مقدمة
تُعدّ حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 علامة فارقة في التاريخ المصري؛ إذ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين مصر وإسرائيل، بل كانت اختبارًا لصلابة النسيج المجتمعي المصري، وقدرة جبهته الداخلية على الصمود والتلاحم في أشد اللحظات انحسارًا وانهيارًا، وفي قلب هذا المخاض الوطني؛ يبرز الدور المحوري للمؤسسات الدينية الكبرى الأزهر والكنيسة، باعتبارهما الركيزة الأساسية في تهيئة الأمة روحيًا ونفسيًا، وصياغة الوعي الجمعي نحو حتمية النصر والعبور.
تأتي أهمية هذا الطرح من تجاوزه للعوامل العسكرية والخطط الاستراتيجية؛ ليسلط الضوء على المسارات الكبرى للبعد القيمي، والروحي، والاجتماعي الذي مهد للعبور، وهو منظور وطني وشامل يفسر سر تماسك الدولة المصرية وبقائها صامدة أمام التحديات، فهذا التلاحم الشعبي الواعي، المدعوم بالعقيدة الدينية الثابتة وقوة الإيمان الراسخ، كان الدرع الحقيقي الذي حطّم خط بارليف وأعاد كرامة الوطن؛ وتتجلى هذه الأهمية أيضًا في إبراز الدور التاريخي للأزهر والكنيسة كصمام أمان للجبهة الداخلية، وتقديم نموذج مُلهم في كيفية توظيف الخطاب الديني الوطني والدعم الروحي لمواجهة الأزمات المصيرية وحماية الجبهة من التصدع والانقسام.
من هنا، تنطلق إشكالية الموضوع حول التساؤل الرئيسي الآتي: كيف أسهم الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، من خلال دورهما الروحي والوطني والمجتمعي في ترسيخ تماسك الجبهة الداخلية وشحذ الهمم وتعبئة الطاقات نحو عبور الهزيمة وتحقيق الانتصار؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات فرعية تتعلق بمدى فاعلية الخطاب الديني المشترك، وطبيعة اللقاءات، والفاعليات التي قادها علماء الدين ورجال الكنيسة مع الجنود والضباط على الجبهة، وكيف انعكست هذه الجهود الروحية، والتعبوية على الروح المعنوية للمقاتلين، لتشكل معًا تكاتفًا وطنيًا فريدًا يروي قصة عبور محفورة في ذاكرة الأجيال.
ونحن هنا بصدد التحرك بين المسارات الكبرى التي ظهرت جلية في حراك الأزهر والكنيسة، فإن تناول جميع أبعاد هذا الحراك أكبر كثيرًا من أن تتناوله ورقة بحثية واحدة وبهذا الحجم، مثل تلك التي بين أيدينا.
أولًا: الأزهر والكنيسة قبيل حرب أكتوبر معًا لتجاوز الصدمة:
الحراك داخليًّا لمزيد من الصلابة والاستعداد للحرب:
إزاء المنعطف التاريخي الحرج الذي واجهته الدولة المصرية في أعقاب ما حدث في يونيو 1967، وما خلّفه من تداعيات، برزت الحاجة الملحة لتوحيد الجبهة الداخلية وتأسيس خطاب وطني على أسس صلبة من التكاتف والتلاحم، وفي هذا السياق انطلقت المواقف المشتركة والمبادرات من المؤسستين الدينيتين الأزهر والكنيسة؛ لتشكل مظلة دينية ووطنية متكاملة؛ حيث سعت المؤسستان من خلالها إلى محو آثار الصدمة، وتعبئة الطاقات المجتمعية نحو الصمود والمقاومة، وتثبيت ركائز الوحدة الوطنية كدرع حصين لمواجهة التحديات المصيرية واستعادة الحق المسلوب.
