كتاب البحرية المصرية- الطريق إلى أكتوبر، تأليف فريق أول فؤاد محمد أبو زكري قائد القوات البحرية المصرية أثناء حرب أكتوبر، طبع بمطبعة القوات البحرية عام 1978، وعدد صفحاته 413 صفحة.
فؤاد أبو ذكري ولد في 27 نوفمبر عام 1923 وتخرج في الكلية الحربية عام 1946، بدأ مسيرته العسكرية في وحدات البحرية العائمة بالفرقاطات والكاسحات، ثم تولى قيادة قاعدة الإسكندرية البحرية، وبعد يونيو 1967 صدر قرار بتعيينه قائدًا للقوات البحرية المصرية، ليصبح مسئولًا عن إعادة تنظيمها وبناء قدراتها القتالية، شارك في التخطيط لعمليات بحرية مهمة، من أبرزها إغراق المدمرة الإسرائيلية “إيلات” في 11 أكتوبر عام 1967، وعملية إغراق الغواصة الإسرائيلية “داكار” في مارس 1969، وفي 9 سبتمبر عام 1969 تعرضت منطقة الزعفرانة لإغارة، قوة إسرائيلية فتم إعفاء أبو ذكري من قيادة القوات البحرية، وأعاده الرئيس أنور السادات إلى قيادة القوات البحرية، ورُقي إلى رتبة الفريق الفخري في الأول من يناير 1972، استعدادًا للمشاركة في حرب أكتوبر 1973.
في هذا الكتاب اعتمد المؤلف منهجًا تاريخيًّا استراتيجيًّا تحليليًّا، فعرض لتاريخ القوات البحرية المصرية منذ أقدم العصور وصولًا إلى حرب أكتوبر وقد وظّف المؤلف التحليل العسكري والاستراتيجي في دراسة أدوار القوة البحرية في حماية الدولة المصرية عبر مختلف المراحل التاريخية وتحليل التحولات التي شهدتها في بنيتها وقدراتها وأدوارها العسكرية، وصولًا إلى المستوى الذي بلغته خلال حرب أكتوبر 1973، ليؤكد على أن الدور الذي اضطلعت به البحرية المصرية خلال الحرب لم يكن وليد الظروف المباشرة للحرب فحسب، وإنما جاء نتيجة لتراكم الخبرات وتطور القدرات البحرية عبر العصور.
يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسة، يضم كل منها مجموعة من المباحث، بالإضافة إلى مقدمة وخرائط ونماذج توضيحية للسفن وتطورها عبر العصور، وقد أكد المؤلف في مقدمته أن هدفه جمع ذخيرة مصر البحرية عبر آلاف السنين، تلك الذخيرة التي أسهمت في تحقيق انتصارات أكتوبر، مؤكدًا أن الإنسان المصري صانع حضارة الماضي، قادر على صنع السلام في الحاضر؛ حيث إن الفترة التي ألّف فيها المؤلف كتابه عام 1978، قبيل توقيع معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، فكان استحضاره لتاريخ مصر البحري، وربطه بانتصارات أكتوبر، تعبيرًا عن المرحلة التاريخية التي كانت تعيشها مصر آنذاك، فهي مرحلة جمعت بين استعادة الثقة بالقدرات العسكرية المصرية، والانتقال إلى خيار السلام من موقع قوة.
في القسم الأول من الكتاب تناول المؤلف نشأة وتطور القوة البحرية المصرية منذ عصر الأسرات، مسلطًا الضوء على دور البحرية في حماية الدولة، منذ عام (3370 ق.م) مرورًا بالمهام البحرية خلال عصر الدولة الوسطى، والدولة الحديثة، وعصر البطالمة، والرومان، كما تعرض للتنظيم الإداري للبحرية المصرية، وتطور بناء السفن، وتكتيكات وفنون القتال البحري خلال تلك العصور، كما تناول تطور البحرية المصرية ودورها خلال العصر الإسلامي، متتبعًا المعارك البحرية التي خاضها الأسطول المصري للدفاع عن مصر، أو دعم الدولة الإسلامية في فتوحاتها، والتصدي للحملات الصليبية، والاستعمار البرتغالي.
خصص المؤلف مساحة مهمة لتطور البحرية المصرية خلال عهد محمد علي باشا الذي رأى أهمية وجود أسطول حربي، وبناء ترسانة الإسكندرية لصناعة سفن حربية بجانب السفن التجارية، وقد تتبع المؤلف دور البحرية المصرية في حرب المورة، وحروب الشام، موضحًا سعي الدول الأجنبية لتحجيم النفوذ والقوة البحرية المصرية عقب معاهدة لندن 1840، ثم انتقل المؤلف إلى إعادة بناء القوة البحرية خلال عهد الخديوي إسماعيل، واستعانة الدولة العثمانية بها في تنفيذ المهام الحربية التي عجز عن تنفيذها الأسطول العثماني، كما حدث في كريت عام 1866، وبين المؤلف كيف أن مصر خلال القرن العشرين نجحت في إعادة تنظيم البحرية المصرية عام 1946 تحت اسم”السلاح البحري الملكي” وفي عام 1947 قامت بشراء كاسحات ألغام، وسفن نقل وإنزال شاركت بها مصر في حرب عام 1948.
