تصاعدت خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 التصريحات الصادرة عن مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقيادة حزب الحركة القومية بشأن إعادة ترشيح أردوغان للانتخابات الرئاسية المقبلة، عقب تصريحات له في تجمع أمام أنصاره بولاية ريزة، مسقط رأسه، يوم 10 سبتمبر 2026، أعرب فيها عن ثقته بتجاوز الانتخابات المقبلة المقررة عام 2028 في ظل وحدة وتكاتف أنصاره، في تصريح يُعد الأوضح من نوعه لأردوغان بشأن تأكيد خوضه الانتخابات المقبلة، وإن لم يتضمن إعلانًا صريحًا لترشحه للرئاسة، وقد أعقبه بأيام تأكيد من محمد أوجوم كبير مستشاريه في 17 سبتمبر 2026 أن أردوغان سيترشح للمرة الأخيرة، طارحًا 16 أبريل 2028 موعدًا محتملًا لإجراء الانتخابات، كما دعا رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في 6 أكتوبر 2026 البرلمان لاتخاذ قرار بتجديد الانتخابات في الوقت المناسب بما يسمح لأردوغان بالترشح مجددًا، ومن شأن منح أردوغان ولاية رئاسية رابعة بعدما فاز في انتخابات 2014 و2018 و2023. وعليه، تناقش هذه الورقة الخطوات المتخذة لتهيئة البيئة الداخلية لإعادة انتخاب أردوغان والمسار الدستوري المقرر.
تهيئة البيئة الداخلية
اتخذت الحكومة التركية خطوات لإعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي تمهيدًا للانتخابات المقبلة، وهو ما يُمكن توضحيه على النحو التالي:
• تأمين النصاب البرلماني اللازم للدعوة إلى انتخابات مبكرة من خلال المكون الكردي: أدار الحزبيين الرئيسيين في تحالف الشعب الحاكم؛ العدالة والتنمية برئاسة أردوغان والحركة القومية برئاسة دولت بهتشلي، عملية هندسة المشهد السياسي التركي عمومًا، والتوازنات البرلمانية خصوصًا، بهدف تهيئة الظروف اللازمة لتأمين النصاب الدستوري المطلوب للدعوة إلى انتخابات مبكرة، والمقدر بثلاثة أخماس الأعضاء، وذلك عبر تحويل حزب المساواة الشعبية والديمقراطية، الممثل السياسي الرئيسي للمكون الكردي، إلى شريك في الترتيبات السياسية للتحالف الحاكم خلال المرحلة المقبلة، وذلك من خلال عملية “تركيا خالية من الإرهاب” التي تسارعت وتيرتها مؤخرًا وصولًا إلى إقرار القانون الإطاري المعروف بقانون “تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”، وإعلان حزب العمال الكردستاني سحب جميع عناصره المسلحة من الأراضي التركية في 8 أكتوبر 2026، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة التالية من العملية، المرتبطة بمراجعة أوضاع السجناء السياسيين الأكراد وتوسيع المجال المتاح أمام المشاركة السياسية الكردية.
وتنطوي هذه الترتيبات على صفقة سياسية يحصل بموجبها حزب المساواة الشعبية والديمقراطية على مساحة أوسع للتحرك والتمثيل السياسي، وضمانات تتصل بالحد من الملاحقات الأمنية والقضائية، مقابل تمرير أجندة أردوغان وحزب العدالة والتنمية السياسية، وفي مقدمتها منح أردوغان ولاية رئاسية رابعة، ومع الميل إلى الدعوة لانتخابات مبكرًا وليس تعديل الدستور، حيث استطاع التحالف الحاكم تأمين النصاب الدستوري اللازم لاتخاذ قرار الانتخابات المبكرة، والمقدر بـ 360 عضوًا من أصل 600 عضو في الجمعية الوطنية الكبرى، إذ يوفر تصويت حزب العدالة والتنمية (280 مقعدًا)، وحزب الحركة القومية (46 مقعدًا)، وحزب المساواة الشعبية والديمقراطية (56 مقعدًا) لصالح الانتخابات ما مجموعه 382 صوتًا.