تأسيسًا على ذلك، عُقد اجتماع عاجل بمشيخة الأزهر في أعقاب الخامس من يونيو عام 1967، ضم قيادات الأزهر الشريف كان على رأسهم الشيخ عبد الحكيم سرور مدير العلاقات العامة بالأزهر ووفدًا رفيع المستوى بعثه البابا كيرلس السادس([1])، وكان الوفد يتألف من أصحاب النيافة: الأنبا شنودة، والأنبا بوليس، والأنبا غريغوريوس، إلى جانب وكيل البطريركية القمص ميخائيل عبد المسيح، ومدير الديوان البطريريكي القمص جرجس عشم؛ وذلك لبحث تداعيات العدوان الإسرائيلي وسبل التعامل مع الأزمة الراهنة، وقد توُّج هذا الاجتماع بإصدار بيان وطني مشترك بين شيخ الأزهر الشيخ “حسن مأمون”([2]) والبابا كيرلس السادس، ([3]) جاء فيه:” إلى أصحاب الضمائر الحيَّة في أنحاء الدينا إلى الذين يستمعون العقول فيتبعون أحسنه، إلى الضمير العالمي الحر نبعثها صحية مدوية معلنة أن العرب أباة لا يقبلون الضيم، أحرار يرفضون الذلة..، إن العرب الأحرار -مسلمين ومسيحين- قد محوا من نفوس المستضعفين في الأرض..، إن الصهيونية العالمية عصبية جنس لا تمت إلى الأديان بصلة، وهي تعادي الإسلام والمسيحية، وتأبى إلا الاعتداء عليهما وعلى مقدساتهما، وليست هذه العداوة جديدة ولا مستحدثة إنما هي وليدة تاريخ طويل، إننا مسلمين ومسيحين نستنكر هذا الاعتداء الغاشم الذي وقع على البلاد العربية من طُغْمَة مفسدة شرذمة ضالة ..، إننا في موقفنا هذا ندعوا أمتنا العربية ألا يتهاونوا أو يتقاعسوا عن الجهاد دون حقهم والوقوف دون كل معتد وغاصب مهما تكتلت قوى البغي، وتجمعت أيدي العدوان ..، ونتوجه إلى الله أن يجعلنا دائمًا صفًا وحدًا كالبنيان المرصوص وراء قائدنا ورائدنا المخلص ومع كل المخلصين لقضية العرب والله معنا”([4]).
ووقّع شيخ الأزهر وبابا الإسكندرية على البيان المشترك، وأرسلا نسخًا خاصة منه إلى السكرتارية العامة للأمم المتحدة والمنظمات والهيئات العالمية.
علاوة على ذلك، جرى الاتفاق على تنظيم مسيرة دينية وشعبية حاشدة يتقدمها الإمام الأكبر وقداسة البابا، تعبيرًا عن سخط قادة الأديان السماوية في الشرق الأوسط واحتجاجًا على ما ارتكبته إسرائيل([5])، وفي تنسيق متواصل وبروح وطنية جارفه توالت اللقاءات التنسيقية بين الأزهر والكنيسة؛ دعمًا للجبهة الداخلية وتوحيد صفها ففي صباح (الأحد 28 يناير 1968)، توجَّه وفد من الأزهر الشريف يضم: الشيخ عبد الحكيم سرور (مدير الشئون العامة بالأزهر)، والشيخ طاهر زاهر (مدير مكتب الإمام الأكبر)، والشيخ عبد العزيز قنديل (السكرتير الخاص لشيخ الأزهر)، والأستاذ حلمي سمك (بالعلاقات العامة)، لزيارة البابا “كيرلس السادس” في المقر البابوي، وكان في استقبالهم عدد من كبار أساقفة الكنيسة وهم: الأنبا صموئيل، والأنبا دوماديوس، والأنبا غريغوريوس، إلى جانب القمص ميخائيل عبد المسيح الوكيل العام للبطريركية، خلال هذا الاجتماع، ألقى الشيخ عبد الحكيم سرور كلمة أكد فيها على عمق الترابط المصيري قائلًا: “..أيدنا في أيديكم متعاونين على كل خير لهذا الوطن، ومتضافرين لإجلاء هذه الطغمة، طغمة الشر والعدوان التي اعتدت على أراضينا ومقدساتنا، ولا تفرق في اعتدائها علينا بين المسلمين والمسيحيين، فهي تعتدي على الجميع في غدر وخيانة ونحن باتحادنا وتضافرنا وبإيماننا ومعونة الله لنا نستطيع بإذنه تعالى أن نجلي هذه الطغمة الفاسدة من أرضنا الطيبة”([6]).