انتقل المؤلف في بدايات القسم الثاني من السرد التاريخي إلى التأصيل العلمي للفكر العسكري والاستراتيجي؛ فأخذ يوضح معاني كل من: الحرب، والاستراتيجية، والحرب البحرية، والاستراتيجية البحرية، وتأصيل قواعد ومبادئ الحرب وعرض لتطور مفاهيم وأهداف الاستراتيجية منذ العصور القديمة، موضحًا مستويات الاستراتيجية، وفي نهاية القسم الثاني قام المؤلف بتوضيح دور البحرية المصرية في الصراع العربي الإسرائيلي؛ فبدأ في عرض دور البحرية المصرية خلال حرب عام 1948، وحصارها للموانئ الفلسطينية المحتلة، وحماية جانب القوات المصرية المتقدمة على الطريق الساحلي ناحية البحر، واعتراض حركة الملاحة الإسرائيلية، وقصف الأهداف الساحلية، ومن أبرزها صهاريج البترول في تل أبيب في 31 ديسمبر 1948. وقد أكد المؤلف أن حرب 1948 رغم عدم نجاح العرب في حسمها لصالحهم؛ فإن دور البحرية المصرية خلال الحرب كان بمثابة إنذار لإسرائيل بأن سواحلها وثغورها أصبحت في متناول البحرية المصرية، وأن خطوط المواصلات والتجارة البحرية مع العالم الخارجي التي تعتمد عليها حياة إسرائيل أصبحت هي الأخرى تحت سطوة البحرية المصرية.
أوضح المؤلف أنه خلال العدوان الثلاثي على مصر اقتصرت مهام القوات البحرية خلال الساعات الأولى على الأعمال الوقائية في المياه المواجهة للموانئ المصرية، ثم تحولت العمليات إلى سواحل إسرائيل، وفي 31 أكتوبر عام 1956 تم قصف ميناء حيفا، واشتبكت القوات البحرية مع البحرية البريطانية في رأس غارب، ومع صدور قرار انسحاب القوات المصرية من سيناء في 1 نوفمبر استمرت القوات البحرية في أداء مهامها، وتم تحريك وحدات ومعدات الإعاقة المائية داخل قناة السويس، وعلى جانب الممرات الملاحية المؤدية إلى الإسكندرية، ومهاجمة الأهداف في المنطقة الواقعة بين دمياط والبرلس، وشاركت في حركة المقاومة الشعبية ببورسعيد، من خلال معسكر القوات البحرية المطل على الميناء.
وعند حديث المؤلف عن حرب يونيو 1967، بدأ بوصفها بـ”الحرب التي لم تتم”، وشرح ما حدث وأكد أن القوات البحرية منذ إعلان حالة الطؤارى بدأت في الاستعداد للمعركة، ودرست الوسائل الممكنة لإغلاق خليج العقبة ووضعت خطة تضمنت: بث الألغام في مياه المضيق، واعتراض حركة الملاحة بواسطة الغواصات، وتخريب ميناء إيلات، واتخاذ التدابير الوقائية في البحرين المتوسط والبحر الأحمر، غير أن الضربة الجوية الإسرائيلية وما تلاها أسهم في حسم المعركة قبل أن تتاح للقوات المصرية فرصة حقيقية لخوض مواجهة عسكرية فعلية.
خصص المؤلف القسم الثالث للحديث عن حرب أكتوبر 1973، فبدأ بالحديث عن دور القوات البحرية في المراحل التي مرت بها القوات المسلحة عقب حرب يونيو 1967، بداية من مرحلة الصمود، ومرحلة الدفاع النشط، ثم مرحلة الاستنزاف، والإعداد الفعلي للمعركة، وشاركت القوات البحرية في مراحل التخطيط والاستعداد للمعركة، من خلال إعداد دراسة دقيقة للأحوال الجوية والملاحية والظواهر الطبيعية، بما جعل نتائج هذه الدراسة أحد الأسس التي تم الاستناد إليها عند تحديد التوقيت المناسب لبدء المعركة، وقامت القوات البحرية بتطوير الأسلحة والمعدات، ومعالجة أوجه النقص التي ظهرت خلال حرب الاستنزاف، مثل تطوير أجهزة توجيه صواريخ سطح/سطح، بما يضمن إصابة الزوارق الإسرائيلية، وإدخال بعض التعديلات على السفن البرمائية، بما يسمح بإنزال المعدات والمركبات دون الحاجة لرسوها، وطورت أجهزة الإنذار الجوي، وأنظمة إدارة نيران المدفعية المضادة للطائرات، ووسائل الإعاقة الرادارية.