• تفكيك حزب المعارضة الرئيسي: عمل أردوغان على توظيف الآلة القضائية لإضعاف حزب الشعب الجمهوري وتفكيكه، في أعقاب الهزيمة التي مُني بها حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المحلية التي جرت في 31 مارس 2024، والتي خلفت أثرًا نفسيًا وسياسيًا بالغًا لدى أردوغان وحزبه وتحالفه الحاكم، بعدما كشفت عن اتجاه متزايد للانفضاض عن الحزب، وإن اقتصر ذلك على المستوى المحلي ولم ينعكس بالدرجة نفسها على المستوى الوطني، ومثلت مؤشرًا على بدء تراجع مكانة حزب العدالة والتنمية باعتباره الحزب السياسي الأكبر والمتصدر الدائم للانتخابات، في مقابل نجاح حزب الشعب الجمهوري، للمرة الأولى، في استقطاب ناخبين انفضوا عن العدالة والتنمية، إلى جانب ناخبي قوى المعارضة الأخرى، بما أظهر قدرته على تشكيل تهديد حقيقي لاستمرار أردوغان وحزبه في السلطة. وعليه، استخدم أردوغان الأداة القضائية لإضعاف الحزب، بدءًا من اعتقال رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، عقب إعلان الحزب ترشيحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، مرورًا بحملة واسعة من الاعتقالات طالت رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين المنتمين إليه، وصولًا إلى الحكم الصادر في 21 مايو 2026 ببطلان المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب، بما ترتب عليه من إزاحة رئيسه المنتخب أوزغور أوزيل وإعادة الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو. وعلى إثر ذلك، قرر أوزيل في 24 يوليو 2026 الانشقاق وتأسيس حزب جديد تحت اسم “حزب الجديد”.
ومثل هذا الانشقاق أحد أكبر الانقسامات المعاصرة داخل حزب الشعب الجمهوري، وأزمة رئيسية تهدد تماسكه وتضعف فرصه الانتخابية، هو وحزب الجديد؛ إذ يرجح أن يؤدي إلى تعميق تشتت المعارضة وإحباط قطاعات من الناخبين، بما قد يدفع بعضها إلى العزوف عن المشاركة، فضلًا عن زيادة صعوبة توحيد قوى المعارضة في كتلة انتخابية واحدة، حتى على غرار تجربة تحالف الطاولة السداسية الذي خاض الانتخابات العامة 2023. كما لن يكون حزب الجديد قادرًا بمفرده على انتزاع السلطة من أردوغان وحزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المقبلة، في ظل حداثة تأسيسه وحاجته إلى بناء قاعدة جماهيرية واسعة ومستقرة، وصعوبة اعتبار التأييد الذي صاحب تأسيسه دليلًا كافيًا على امتلاكه قاعدة انتخابية راسخة، إذ قد يكون جزء منه مدفوعًا بالاحتجاج على التدخل السياسي والقضائي في إعادة تشكيل المعارضة، وليس بتأييد مستقر للحزب وبرنامجه.
وإلى جانب ذلك، سيواجه الحزب صعوبات في استقطاب بعض الشرائح الانتخابية التي أسهمت في تقدم حزب الشعب الجمهوري خلال الانتخابات السابقة، ولا سيما الناخبين الأكراد، الذين شكلت أصواتهم أحد عوامل تقدم الحزب، خصوصًا في الانتخابات المحلية لعامي 2019 و2024، إذ قد تميل هذه الكتلة بدرجة أكبر خلال المرحلة المقبلة إلى حزب المساواة الشعبية والديمقراطية، في ضوء ما اكتسبه من شرعية سياسية نتيجة مسار “تركيا خالية من الإرهاب”. كذلك، يفتقر الحزب إلى بنية تنظيمية تتيح له التواصل الجماهيري المباشر على مستوى الولايات، في ظل غياب شبكة من المقرات الحزبية التي يمكن توظيفها في تنظيم الحملات الانتخابية والتواصل المباشر مع الناخبين، فضلًا عن فقدانه جزءًا من الرصيد الجماهيري المرتبط بشخصيات بارزة كانت تمتلك القدرة على استقطاب الناخبين وحشد الشارع، ومن بينها رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش، الذي رغم استقالته من حزب الشعب الجمهوري فإنه لم ينضم إلى حزب الجديد، إلى جانب شخصيات أخرى كانت تمثل ثقلًا انتخابيًا وجماهيريًا داخل الحزب مثل أكرم إمام أوغلو.
وامتدت تداعيات الانقسام إلى الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري في الجمعية الوطنية الكبرى، التي كانت تضم 135 نائبًا، إذ انتقل 91 نائبًا إلى حزب الجديد، بما يعادل نحو 67.4% من إجمالي الكتلة، ليتراجع عدد نواب حزب الشعب الجمهوري إلى 44 نائبًا فقط، ومن شأن هذا التحول أن يؤثر في حسابات التصويت على قرار الانتخابات المبكرة، في ظل إمكانية انضمام نواب حزب الشعب الجمهوري إلى التصويت لصالح الانتخابات ضمن تفاهمات سياسية بين أردوغان وكمال كليتشدار أوغلو، وهو ما يعني توسيع قاعدة التأييد البرلماني لتصل إلى 426 صوتًا، موزعة بين 280 صوتًا لحزب العدالة والتنمية، و46 لحزب الحركة القومية، و56 لحزب المساواة الشعبية والديمقراطية، و44 لحزب الشعب الجمهوري، بما يوفر أغلبية تتجاوز النصاب الدستوري المطلوب لاتخاذ قرار بتجديد الانتخابات.
• إعادة تشكيل السيطرة الحزبية على البلديات: تكتسب السيطرة على البلديات والمقاطعات أهمية لدى الأحزاب التركية، باعتبارها إحدى ساحات ممارسة الحكم وإثبات القدرة على إدارة الشؤون المحلية، وتوظيف الموارد والإمكانات البلدية في تقديم الخدمات وتحقيق إنجازات تعزز القاعدة الشعبية للحزب، بما يمكن الاستفادة منه في الانتخابات العامة، وفي أعقاب إخفاق حزب العدالة والتنمية في تصدر نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، اتجه إلى مسارين لإعادة توسيع نفوذه على المستوى المحلي، هما استقطاب مسؤولين منتخبين من أحزاب المعارضة، والتدخل عبر الأدوات القضائية لعزل بعض المسؤولين المنتخبين، بما يتيح نقل السيطرة على بلديات فازت بها المعارضة إلى حزب العدالة والتنمية وتقليص قدرتها على الاستفادة من مواردها ومواقعها المحلية، فضلًا عن استنزاف الأحزاب المعارضة سياسيًا وتنظيميًا، عبر دفعها إلى الانشغال بالدفاع عن مسؤوليها المنتخبين ومواجهة التدخلات التي تطال إداراتها البلدية، على حساب الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفيما يتعلق بمسار انتقال رؤساء البلديات المعارضين إلى حزب العدالة والتنمية، فقد بلغ العدد منذ انتخابات مارس 2024 إلى أكتوبر 2026 نحو 108 رئيس بلدية، منهم 36 رئيس بلدية تابع لحزب الشعب الجمهوري، ويشمل ذلك ثلاثة رؤساء ولايات هي أزمير وأيدين وأفيون قره حصار، وثلاثة وثلاثون رئيس بلدية منطقة موزعين على 21 ولاية، بما في ذلك 4 رؤساء بلديات في أنقرة، و3 في كل من أيدين وانطاليا، و2 في كل من غازي عنتاب وتكيرداغ وقيصري وإسطنبول وإزمير، بينما سجلت كل من أفيون قره حصار وقونية ويالوفا وباتمان وأردهان وشرناق وتشوروم ونيغدة وأدرنة وكوتاهية وجناق قلعة وأرضروم وباليكسير، انتقال رئيس بلدية واحد في كل منها. وتكتسب بلدية أزمير دلالة سياسية مهمة كونها ظلت تحت إدارة رؤساء بلديات من الحزب الديمقراطي اليساري وحزب الشعب الجمهوري منذ عام 1999، ولم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بانتخاباتها المحلية على مستوى البلدية الكبرى، ومن ثم يُشكل انتقال رئيس بلديتها جميل توغاي إلى حزب العدالة والتنمية في 7 أكتوبر 2026 تحولًا لافتًا.
ولم تقتصر انتقالات رؤساء البلديات إلى حزب العدالة والتنمية على حزب الشعب الجمهوري، بل شملت 72 رئيس بلدية آخرين من أحزاب مختلفة ومستقلين، بما في ذلك 43 رئيس بلدية تابع لحزب الرفاه من جديد، و11 من حزب الجيد، و3 من كل من حزبي الديموقراطية والتقدم والمساواة الشعبية والديموقراطية، و2 من كل من حزبي الديمقراطي والسعادة، وواحد من حزب الوحدة الكبرى، إلى جانب 7 مستقلين. وامتدت هذه التحولات إلى عضوية المجالس البلدية، مع انضمام 6 أعضاء في مجلس بلدية أتاشهير بإسطنبول، سبق انتخابهم على قوائم حزب الشعب الجمهوري إلى حزب العدالة والتنمية، ما أدى إلى تراجع تمثيل حزب الشعب في المجلس إلى 19 عضوًا، مقابل ارتفاع تمثيل حزب العدالة والتنمية إلى 16 عضوًا، إلى جانب عضوين لحزب الحركة القومية.
وبالتوازي، شهدت الفترة ذاتها تصاعدًا في الإجراءات القضائية التي طالت رؤساء بلديات منتخبين، حيث صدرت قرارات اعتقال بحق 40 رئيس بلدية منتخبًا خلال هذه الفترة أُفرج عن بعضهم لاحقًا، إلى جانب اعتقال نائبين لرؤساء البلديات ورئيسي بلديتين سابقين، فضلًا عن خضوع رئيسي بلديتين للإقامة الجبرية في فترات مختلفة، في قضايا تتعلق بالفساد والرشوة والمناقصات والاشتباه في تشكيل تنظيمات إجرامية أو الانتماء إليها، إلى جانب اتهامات أخرى في بعض الحالات. وتصدرت إسطنبول التوزيع الجغرافي للاعتقالات، بما في ذلك رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو و16 رئيس بلدية منتخبًا و3 نواب رئيس بلدية، فيما توزعت حالات الاعتقال خارج إسطنبول على 12 ولاية أخرى، تضمن ذلك اعتقال رؤساء 6 ولايات هم مرسين وأضنة وانطاليا وأوشاك وبورصة وبولو، إلى جانب 17 رئيس بلدية موزعين كالتالي؛ 4 رؤساء بلديات في أزمير، و3 في مرسين، و2 في كل من أضنة وأنقرة، و1 في كل من انطاليا وأوشاك وغيرسون وأيدين ودوزجه وكوجالي.
وتزامن مع الملاحقات القضائية تعيين أوصياء تابعين للنظام الحاكم على 13 بلدية فازت بها أحزاب معارضة في 10 ولايات، انقسمت إلى 3 بلديات تابعة لحزب الشعب الجمهوري هي إسنيورت وشيشلي بإسطنبول، وأوفاجيك بتونجلي، و10 بلديات تابعة لحزب المساواة الشعبية والديمقراطية، هي ماردين وباتمان وهكاري وفان وسعرد، وبلدية مركز الولاية بتونجلي، ونصفتي بشانلي أورفا، وباهتشه سراي بفان، وأك دنيز بمرسين، وكاغيزمان بقارص. علاوة على ذلك شهدت بعض البلديات تغييرًا في الحزب الذي يديرها بعد اعتقال الرئيس أو نائبة المنتخب وإجراء انتخابات داخل المجلس البلدي لاختيار بديل، وشمل ذلك 6 حالات انقسمت إلى ولاية بورصة، و4 بلديات في إسطنبول، وبلدية في إزمير.
وتظهر التحولات بشكل واضح في بلدية إسطنبول، فقد فاز حزب الشعب الجمهوري بـ 23 دائرة انتخابية من أصل 39، بينما فاز حزب العدالة والتنمية بـ 16 دائرة، غير أن مع نقل المقاعد والاعتقالات، باتت الأغلبية في يد حزب العدالة والتنمية بواقع 22 دائرة، مقابل 17 للمعارضة، وسيتغير التوازن في مجلس البلدية إذا انضم 6 أو 7 أعضاء آخرين إلى حزب العدالة والتنمية. وبصفة عامة، يُرجح أن تؤثر هذه التحولات في موازين المنافسة خلال الانتخابات المقبلة، عبر توسيع الحضور التنظيمي والانتخابي لحزب العدالة والتنمية في بعض المناطق، والحد من قدرة أحزاب المعارضة على توظيف البلديات التي فازت بها لتعزيز شعبيتها وإثبات كفاءتها في الحكم.
• تحييد المرشحين المحتملين: عمل أردوغان على تحييد المرشحين المحتملين لمنافسته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وكانت البداية باعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، في 19 مارس 2025، حيث يواجه 13 قضية منها 12 قضية جنائية وواحدة فقط أمام القضاء الإداري، مع مطالبات بعقوبات قد يصل مجموعها إلى نحو 2430 سنة سجنًا، فضلًا عن سحب شهادته الجامعية، بما يفقده أهلية الترشح للرئاسة حتى دون صدور حكم جنائي بحقه.
وفي ظل احتمال طرح اسم منصور يافاش، رئيس بلدية أنقرة، بديلًا محتملًا لإمام أوغلو، بالنظر إلى قدرته على مخاطبة شرائح انتخابية تتجاوز القاعدة التقليدية لحزب الشعب الجمهوري، مستفيدًا من خلفيته القومية والمحافظة، وصورته العامة القائمة على الهدوء النسبي والتركيز على الأداء الإداري والخدمات المحلية، فضلًا عن إعادة انتخابه رئيسًا لبلدية أنقرة بهامش واسع عام 2024، بما يوفر له رصيدًا انتخابيًا وخبرة تنفيذية يمكن توظيفهما في تقديم نفسه باعتباره بديلًا عمليًا قادرًا على إدارة الدولة، فقد واجه بدوره ضغوطًا قانونية تمثلت في فتح تحقيقات خلال عامي 2025 و2026 بشأن إنفاق البلدية على الحفلات والمهرجانات، ومزاعم استخدام مواردها في أنشطة انتخابية، ومخالفات التخطيط العمراني، بهدف تحييده عن المنافسة الرئاسية المقبلة، لاسيَّما أنها تزامنت مع اعتقال إمام أوغلو وتصاعد التكهنات بشأن إمكانية طرح يافاش بديلًا له. كما يعزز لقاء يافاش بأردوغان في 9 سبتمبر 2026، وما أعقبه من استقالته من حزب الشعب الجمهوري وامتناعه عن الانضمام إلى الحزب المنشق عنه “الجديد”، مؤشرات استقطاب أردوغان له وإبعاده عن المنافسة الرئاسية، إذ يُرجح أن اللقاء تناول تفاهمات تقضي بعدم ترشح يافاش مقابل عدم ملاحقته قضائيًا، وتسهيل حصوله على الموافقات والمخصصات المالية اللازمة لتنفيذ مشروعاته الكبرى في أنقرة، بما في ذلك مترو أنقرة ومركز المعارض، مع تفضيله مواصلة العمل مستقلًا دون الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية.
كما قد يبرز أوزغور أوزيل كأحد المرشحين المحتملين، في ضوء ما اكتسبه من حضور سياسي منذ اعتقال إمام أوغلو، عبر قيادته تحركات المعارضة وتعبئة أنصارها للاحتجاج على الإجراءات القضائية المتخذة بحق قياداتها. ومن ثم، يمكن أن يتعرض لضغوط قانونية تستهدف تحييده عن المنافسة، في ظل الاتهامات الموجهة إليه بالحصول على رشوة تصل قيمتها إلى مليون يورو مقابل ضمان ترشيح محرم بوجاك لرئاسة بلدية أنطاليا في انتخابات 2024، فضلًا عن تقديم رشاوي ووعود بمناصب للمندوبين خلال المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب بهدف التأثير في تصويتهم لصالحه، وقد أُحيلت مذكرة رفع الحصانة البرلمانية عنه على خلفية هذه الاتهامات إلى وزارة العدل في أغسطس 2026، علاوة على بدء إجراءات التحقيق معه في مارس من العام نفسه بشأن اتهامه بإهانة هيئة المحكمة، بما يتيح استخدام هذه الملفات للضغط عليه ومنعه من خوض المنافسة الرئاسية.
• إطلاق البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل للفترة 2027–2029: رغم أن الأداء الاقتصادي لا يمثل المحدد الرئيسي للسلوك التصويتي للناخبين في الانتخابات العامة التركية، في ظل تأثير اعتبارات أخرى أكثر أهمية، أبرزها الاستقطاب الأيديولوجي والانقسام الهوياتي الذي يدفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى التصويت للأحزاب والشخصيات المنتمية إلى التيارات الأيديولوجية التي يتبنونها، حتى مع وجود تحفظات على أدائها، فإن تراجع المؤشرات الاقتصادية يظل إحدى الأوراق التي توظفها المعارضة لاستقطاب الناخبين، وهو ما ظهر تأثيره في الانتخابات المحلية السابقة.
وقد استمرت الضغوط الاقتصادية خلال عام 2026، في ظل بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 29.73% في سبتمبر، بالتزامن مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.3% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام، وهو أدنى معدل نمو خلال خمسة أرباع، وتراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.3% على أساس سنوي في يوليو، فضلًا عن انخفاض مؤشر ثقة المستهلك إلى 91.9 نقطة في سبتمبر. كما تعكس مؤشرات سوق العمل اتساع الضغوط المعيشية، إذ بلغ معدل البطالة الموسعة، الذي يشمل العاطلين عن العمل والراغبين في العمل ممن لا يبحثون عنه حاليًا، إلى جانب العاملين الراغبين في زيادة ساعات عملهم، نحو 30.6% في يوليو، مقابل 8.1% وفقًا لمعدل البطالة التقليدي. وتتجلى هذه الضغوط كذلك في اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، فرغم بلوغ الحد الأدنى الصافي للأجور 28.075 ليرة شهريًا في يناير 2026، ارتفعت تكلفة الاحتياجات الغذائية الأساسية لأسرة مكونة من أربعة أفراد في أنقرة إلى نحو 37.388 ليرة في أغسطس، فيما يواجه المتقاعدون صعوبات في تغطية احتياجاتهم الأساسية، في ظل بلوغ الحد الأدنى للمعاشات 23,552 ليرة شهريًا في يوليو، وهو مستوى يقل عن الحد الأدنى للأجور.
وعليه، تسعى الحكومة إلى إظهار تحركها لتحسين الوضع الاقتصادي واحتواء الاختلالات القائمة، حيث أعلن نائب الرئيس التركي جودت يلماز، في 6 سبتمبر 2026، البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل للفترة 2027–2029، الذي يحدد مستهدفات الحكومة بشأن النمو والتضخم والتشغيل والتوازنات المالية والخارجية خلال السنوات الثلاث المقبلة. وقدّر البرنامج نمو الاقتصاد التركي بنحو 3.3% في عام 2026، على أن يرتفع إلى 4.2% في 2027، و4.6% في 2028، و5% في 2029، مع استهداف خفض التضخم من 28.4% بنهاية عام 2026 إلى 21% في 2027، ثم 13.5% في 2028، وصولًا إلى 9% في 2029، وفيما يتعلق بسوق العمل، يستهدف البرنامج توفير 2.1 مليون فرصة عمل إضافية خلال فترة تنفيذه، وخفض معدل البطالة تدريجيًا من 8.1% في 2026 إلى 7.6% في 2029، كما يتضمن خفض عجز الحساب الجاري من 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 1.6% في 2029، مع استهداف تراجع عجز الموازنة من 3.1% إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها، رغم توقع ارتفاعه إلى 3.5% في 2027، وتنبع أهمية البرنامج من امتداد إطاره الزمني إلى فترة الانتخابات العامة المقبلة المتوقعة في عام 2028، بما يضفي بُعدًا انتخابيًا على مساعي الحكومة لتحسين المؤشرات الاقتصادية والحد من توظيف المعارضة للأوضاع المعيشية في انتقاد أدائها.
ورغم تنوع مستهدفات البرنامج فإنه يواجه قصورًا في بعض الجوانب، لاسيَّما في الجانب المتعلق بخفض التضخم إذ يستهدف تراجعه من 28.4% بنهاية عام 2026 إلى 9% عام 2029، رغم أن مستهدف التضخم بنهاية عام 2027 ارتفع من 9% في تقرير البنك المركزي الصادر في فبراير 2026 إلى 15% في تقريري مايو وأغسطس، ثم إلى 21% في البرنامج الجديد، بما يعكس تكرار مراجعة التوقعات السابقة بالزيادة وصعوبة السيطرة على ارتفاع الأسعار بالسرعة التي كانت الحكومة تتوقعها، وتكمن المشكلة في أن التضخم لايزال عند مستويات مرتفعة منذ فترة طويلة، ولم يتراجع بالقدر الكافي رغم السياسات المتبعة، كما أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتأثر الأسعار بتكاليف الاستيراد وسعر صرف الليرة، يجعل خفضه أكثر صعوبة. علاوة على أنه رغم استهداف البرنامج تسريع النمو الاقتصادي من 3.3% في 2026 إلى 5% في 2029، فإنه لا يوضح بصورة كافية كيف يمكن تحقيق هذا النمو بالتوازي مع خفض التضخم، ولا كيف ستنعكس زيادة الناتج وفرص العمل على دخول المواطنين، في ظل غياب إجراءات واضحة لتعويض تآكل الأجور الحقيقية والحد من الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة. كما أن البرنامج لم يتضمن آليات تنفيذية واضحة لمستهدفاته، إضافة إلى أنه أشار إلى أن تفاصيل السياسات والإجراءات المقرر تنفيذها خلال عام 2027 ستُحدد في البرنامج السنوي لرئاسة الجمهورية لعام 2027، بما يعني أن الوثيقة التي يفترض أن ترسم مسار السياسة الاقتصادية للسنوات الثلاث لا تقدم وحدها صورة مكتملة عن كيفية تنفيذ مستهدفاتها.
المسار المحتمل
تُشير التطورات الأخيرة إلى اتجاه التحالف الحاكم نحو تفعيل المادة 116 من الدستور كمسار قانوني لإتاحة ترشح أردوغان مجددًا، بدلًا من مسار تعديل الدستور الذي طُرح سابقًا كخيار آخر لفتح الطريق أمام ترشحه، وهي المادة التي تجيز منح الرئيس فرصة الترشح مجددًا حال اتخاذ البرلمان قرارًا بأغلبية ثلاثة أخماس الأعضاء، أي 360 عضوًا من أصل 600، بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة قبل موعد انتهاء الولاية الرئاسية رسميًا، ويفقد الرئيس أهليته للترشح مرة أخرى حال دعوته بنفسه للانتخابات المقبلة. ويستحضر هذا المسار الجدل الدستوري الذي رافق ترشح أردوغان في انتخابات عام 2023، إذ انتُخب رئيسًا للمرة الأولى عام 2014 في ظل النظام البرلماني، ثم أُعيد انتخابه عام 2018 بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي الذي أُقر بموجب تعديلات دستورية عام 2017، غير أنه خلال انتخابات 2023 استند حزب العدالة والتنمية إلى اعتبار انتخابات 2018 بداية احتساب ولايات أردوغان في ظل النظام الرئاسي الجديد، ومن ثم يُمكن أتاحه الترشح له مجددًا، وهو التفسير الذي قبلته الهيئة العليا للانتخابات، رغم الاعتراضات التي أثيرت بشأن احتساب الولاية السابقة.
وبالمثل، فإن تفعيل المادة 116 قبل انتخابات 2028 يمثل توظيفًا لثغرة دستورية تتيح لأردوغان الترشح لولاية رئاسية رابعة؛ إذ من المقرر إجراء الانتخابات في 7 مايو 2028، وفقًا للقاعدة التي تقضي بإجرائها يوم الأحد السابق لانقضاء خمس سنوات على موعد الانتخابات العامة السابقة، التي عُقدت في 14 مايو 2023. وبالتالي، فإن الموعد المقترح للانتخابات، في 16 أبريل 2028، لا يسبق الموعد المقرر سوى ثلاثة أسابيع، بما يعني أن أردوغان سيكاد يستكمل ولايته الرئاسية كاملة قبل الدعوة إلى الانتخابات، ولن يكون تقديم موعدها استجابةً لأزمة سياسية أو ظرف استثنائي يستدعي إنهاء الولاية قبل أوانها، بقدر ما يمثل ترتيبًا قانونيًا مقصودًا لتفعيل الاستثناء الوارد في المادة 116، الذي لا يرتبط تطبيقه بأي شروط تتعلق بالمدة التي قضاها الرئيس في الحكم أو المدة المتبقية من ولايته. وبذلك، تصبح الانتخابات أقرب إلى انتخابات مُقدم موعدها، تستفيد من الميزة الدستورية المترتبة على الدعوة إلى انتخابات مبكرة، دون أن تكون مبكرة فعليًا من حيث المدة الفاصلة عن الموعد المقرر، وقد سبق لأردوغان تقديم موعد انتخابات 2023 من 18 يونيو إلى 14 مايو، أي بنحو 34 يومًا، دون أن يعني ذلك عدم استكمال مدته الدستورية، غير أن تقديم الانتخابات هذه المرة عبر قرار برلماني بتجديدها يستهدف استيفاء الشرط الدستوري الذي يتيح له الترشح لولاية أخرى.
وتُشير هذه المتغيرات إلى أن المقولة الشائعة التي ترسخت في تركيا خلال السنوات الأخيرة، ومفادها أن “الجميع يتنافسون، لكن أردوغان يفوز دائمًا”، ستجد مكانها مرة أخرى خلال الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، رغم عدم تغيير الظروف الاقتصادية والسياسية كثيرًا مقارنة بالوضع خلال انتخابات 2023، بما في ذلك ارتفاع التضخم والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، والانتقادات المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة وتراجع المعايير الديمقراطية، غير أن التغير الأبرز يتمثل في توظيف تحركات السياسية الخارجية لتعزز صورة أردوغان داخليًا بوصفه قائدًا جعل تركيا أكثر قدرة على التأثير في مسارات المنطقة والعالم، مستفيدًا من صعود نظام سوري موالي لأنقرة، والنجاح في فرض تسوية للمسألة الكردية السورية تقضي بإنهاء صيغة الحكم الذاتي، وإدارة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران دون التورط المباشر فيها، والانخراط في الترتيبات الأمنية الإقليمية مثل تحالف مكة الدفاعي، في إظهار القدرة على توسيع الحضور إقليميًا والتأثير في متغيرات البيئة الإقليمية.
يُضاف إلى ذلك تعزيز سردية الاستقلال والقوة الوطنية وتنامي القدرات العسكرية والتكنولوجية للدولة من خلال توظيف تطور الصناعات الدفاعية وارتفاع صادراتها، التي بلغت نحو 5.79 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بزيادة سنوية قدرها 26.2%. علاوة على توظيف القضية الفلسطينية في تعزيز الرصيد الشعبي لأردوغان لدى القواعد المحافظة والقومية والشرائح المتعاطفة مع الفلسطينيين، سواء من خلال تصعيد الخطاب السياسي ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو إظهار التعاطف تجاه الفلسطينيين وسكان قطاع غزة، فضلًا عن تقديم تركيا باعتبارها طرفًا فاعلًا في جهود التسوية، مستفيدًا من دور أنقرة كضامن لاتفاق شرم الشيخ للسلام وعضويتها في مجلس السلام التنفيذي الخاص بغزة، فضلًا عن قدرتها على التواصل مع حركة حماس والتأثير في سلوكها.
ولا تقتصر فرص أردوغان في الانتخابات المقبلة على توظيف السياسة الخارجية لتعزيز صورته داخليًا، بل ترتبط أيضًا بطبيعة البيئة الانتخابية ومدى قدرة المعارضة على تقديم منافس حقيقي له، فبخلاف الانتخابات السابقة، التي اتسمت بقدر من التنافسية، وإن جرت في ظل بيئة غير عادلة تميل لصالح أردوغان وحزب العدالة والتنمية، تبدو فرص المنافسة الفعلية في انتخابات 2028 أكثر محدودية، فحتى إذا تقدم مرشحون جدد بحلول موعد الانتخابات، فإن أبرز الشخصيات القادرة على منافسة أردوغان تعرضت للإقصاء المبكر، سواء عبر إجراءات قضائية، كما حدث مع أكرم إمام أوغلو، أو من خلال ضغوط واتهامات بالابتزاز، مثلما حدث مع منصور يافاش، كما يحتفظ أردوغان بالمزايا نفسها التي أسهمت في استمرار هيمنته السياسية، بما يشمل السيطرة على جانب كبير من التغطية الإعلامية، والاستفادة من موارد الدولة، فضلًا عن تحالفه الانتخابي الذي يضم أحزاب العدالة والتنمية والحركة القومية والاتحاد الكبير والرفاه من جديد، وتمنح هذه الترتيبات التحالف الحاكم قاعدة انتخابية يقدر أن تأييدها يقترب من 40%، في وقت لا تبدو فيه المعارضة قادرة على تقديم منافس يقترب من هذا المستوى، وهو ما يبقي أحد العوامل التي أسهمت في فوز أردوغان عام 2023 قائمًا، والمتمثل في غياب شخصية سياسية تجمع بين هوية واضحة وبرنامج محدد وشخصية كاريزمية قادرة فعليًا على استقطاب الناخبين.
علاوة على ذلك، لا تزال العوامل التي أضعفت فرص المعارضة في الانتخابات السابقة قائمة، بل ربما ازدادت تعقيدًا في ظل تفكك حزب المعارضة الرئيسي وصعوبة إعادة بناء تحالف انتخابي واسع على غرار “تحالف الطاولة السداسية” الذي خاض انتخابات 2023، كما أن حزب الجديد الذي يسعى لأن يحل محل حزب الشعب الجمهوري، لايزال غير قادرًا على بلورة مشروع سياسي متكامل يمثل بديلًا واضحًا قادرًا على منافسة رؤية أردوغان أو استقطاب قاعدة انتخابية واسعة، كذلك، لا تزال الوجوه القديمة هي الأكثر حضورًا، دون بروز فريق سياسي متماسك يمتلك الخبرة والقدرة على تولي مسؤولية الحكم وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني التخلي عن هدف تعديل الدستور، وإنما يشير إلى أن تحقيقه قد يسلك مسارًا مختلفًا عن تبكير الانتخابات، وفي هذه الحالة، لا يرتبط توقيت التعديل بالضرورة بانتخابات 2028، بما يترك الباب مفتوحًا أمام إنجازه خلال الدورة البرلمانية الحالية أو إرجائه إلى الدورة المقبلة، وهي مسألة لا تزال غير محسومة في ظل تباين التقديرات داخل المعسكر الحاكم بشأن الجدول الزمني الأنسب، فمن ناحية، يلمح أردوغان ورئيس البرلمان نعمان كورتولموش ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي بضرورة إنجاز دستور جديد خلال الفترة الحالية، فيما يرى محمد أوجوم، كبير مستشاري أردوغان، أن ضيق الوقت والحاجة إلى إجراء نقاشات فكرية معمقة بشأن بنود الدستور يجعل إنجازه خلال الدورة البرلمانية المقبلة هدفًا أكثر واقعية.
وتشير المؤشرات الأولية إلى اتجاه مشروع تعديل الدستور نحو الإبقاء على المواد الأربع الأولى، التي تنص على أن تركيا جمهورية، وتحدد خصائص الدولة الديمقراطية والعلمانية والاجتماعية القائمة على سيادة القانون، وتؤكد وحدة الدولة وعدم قابليتها للتجزئة، واعتماد اللغة التركية لغة رسمية، وتحصين هذه المبادئ من التعديل، مع إمكانية إتاحة لغات أخرى بصورة اختيارية في التعليم، حيث يفهم من تصريح أوجوم بأن الدستور سيبقي اللغة التركية بوصفها اللغة الوحيدة الإلزامية في التعليم، إمكانية وجود لغات اختيارية، وهو ما يتماشى مع مساعي احتواء المطالب الكردية وحزب المساواة الشعبية والديموقراطية في إطار عملية “تركيا بلا إرهاب”.
كما يتجه التصور إلى الإبقاء على شرط حصول المرشح الرئاسي على 50% + 1 من الأصوات للفوز بالانتخابات، في موقف يتسق مع اعتراضات حزب الحركة القومية على المقترحات المتداولة لخفض هذه النسبة والاكتفاء بالحصول على أكثرية الأصوات، بما يحافظ على أهمية التحالف الانتخابي بين حزب العدالة والتنمية والحركة القومية، إذ إن خفض النسبة المطلوبة للفوز قد يقلل حاجة أردوغان إلى دعم حليفه، ويضعف الوزن الانتخابي والنفوذ التفاوضي للحركة القومية داخل التحالف الحاكم، بالمقابل، يشمل التصور تعديل قانون الأحزاب السياسية وقوانين الانتخابات واللائحة الداخلية للبرلمان، بما قد يستجيب لبعض مطالب الحركة القومية بشأن تنظيم الحياة السياسية، والتي تتضمن إعادة تنظيم التحالفات الانتخابية، وشروط مشاركة الأحزاب في الانتخابات، وقواعد تنظيمها وتمويلها.
ختامًا، يتضح أن أردوغان يقود مسارًا لإعادة تشكيل المشهد السياسي التركي الذي أفرزته الانتخابات المحلية في 2024، بهدف احتواء خسائر حزب العدالة والتنمية واستعادة زمام المبادرة، مع الحفاظ على مكتسباته السياسية وموقع شريكه، حزب الحركة القومية، داخل التحالف الحاكم، ويفضي هذا المسار إلى تهيئة الظروف الدستورية والداخلية لاستمرار أردوغان في الرئاسة خلال الفترة المقبلة، مع المضي قدمًا في تعديل الدستور وإن كان ذلك عبر مسار منفصل عن الانتخابات.






