تزايدت مظاهر الوحدة الوطنية والالتقاء على هدف واحد في تلك المرحلة الخطيرة من عمر الوطن؛ فاحتضنت كاتدرائية مار جرجس بطنطا ندوة وطنية كبرى عن موقف المسيحية من العدوان الإسرائيلي في يوليو 1967 حاضر فيها الأنبا شنودة، وشهدها محافظ الغربية إلى جانب عدد من علماء الأزهر الشريف يتقدمهم شيخ معهد طنطا الديني، ولم تكن هذه المحطة استثناءً، بل تكررت في مشهد له نظير بمدينة دمنهور؛ حيث عقد الأنبا شنودة ندوة وطنية أخرى بكنيسة الملاك ميخائيل، حضرها حشد من قيادات المحافظة تقدمهم شيخ جامع دمنهور الديني ونخبة من علماء الأزهر([7]).
ولم تقتصر هذه الجهود على المواقف الرمزية، بل تجسدت عمليًّا في اتفاق الطرفين على إطلاق مبادرات وزيارات مشتركة؛ لتعزيز صمود الجبهة الداخلية ومؤازرة التعبئة العامة في مواجهة العدوان، وتجلت هذه الروح الوطنية في ذكرى الإسراء والمعراج في (27 رجب 1388هـ / 18 أكتوبر 1968م)، حين وجه البابا كيرلس السادس كلمة تاريخية أذاعها نيابة عنه الأنبا غريغوريوس عبر إذاعة الشرق الأوسط ونشرتها الصحف بمناسبة تلك الذكرى، والتي أكَّد فيها: “أيها الأخوة والأبناء لقد جمع الله بيننا مسيحيين ومسلمين في هذا الوطن الكبير الذي تُقلنا أرضه وتُظلنا سماه.. وهو العليم بما تعانيه بلادنا في الشرق العربي كله، وما تقاسيه من شر عدوان إسرائيل على أراضينا..، لكننا نؤمن بالله الذي ينصر الحق على الباطل، وأنه بقدر ما يتوفر لنا من روح الألفة والاتحاد، وبقدر ما نوفق بإذنه في الوصول إلى أهدافنا السامية ونصرة قضيتنا العادلة”([8]).
لقد رسم تضافر جهود الأزهر والكنيسة وعملهما معًا في أعقاب ما حدث في يونيو 1967 أسس العمل لدورهما في معالجة الأزمة كما وضعا خطوطًا حمراء لا يجب الاقتراب منها ووضح للجميع خارج مصر قبل داخلها، أن الكتلة الصلبة للنسيج الوطني صعب على الجميع -بلا استثناء- الاقتراب منها، وقد انطلقت المؤسستان لتوسع من أدوارهما ولتزيد من اقتراب مصر من استعادة الأرض والحفاظ على الكرامة الوطنية
من تلك الفلسفة، فخطا الأزهر خطوات متسارعة مرتبطة بدوره وما يتفق مع تلك المرحلة من الحاجة إلى تكريس الوعي بخطورتها، وكان دوره الفقهي وإيضاح الأحكام إحدى الدوائر المهمة التي تحرك فيها الأزهر لبث المزيد من الوعي والفهم، وهو ما دفع شيخ الأزهر حسن مأمون لأن يصدر فتاوى حاسمة تقضي بأن الذود عن تراب الوطن وتحريره فريضة شرعية، وأن تواطؤ أي مسلم مع الأعداء يعد خيانة عظمى وجريمة من أشد الجرائم عقوبة في الإسلام([9])، لم تكن تلك الفتاوى في تلك الفترة نظريات فقهية معزولة، بل تحولت إلى واقع عملي حين ضرب الشيخ حسن مأمون المثل في مؤتمر جماهيري حاشد بجامعة الأزهر، معلنًا تطوعه الشخصي للجهاد في الصفوف الأمامية رغم وجود ثلاثة من أبنائه في الميدان، وقد صرح قائلًا: “إن لي في الميدان ثلاثة من أولادي ولكن ذمتي لن تبرأ أمام الله، وضميري لن يستريح أمام نفسي، حتى أتطوع للجهاد في مقدمة الصفوف بالميدان”([10]).
وظل شيخ الأزهر حسن مأمون يتحيَّن كل فرصة سانحة، دينية كانت أو وطنية، موظفًا إياها لتوحيد صفوف المصريين وشحذ عزائمهم نحو هدف استراتيجي واحد يتمثل في تحرير سيناء ودحر الاحتلال الإسرائيلي، ومن هذا المنطلق حرص على تحويل كل محفل إلى منبر للتعبئة المعنوية؛ ففي احتفالات الأزهر بذكرى رأس السنة الهجرية لعام (1388هـ/ 1968م)، وجّه للأمة خطابًا مستلهمًا فيه من معاني الهجرة النبوية الشريفة قيم التضحية والفداء، ورابطًا ببراعة بين ثبات العقيدة وحتمية الانتصار على العدوان([11]).
على المنوال ذاته، استمر الخطاب الأزهري ففي مارس من عام (1969م)، حوّل شيخ الأزهر، احتفالية “عيد الأم” إلى ملحمة وطنية تعيد تعريف الروابط الوجودية للإنسان بالأرض؛ وربط ببراعة بين حقوق الأمومة وحق الوطن الأبدي في الذود عنه، واصفًا الاحتلال الإسرائيلي بالطغمة الغاصبة التي تدنّس أرضًا طاهرة هي مهد النبوات، واختتم خطابه بدعوة جامعة لإصلاح ذات البين ووحدة الكلمة والصف، معتبرًا إياها الشرط الحتمي والسبيل الأوحد لبدء مسيرة النصر المعقود بنصر الله وعزته([12]).
استمر الأزهر على الخُطى نفسها مع تعيين الدكتور محمد الفحام([13]) شيخًا للأزهر في 17 سبتمبر 1969 الذي تصدى بحزم ووعي للحملات النفسية الممنهجة، والحروب المعنوية التي هدفت لزعزعة الاستقرار وإثارة النعرات الطائفية بين أبناء الوطن الواحد. وفي هذا السياق أصدر بيانًا تاريخيًا يعيد توجيه البوصلة الوطنية، محذرًا الشعب من مغبة الانسياق خلف الشائعات المغرضة التي تستهدف تمزيق صفوف الأمة، ومستدعيًا دروس التاريخ المجيدة من ثورة (1919) وعدوان (1956)، ومؤكدًا أن تلك السنوات من الكفاح المشترك طالما صهرت المسلمين والمسيحيين في بوتقة وجودية واحدة، تجمعهم آلام وآمال مشتركة، ويتساوى تحت سقفها حقوق الجميع وواجباتهم([14]).