قدم المؤلف وصفًا دقيقًا لمجريات العمليات وتطوراتها، خلال حرب اكتوبر وقسم العمليات الحربية إلى أربع مراحل رئيسية؛ بدأت بالاقتحام واحتلال رءوس الكباري خلال الفترة من 6 إلى 13 أكتوبر، تلتها مرحلة تطوير الهجوم والضربات المضادة من 14 إلى 16 أكتوبر، ثم مرحلة تطوير أعمال القتال غرب القناة من 17 إلى 26 أكتوبر، وأخيرًا مرحلة إيقاف إطلاق النار وصولًا إلى اتفاق فض الاشتباك بين القوات، ونجحت القوات البحرية في دعم الهجوم البري من خلال القصف المدفعي والصاروخي للنقاط الإسرائيلية في شرق بورفواد ورمانة، ونفذت الوحدات البحرية هجمات على الأهداف الإسرائيلية في شمال سيناء، وقامت الغواصات في البحر الأحمر بمهاجمة بواخر إسرائيل التجارية، ونجحت القوات البحرية في إغراق خمسة زوارق إسرائيلية خلال معركة البرلس في 8-9 أكتوبر، وحققت القوات البحرية نتائج مؤثرة فتوقفت شحنات البترول الإيراني، وبترول حقول سيناء المحتلة إلى ميناء إيلات، واحتجزت السفن التجارية به؛ مما اضطر إسرائيل إلى تحويل تجارتها البحرية إلى الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، فحُرمت إسرائيل من كميات كبيرة من وارداتها وتوقفت صادرات إيلات تمامًا. ونجحت البحرية المصرية في إحباط محاولات إبرار القوات الإسرائيلية غرب وشرق بورسعيد، وتأمين مسرح العمليات على جبهة سيناء.
أما في المرحلة الثانية، فقد استهدفت القوات البحرية تخفيف الضغط الإسرائيلي على الجبهة السورية، عبر تطوير الهجوم على الجبهة المصرية شرقًا، فقامت البحرية المصرية بالعديد من الغارات وتنفيذ عمليات إبرار للقوات، بهدف تخريب نقاط المراقبة الرادارية، وفي المرحلة الثالثة شهدت البحرية المصرية تصاعدًا في التهديدات، بعد توسع الجيب الإسرائيلي في الدفرسوار، واضطلعت البحرية بمهام الدفاع عن القواعد والموانئ، والتصدي للهجمات البحرية والجوية، وتأمين السواحل والممرات البحرية، ونفذت عمليات ضد تجمعات العدو ومنشآته وتكبيده خسائر فادحة، أما المرحلة الأخيرة الممتدة من 28 أكتوبر حتى 18 يناير 1974 فقد أعادت القوات البحرية تنظيم أوضاعها، وعززت الدفاعات الساحلية، واستمرت في تنفيذ الحصار البحري عند باب المندب، حتى أصدرت القيادة العامة تعليماتها بتخفيف إجراءات الحصار وفقًا للتطورات التي أدت إلى توقيع اتفاقية فك الاشتباك الأول بين القوات المصرية والإسرائيلية.
واختتم المؤلف حديثه بتقييم لأداء القوات البحرية المصرية والإسرائيلية خلال حرب أكتوبر، بدءًا من الاستراتيجية البحرية، مرورًا بالعمليات الحربية، وانتهاءً بنتائج تلك العمليات، بالإضافة إلى حديثه عن الخبرات المكتسبة من الحرب، ونتائج الحرب على المستوى العربي.
إن الكتاب الذي بين أيدينا ليس مجرد تأريخ للبحرية المصرية منذ أقدم العصور وحتى دورها المشرف في حرب أكتوبر فحسب، بل دراسة علمية فكرية صادرة عن قائد عسكري بحري شارك في صناعة جانب كبير من الأحداث التي يتناولها، وبالتالي كان الأقدر على فهم طبيعة القرارات العسكرية ودوافعها، والعمليات الحربية ونتائجها؛ لذا جمع المؤلف بين التأريخ والتأصيل للفكر الاستراتيجي، موضحًا كيف انتقلت الأفكار والتقديرات العسكرية من المفهوم النظري إلى التطبيق العملي في ميادين القتال. وكيف تطورت البحرية المصرية عبر العصور التاريخية.






























