%.

ومن المقرر أن يتوسع توليد الكهرباء عن طريق الطاقة المتجددة في عام 2021 بما يتجاوز 8% ليصل إلى 8300 تيراوات ساعة، وهو أسرع نمو سنوي منذ السبعينيات، وذلك بدعم من ارتفاع حجم الاستثمارات الموجهة للطاقة المتجددة إلى 174 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، وذلك مقارنة مع مستوى يبلغ 303.5 مليار دولار خلال عام 2020 بأكمله، بزيادة قدرها 2% على أساس سنوي، في حين تتوقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “إيرينا” أن تصل إجمالي الاستثمارات العالمية الموجهة لهذا الشأن إلى 15 تريليون دولار بحلول عام 2050. 

وكذلك، ارتفعت القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة خلال عشر سنوات من 1331.17 جيجاوات خلال عام 2011 إلى 2802.04 جيجاوات خلال العام الماضي، وفيما يلي رسمًا يوضح هذه البيانات:

الشكل (10): القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة

يتضح من الشكل ارتفاع القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة بنحو 110.49% خلال العقد الزمني الماضي مع توقعات باستمرار هذا النمو خلال السنوات المقبلة.

وفي الختام، يُلاحظ أن نمو سوق الطاقة المتجددة الذي صاحب بروز نقاط الضعف في أسواق النفط شكل عامل جذب للشركات العاملة بقطاع الطاقة التقليدية لتعويض خسائرها المحققة العام الماضي عن طريق الاستثمار في الشركات الصاعدة بسوق الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة