أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، في الرابع عشر من أغسطس 2026، عن تأسيس قوة مهام جديدة أطلقت عليها اسم “Falcon Strike” (TFFS)، بهدف تشكيل وحدة متعددة الجنسيات ومتعددة المجالات، مخصصة لتشغيل الطائرات المسيرة ذات الاتجاه الواحد والذخائر الجوالة، وأنظمة مسيرة أخرى متنوعة. لم تكشف القيادة المركزية عن هوية الدول المشاركة تحديدًا في القوة الجديدة، لكنها قالت إن قيادة هذه القوة ستكون في مقر قيادة العمليات الخاصة المركزية الأمريكية (SOCCENT)، في قاعدة “ماكديل” الجوية في مدينة “تامبا” بولاية فلوريدا الأمريكية، والتي تشرف على العمليات الخاصة في منطقة مسئولية القيادة المركزية الأمريكية، التي تمتد عبر منطقة وسط وجنوب آسيا بجانب الشرق الأوسط.
من حيث الشكل والمضمون، تحمل هذه الخطوة من جانب واشنطن، دلالات هامة في التوقيت الحالي الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط توترات مستمرة، انعكست على عدة جوانب استراتيجية، سواء ما يرتبط بتطور التقنيات العسكرية وتكتيكات استخدامها، أو طبيعة المبادرات الأمنية والعسكرية الإقليمية التي قد تشهدها المنطقة خلال المدى المنظور، وهي دلالات يمكن إجمالها فيما يلي:
1- البناء على نجاحات وحدة “سكوربيون سترايك”:
تعتبر قوة المهام الجديدة “فالكون سترايك”، امتدادًا عمليًا لوحدة مهام سابقة كانت القيادة المركزية قد أعلنت عنها في ديسمبر 2025، تحت اسم “سكوربيون سترايك” (TFSS)، وهي عبارة عن سرب من الطائرات المسيرة أحادية الاتجاه ومنخفضة التكلفة، يتسلح بشكل أساسي بنظام الهجوم القتالي بدون طيار منخفض التكلفة (LUCAS)، لتصبح بذلك هذه الوحدة أول وحدة عسكرية أمريكية دائمة مُخصصة للطائرات الهجومية أحادية الاتجاه بدون طيار، وأول وحدة قتالية مُجهزة بذخائر (LUCAS).

وقد حققت قوة “سكوربيون سترايك”، عدة إنجازات على المستوى الميداني منذ تأسيسها، بما في ذلك تنفيذ أول عملية إطلاق لطائرة مسيرة أحادية الاتجاه، من على متن سفينة الهجوم البرمائي “سانتا باربرا” في نفس الشهر الذي أُعلن تشكيل هذه القوة فيه، إلا أنّ اللافت في هذه القوة كان توسيع هامش التسليح الخاص بها، ليشمل أنظمة مسيرة بحرية، وهو ما أفضى إلى تنفيذ عملية إنقاذ غير مسبوقة، لطاقم مروحية هجومية أمريكية من نوع “أباتشي”، أسقطتها القوات الإيرانية فوق خليج عمان في يونيو 2026، نفذتها مسيرة بحرية من نوع “CORSAIR”، وهو نفس النوع الذي نفذ في يوليو 2026، عملية هجومية هي الأولى من نوعها، استهدفت غواصة إيرانية ومنشآت لإصلاح السفن، في القاعدة البحرية الإيرانية في ميناء بندر عباس.
في نفس الإطار، من الجائز أيضًا اعتبار أن قوة المهام الجديدة، تعتبر امتدادًا عضويًا لعدة فرق عمل أسستها القيادة المركزية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، بهدف سد الثغرات في القدرات المُسيرة التي تمتلكها، وأهمها:
- فرقة المهام البحرية “59”: أُنشئت عام 2021، وتركز على الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في العمليات البحرية، وتعتبر الجهة الأساسية لتنفيذ عمليات الاختبار للأنظمة البحرية المسيرة في نطاق مسئولية القيادة المركزية الأمريكية.
- فرقة المهام الجوية “99”: أُنشئت عام 2022، وتركز على المسيرات الجوية منخفضة التكلفة بشكل عام، خاصة تلك المرتبطة بعمليات الاستطلاع والمراقبة.
- فرقة المهام “39”: تركز على تقنيات مكافحة المسيرات، وكذلك عمليات تطوير المركبات الأرضية غير المأهولة.
- فرقة المهام الخاصة “179”: تعمل على تطوير حلول رقمية وغير مأهولة لعمليات الاستطلاع ورصد الأهداف والحرب الإلكترونية.
من هذا المنطلق يمكن اعتبار أن قوة “فالكون سترايك”، امتداد متطور لقوة “سكوربيون سترايك”، يبني على النجاحات والدروس التي تحققت على المستوى الميداني في منطقة الخليج العربي، بما يخدم الجوانب التسليحية والتكتيكية في المنظومة العسكرية الأمريكية.
2- ترفيع نوعي لأدوار الأنظمة المسيرة منخفضة التكلفة:
من حيث المضمون، وعلى الرغم من أن الإعلان عن قوة المهام الجديدة، لم يتضمن توصيفًا واضحًا لحجم ونوع القدرات التسليحية التي زُوّدت بها، سوى إشارة غير مباشرة إلى أنظمة “LUCAS” المسيرة، إلا أنّ الأمر الأكثر لفتًا للانتباه في هذه الخطوة، تمثل في وصف القيادة المركزية الأمريكية للقوة الجديدة، بأنها قوة “متعددة المجالات”، وهو وصف يشير بشكل مباشر إلى أن الأنظمة المسيرة التي ستتسلح بها القوة الجديدة، ستكون أنظمة متنوعة ما بين الأنظمة الأرضية والجوية والبحرية، وهو توجه يجعل النطاق العملياتي للقوة الجديدة، أكثر اتساعًا من الحدود التي يفرضها استخدام الطائرات المسيرة.
من هنا يمكن اعتبار تشكيل القوة الجديدة، بمثابة تدشين لتوجهات جديدة لوزارة الحرب الأمريكية، فيما يتعلق بالأنظمة المسيرة، تعكس تحولًا أوسع في استراتيجية الجيش الأمريكي حيال استخدام قدرات الضربات الجوية غير المأهولة ذات التكلفة المحدودة، يُنهي النظرة السابقة لهذه القدرات كـ”أسلحةٍ تكميليةٍ أو مساندة”، وينقلها إلى مستوى أعلى تكون فيه القدرات المُسيرة المتنوعة، ركنًا رئيسيًا في المنظومة الهجومية للجيش الأمريكي. هذا التحول يعتبر ترجمة عملية لما ورد في النسخة الأخيرة من استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وكذا وثائق استراتيجية القيادة المركزية الأمريكية لعام 2026، التي ركزت بشكل واضح على تسريع تطوير التقنيات الناشئة ونشر أنظمة غير مأهولة ذات تكلفة محدودة، بما يحقق معادلة أساسية تُجرى فيها الموازنة بين تكلفة الأنظمة الأمريكية الاعتراضية، والتهديدات التي صُممت لمواجهتها.
يلاحظ في هذا الصدد، أن بيان القيادة المركزية بشأن تدشين قوة المهام الجديدة، قد ركز بشكل منفصل على استخدام المركبات المسيرة البحرية – وتحديدًا المركبات الغاطسة – كأصول للضربة المباشرة في هذه القوة الجديدة، علمًا بأن هذه الأنظمة لم يُؤكَّد استخدامها ميدانيًا حتى الآن، رغم أن القيادة المركزية الأمريكية، سبق أن أعلنت في أبريل 2026، أنها نشرت مركبات مسيرة غاطسة، خلال عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز. هذا التركيز يؤشر على أن الأنظمة البحرية المسيرة، باتت في صلب اهتمامات القيادة المركزية الأمريكية، سواء للبناء على التجربة الناجحة للأنظمة المسيرة السطحية، أو توسيع استخدام الأنظمة المسيرة البحرية، لتشمل الأنظمة الغاطسة.
من النقاط الجديرة بالذكر أيضًا، أن تشكيل القوة الجديدة، تزامن مع تقارير جديدة تُفيد بأن الجيش الأمريكي فقد ما لا يقل عن 45 طائرة مسيّرة من نوع “MQ-9” خلال العمليات العسكرية في إيران، وهو عدد يقارب ما نسبته 25 بالمائة من حجم الأسطول الأمريكي من هذا النوع، وتناهز قيمة الطائرات المفقودة نحو 1.3 مليار دولار، وهو أمر يطرح جانبًا من الجوانب التي قد تساهم بها قوة المهام الجديدة، ألا وهو تخفيف الضغط على الأصول المسيرة ذات التقنية المتطورة وتكلفة التصنيع والتشغيل المرتفعة، وتوزيع المهام الخاصة بها على وسائط مسيرة أقل تكلفة وأكثر فعالية على المستوى العملياتي. يمكن أيضًا تطبيق نفس هذا الاستخلاص، فيما يرتبط بالطائرات المقاتلة المأهولة والصواريخ الجوالة، حيث تُعدّ الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه مفيدة بشكل خاص، عندما يُمكن إطلاقها من مركبات متحركة أو سفن أو مواقع ساحلية مُتباعدة، وبالتالي ستوفر استدامة هذه القدرة الهجومية، إمكانية الاستغناء – ولو بشكل جزئي – عن المخاطرة بتركيز أعداد كبيرة من الطائرات المقاتلة باهظة التكلفة، في قواعد جوية مُعرّضة لمخاطر الاستهداف المباشر، وكذا تقليل هامش الاعتماد على الصواريخ الجوالة ذات التكلفة المرتفعة، والتي عانت واشنطن من نقص متزايد بها خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.
3- اختبار إمكانيات التكامل بين الأنظمة المسيرة المختلفة:
يمكن اعتبار خطوة تشكيل هذه القوة الجديدة، محاولة من جانب وزارة الحرب الأمريكية، لتجاوز مرحلة التجارب على المنظومات الفردية المسيرة منخفضة التكلفة، والاتجاه نحو تبني استراتيجية “التكامل” بين الأنظمة المسيرة المختلفة في الترسانة الأمريكية، ضمن بنية عملياتية قادرة على تنفيذ عمليات هجومية رئيسية عبر مسارات تكتيكية متعددة.
فمن خلال الجمع بين الأنظمة المسيرة الجوية والبحرية والبرية، يمكن امتلاك قدرات متكاملة لشن هجمات تدريجية متتابعة على هدف موحد، حيث تُتيح الأنظمة الجوية المسيرة، إمكانية الوصول إلى الأهداف البرية، بينما تُوسّع الأنظمة المسيرة البحرية – العائمة والغاطسة – نطاق هذا المفهوم ليشمل الميدان البحري، بما يتضمن أيضًا عمليات الإبرار البحري التي يمكن من خلالها إنزال مركبات مسيرة برية إلى الشواطئ المعادية، على ضوء تجربة مماثلة هي الأولى من نوعها، تمت مؤخرًا في أوكرانيا، وهو ما يوسع مسألة التكامل بين الأنظمة المسيرة، لتتحول إلى عملية “دمج” بين عدة قدرات مسيرة في آن واحد، والتجربة الأوكرانية في هذا المجال تظل ماثلة، خاصة ما يرتبط بعمليات إطلاق الطائرات المسيرة من على متن زوارق وآليات برية مسيرة، وهو توجه تتحرك واشنطن نحوه بشكل متسارع، حيث أعلنت وزارة الحرب الأمريكية أواخر يوليو 2026، عن طلبية لقوارب آلية قادرة على إطلاق طائرات هجومية صغيرة بدون طيار، بتقنية مكتملة بما يكفي لنشرها ميدانيًا في غضون ١٢٠ يومًا، ضمن مشروع سُمّي “الحمولات القتالية التكيفية المناسبة” (SWAP-USV).
حقيقة الأمر أن مسألة “التكامل” بين الأنظمة المسيرة عن بعد، تعتبر ترجمة لمعضلة أساسية تعتبر أحد أهم الدروس التي ظهرت خلال مجريات الحروب المعاصرة، ألا وهي “التكلفة مقابل الاعتراض”، حيث أدى التوافر المتزايد للأنظمة غير المأهولة منخفضة التكلفة، إلى توسع استخدامها في ميادين القتال المختلفة – في ظل تراجع مبدأ تاريخي كان سائدًا فيما يرتبط بالتقنيات العسكرية، ألا وهو “حصرية التقنيات” – ما تسبب عمليًا في تكبّد المنصات العسكرية باهظة الثمن تكاليف إضافية خلال المواجهات الميدانية، سواء ما يرتبط بالصواريخ الاعتراضية التي تُستخدم للتصدي لهذه الأنظمة منخفضة التكلفة، أو الخسائر التي تتسبب فيها هذه الأنظمة نتيجة استخدامها هجوميًا ضد الأصول العسكرية المختلفة. من هذا المنطلق، يمكن القول إن قوة المهام الجديدة، توفر آلية تنظيمية لتجربة هذا التفاوت في التكاليف عبر مجالات متعددة، وبشكل تكاملي بين الأنظمة المسيرة المختلفة، بدلًا من التعامل مع الأنظمة البرية والجوية والبحرية المسيرة، كبرامج تقنية منفصلة.
تكتيكيًا، يمكن أن يشكل التكامل العملياتي بين الأنظمة المسيرة المختلفة، عبر شبكة قيادة مشتركة، نمطًا جديدًا من أنماط العمليات الهجومية ذات الأنساق المتغيرة ما بين “النسق التزامني” و”النسق التدريجي”، بحيث يمكن أن تتم العمليات بشكل متزامن، بداية من افتتاح الطائرات المسيرة أحادية الاتجاه العملية الهجومية من عدة اتجاهات، بموازاة تحرك الأنظمة البحرية المسيرة لتنفيذ مهام متنوعة، ما بين العمليات الهجومية وعمليات الاستطلاع وعمليات كسح الألغام وعمليات الإبرار البحري. كما يُمكن أن يكون تسلسل الهجوم مُتدرّجًا بدلًا من أن يكون مُتزامنًا، بحيث يُمكن للطائرات المسيّرة إجبار رادارات الدفاع الجوي على التفعيل وإطلاق الصواريخ الاعتراضية، مما يسمح لأصول الهجوم الأخرى بتحديد مصادر الإرسال أو استغلال ثغرات التغطية، ومن ثم تبدأ الأنظمة البحرية المسيرة في تفعيل أنشطتها، سواء ضد المواقع الساحلية والقطع البحرية، أو الأصول البحرية والبنية التحتية الموجودة تحت الماء.
يُعقّد هذا النمط – سواء كان في النسق التدريجي أو النسق التزامني – إجراءات التخطيط الدفاعي للطرف المقابل، إذ يتطلب كل نوع من الأنظمة المسيرة أجهزة استشعار وأساليب اشتباك مختلفة للتصدي له، ومن ثم قد تجعل هذه الإمكانيات الجانب المرتبط بـ”المناورة التكتيكية” في قوة المهام الجديدة، أكثر أهمية من مستوى القدرات التسليحية لأي منظومة مسيرة، لأن هذا الجانب يستهدف خلق عدة تحديات هجومية منخفضة التكلفة وموزعة جغرافيًا في آن واحد، مما يجبر الخصم على تقسيم موارده الدفاعية المتاحة، سواء كانت مرتبطة بالمراقبة والحرب الإلكترونية، أو مرتبطة بالاعتراض والدفاع القريب، لتصبح موزعة في نطاقات مختلفة، ما يساهم في الحد من فعالية القدرات الدفاعية للخصم.
4- استمرار الرهان الأمريكي على “فرق المهام المشتركة”:
من النقاط البارزة فيما يرتبط بقوة “فالكون سترايك” الجديدة، ما يرتبط بالجانب “الإقليمي” في هذه القوة، حيث بدأت القيادة المركزية الأمريكية، مشاورات مع عدد لم تفصح عنه من الحكومات الإقليمية، تمهيدًا لتوجيه دعوات رسمية لعدد من دول الشرق الأوسط، للانضمام للقوة الجديدة. حتى الآن لم تتضح ماهية الدول التي ستشارك في هذه القوة وحجم ومستوى هذه المشاركة، وهو أمر مفصلي في تحديد الحجم الإجمالي للقدرات القتالية للقوة الجديدة، خاصة ما يرتبط بالجانب “النوعي”، حيث لا يعرف حتى الآن ما إذا كانت هذه الدول ستشارك على المستوى الميداني المباشر – وهو ما يمكن أن يُنشئ ترسانة هجومية أكبر بكثير وأكثر انتشارًا جغرافيًا – أو عبر ضباط اتصال وعمليات استطلاع ودعم معلوماتي، وهو ما سيقتصر تأثيره الإيجابي على تحسين عمليات التنسيق وتبادل المعلومات، يضاف إلى ذلك عدم اتضاح ما إذا كانت الأصول العسكرية التي ستشارك بها هذه الدول، ستكون من صنع محلي، أم ستكون أمريكية المنشأ.
وبغض النظر عن هذا الغموص، قد توفر المشاركة الإقليمية في هذه القوة، ميزات تكتيكية هامة لها، إذ يُمكن لدول المنطقة أن تُتيح الوصول إلى السواحل والمطارات ومواقع الإطلاق خارج القواعد الأمريكية القائمة، مما يزيد من عدد الاتجاهات التي يُمكن أن تنطلق منها الهجمات المسيرة المتنوعة، وبالتالي يُصعّب على الخصم قمع القوة المهاجمة، بضرب عدد قليل من المنشآت المعروفة. كما يُمكن لنقاط الإطلاق المُوزّعة، أن تُحسّن من فرص البقاء، وتطرح في نفس الوقت مسألة “الردع عن طريق عدم اليقين الجزئي”، فقد يواجه الخصم الذي يواجه العمليات الهجومية لهذه القوة المشتركة، صعوبة في تحديد نوع التهديد الذي تعرض له، وموضع إطلاقه والجهة المباشرة المسئولة عنه.
في جانب آخر، تعتبر خطوة تشكيل هذه القوة الجديدة، تأكيدًا إضافيًا على استمرار الرهان الأمريكي على فرق العمل المشتركة، كنمط أساسي من أنماط التواجد العسكري الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط، واللافت في هذا الصدد أن قوة المهام الجديدة – التي تنضوي عمليًا تحت أحد أجهزة القيادة المركزية الأمريكية، وهي قيادة العمليات الخاصة المركزية – تعتبر امتدادًا لمسار طويل من “فرق العمل المشتركة” في الشرق الأوسط، تركز خلال العقود الماضية على المستوى البحري، ضمن جهاز آخر من أجهزة القيادة المركزية، ألا وهي القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، والتي أُسست في يناير 1983، بهدف تنسيق الدعم الإداري واللوجستي للقوات البحرية الأمريكية في الخليج العربي.

النقلة النوعية في مهام القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، بدأت عمليًا في فبراير 2002، حيث بدأت هذه القيادة في إنشاء “القيادة البحرية المشتركة”، بهدف تنسيق التعاون مع الدول الأخرى عبر شراكة بحرية دولية توفر الأمن للحركة البحرية المدنية، من خلال القيام بمهام مكافحة القرصنة ومكافحة الإرهاب في مياه الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، بما في ذلك البحر الأحمر والخليج العربي وخليج عدن وبحر العرب. تتحكم هذه القيادة، من مقرها العام في البحرين، بأربع فرق بحرية مشتركة رئيسية، تشارك فيها نحو ثلاث وثلاثين دولة من جميع أنحاء العالم، وتعمل هذه الفرق جنبًا إلى جنب مع الأسطول الأمريكي الخامس وفرق المهام البحرية والجوية التابعة له، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أ- فرقة العمل البحرية المشتركة 150:
- كانت في بداية تأسيسها أواخر عام 1990، عبارة عن فرقة قتالية بحرية تعمل في نطاق الخليج العربي كجزء من القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، لكن عُدّلت مهامها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتتحول إلى قوة مشتركة متعددة الجنسيات، لمراقبة الشحنات البحرية وتفتيش السفن المشتبه بها، وكذا المشاركة في جهود مكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي وشمال المحيط الهندي.
- حتى الآن ساهمت كل من أستراليا وكندا والدنمارك وفرنسا وباكستان واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا والهند وماليزيا وهولندا ونيوزيلندا والبرتغال وسنغافورة وإسبانيا وتايلاند وتركيا والمملكة العربية السعودية في هذه الفرقة المشتركة، وتتناوب الدول المشاركة فيها قيادة هذه الفرقة كل ستة أشهر.
- تتكون القوة الضاربة في هذه القوة من نحو خمس عشرة سفينة قتالية، تواجه محاولات القرصنة على السفن المدنية، وكذا تمارس حق التفتيش والزيارة على السفن المشتبه في نقلها مواد خطرة أو ممنوعة، بما في ذلك الأسلحة والذخائر، خاصة في نطاق خليج عدن. وقد نفذت هذه القوة أول اعتراض وتفتيش لسفينة شحن مدنية في ديسمبر 2002، حيث أوقفت الفرقاطة الإسبانية “نافارا”، سفينة شحن تابعة لكوريا الشمالية، كانت تنقل ذخائر ومتفجرات إلى اليمن.
ب- فرقة العمل البحرية المشتركة 151:
- مع تزايد عمليات القرصنة التي تستهدف سفن الشحن المدنية، أسست القيادة البحرية المشتركة في يناير 2009، فرقة العمل البحرية المشتركة 151، بهدف أساسي وهو مكافحة القرصنة البحرية في نطاق مسئولية الأسطول الأمريكي الخامس، بالتعاون مع فرقة العمل البحرية المشتركة 150، والقوات البحرية للدول الأخرى العاملة في هذا النطاق. الميزة الإضافية التي تميزت بها هذه القوة، هي أن نطاقها الجغرافي كان غير محدد بشكل فعلي، حيث بدأت في أنشطتها بناء على تفويض منحته لها قرارات مجلس الأمن رقم 1816 و1838 و1846 و1851 و1897.
- تألفت هذه القوة في بداية تشكيلها من ثلاث مدمرات فقط، لكن انضمت إليها لاحقًا قطع بحرية وجوية أخرى، وقد شاركت في هذه القوة بجانب الولايات المتحدة الأمريكية كل من تركيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وباكستان والدنمارك وتايلاند ونيوزيلندا والمملكة المتحدة واليابان والبحرين والكويت والبرازيل.
ج- فرقة العمل البحرية المشتركة 152:
- أُسست هذه الفرقة عام 2004، لتنسيق العمليات الأمنية البحرية المختلفة في نطاق الخليج العربي، بالتنسيق مع القوات البحرية وخفر السواحل لدول الخليج، وقد شاركت فيها حتى الآن كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا والبحرين والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة والكويت والأردن.
د- فرقة العمل البحرية المشتركة 153:
- دُشّنت في أبريل 2022، لتعزيز التعاون بين الشركاء البحريين الإقليميين، ضمن نطاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، بهدف أساسي وهو مكافحة عمليات تهريب الأسلحة والذخائر عبر الزوارق والسفن الصغيرة، وقد تولت سفينة الإنزال البرمائي الأمريكية “USS Mount Whitney” تنسيق عمليات هذه القوة، التي بدأت في منتصف أبريل 2022، دورياتها البحرية.
- يضاف إلى ما سبق، فرقة خامسة تسمى “الفرقة 154″، وهي مخصصة لعمليات التدريب البحري المشترك، وأُسست في شهر مايو 2023.
تحديات حاكمة:
إذا ما بُلور كل ما سبق في إطار أساسي، يمكن الوصول إلى مفهوم مبدئي لقوة المهام الجديدة، كقوة تكاملية ستجمع بين الاستطلاع وتحديد الأهداف، والعمليات الهجومية، وعمليات تقييم نتائج الهجمات، ضمن هيكل قيادة موحد ذي طابع إقليمي، بما يسمح باستخدام تشكيلة من المنظومات المسيرة منخفضة التكلفة، في عمليات هجومية متزامنة أو تدريجية، بدلًا من الاعتماد حصرًا على الأنشطة الجوية للطائرات المقاتلة أو الصواريخ الجوالة. لذا، من المرجح أن يكون العنصر الأكثر صعوبة في هذا المفهوم، هو آلية القيادة والسيطرة وليس تكتيكات الهجوم في حد ذاتها، وفي ظل غموض التفاصيل المتعلقة ببنية الاتصالات البينية داخل وحدات القوة الجديدة، أو برمجيات تخطيط المهام الخاصة بها، أو مستويات الاستقلالية التي تتمتع بها هذه الوحدات أو الدول المشغلة لها، ستظل مسألة ما إذا كانت القوة الجديدة، قوة قتالية متكاملة أم ستبقى مجرد مجموعة من وحدات تشغيل الأنظمة المسيرة، منتشرة في عدة دول بالشرق الأوسط، تعمل جنبًا إلى جنب بهوامش غير واضحة من الاستقلالية والتنسيق وتبادل المعلومات، مطروحة.
التحدي الأكثر أهمية فيما يرتبط بالقوة الجديدة، هو ما يرتبط بمصير مبادرات مماثلة شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وآخرها عملية “حارس الازدهار”، التي أعلنت عنها واشنطن أواخر عام 2025، كقوة متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، أُنشئت تحت مظلة القوات البحرية المشتركة وقيادة قوة المهام المشتركة 153 التابعة لها والتي تركز على تأمين البحر الأحمر. في ذلك التوقيت كانت التوجهات الأمريكية المستهدفة من تشكيل هذه القوة، ترتكز على “الردع المشترك للتهديدات” وليس فقط تأمين السفن المارة بجنوب البحر الأحمر، وهو الأمر الذي لم يُفعّل عمليًا خلال الأشهر اللاحقة، وأضيفت هذه المبادرة إلى مواقف مماثلة شهدتها قوة المهام البحرية المشتركة 153، وفرق العمل المشتركة الأخرى في منطقة الخليج، والتي شهدت بشكل عام، عزوفًا إقليميًا عن المشاركة في أية تحركات “هجومية” مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
خلاصة القول، إن قوة المهام الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط “فالكون سترايك”، تعتبر محاولة أمريكية لمواكبة التغير السريع في طبيعة الحروب، خاصة بعد الدروس الأخيرة التي ظهرت من مجريات الحرب في أوكرانيا وإيران، وأهمها ضرورة الانتقال من الاعتماد على تقنيات عسكرية باهظة التكلفة الإنتاجية والتشغيلية، إلى الاعتماد على تقنيات مسيرة متنوعة ومحدودة التكلفة، قادرة على العمل بشكل تكاملي، بحيث يُوفَّر هامش من الردع والقدرة على الانتشار السريع في منطقة الشرق الأوسط، وهو نموذج قد تعممه الولايات المتحدة في مناطق مسئولية القيادات العسكرية الأخرى التابعة لها حول العالم.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار تشكيل هذه القوة – في حالة تفعيلها بشكل كامل – بمثابة مؤشر على تطور رئيسي محتمل في تكتيكات الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ضمن إطار أكبر يرتبط باستراتيجية “نقل الأعباء” التي نصت عليها الوثائق الاستراتيجية الأمريكية الصادرة خلال العام المنصرم، بحيث تُشكَّل قوة ضاربة مشتركة، تتسلح بأنواع مختلفة من التقنيات المسيرة، بما يتيح للقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وسائل جديدة ومحدودة التكلفة، لإرباك الشبكات الدفاعية المعادية، مع الحفاظ على الصواريخ والطائرات المقاتلة المأهولة الأكثر تكلفة. لكن ستبقى مسألة تنسيق استخدام هذه التقنيات بشكل متزامن، وإيجاد وسيلة لتوحيد بنية القيادة والسيطرة لهذه الأنظمة بين الدول المشاركة في القوة الجديدة، بمثابة التحدي الأساسي الذي سيحدد ما إذا كانت هذه القوة ستتحول إلى أمر واقع في الشرق الأوسط، يفرض معادلات جديدة للردع، أم إنها ستلحق بما سبقها من مبادرات مماثلة.






