لقد كان التعاون بين الأزهر والكنيسة في هذا الملف الداخلي على درجة عالية من النشاط في أواخر عهد البابا كيرلس السادس الذي وضع الأسس الصلبة للتلاحم الوطني في مرحلة الصمود عقب نكسة 1967، وعندما جاء البابا شنودة الثالث([15]) واصل هذا النهج الوطني بالزخم ذاته، كامتداد طبيعي لتلك العقيدة الوطنية الراسخة داخل الكنيسة؛ فلم تكن مواقف البابا شنودة منفصلة عن سابقتها، بل جاءت تأكيدًا عمليًّا على أن الكنيسة مؤسسة وطنية ثابتة الموقف لا تتغير بتغير الشخوص، بل تزداد راسخيةً في وقوفها إلى جانب الوطن في أشد ساعات الاختبار قسوةً ومصيرية، ففي إحدى عظاته الأسبوعية انطلق الموقف التاريخي للبابا شنودة من رؤية متكاملة للحالة المصرية قبل الحرب تتلخص في ركائز أساسية هي:(1): مشروعية الكفاح المسلح، والتأكيد على أن القوات المسلحة المصرية لا تخوض حربًا عدوانية، أو استعمارية، بل تمارس حقًا أصيلًا في الدفاع عن النفس واسترداد الأراضي المحتلة بعد استنفاد كافة السبل الدبلوماسية،(2): إرادة السلام العادل من خلال إبراز مسيرة الصبر الاستراتيجي والدبلوماسي التي خاضتها مصر تعثرت فيها المفاوضات بسبب التعنت الإسرائيلي ورفض الحلول السلمية؛ مما جعل الحرب خيارًا اضطراريًا لا مناص منه، (3): الاستناد إلى المرجعية الروحية والأخلاقية، وتأصيل الموقف المصري من واقع النصوص والمبادئ الدينية التي لا تجيز العدوان ولكنها توجب حمل السيف لدرء الظلم وإرساء دعائم العدل، استنادًا إلى قول الكتاب المقدس “الملك لا يحمل السيف عبثًا”([16])، لقد مثل هذا الموقف إعلانًا قاطعًا بأن الجبهة الداخلية المصرية، بمسلميها ومسيحييها، كانت نسيجًا واحدًا يلتف حول ثوابت الوطن، ويؤمن بأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على سيادة الحق وقوة الردع القادرة على حمايته.
وقد أكد على هذا في إحدى عظاته على قوة الوحدة الوطنية بترابط أبناء الوطن بجميع طوائفهم؛ حيث عملت الكنيسة والجامع بتناغم تام لدعم معركة الصمود، وامتزجت دماء المسلم والقبطي في مراكز التبرع، وتكامل دور الشيخ والقس على المنبر والمحراب في توعية الشعب وشحذ همم العطاء، مؤكدًا على أن هذا التلاحم لم يقتصر على الداخل، بل امتد ليتسع له أبناء مصر في بلاد المهجر بأمريكا وكندا وأوروبا وأستراليا، ليقدموا نموذجًا فريدًا في الوفاء والانتماء لوطنهم([17]).
وبدا أن وحدة الصف الداخلي وتلاحمه وتماسكه ومعالجة أزماته، وتحمل أعباء معركة استرداد الأرض والكرامة فرض عين على كل مصري وعليه التضحية بكل غال ونفيس، وهو ما دفع شيخ الأزهر عبد الحليم محمود([18]) لتوسيع دائرة التكليف الشرعي، مؤكدًا أن القتال أصبح فرض عين على كل قادر بالنفس والمال، ومحذرًا من خطورة التكالب على تخزين المواد التموينية، بوصفه تهديدًا مباشرًا للجبهة الداخلية؛ إذ يمثل هذا السلوك إيذاءً خطيرًا لعمليات القتال، ويرقى إلى درجة عظيمة من المعصية ([19]).
إننا نستطيع أن نتبين أنه من منتصف عام 1973 كانت الجبهة الداخلية المصرية في أقوى فترات تماسكها بفضل النشاط الكبير الذي قامت به مؤسستا الوطنية المصرية الأزهر والكنيسة؛ حيث شكلا معًا في تناغم فريد ركيزة أساسية من ركائز النصر، وأثبت قدرة المجتمع المصري على الالتفاف حول هدف وطني جامع وقت الأزمات.
- الأزهر والكنيسة في الجبهة بين رجال القوات المسلحة
لقد كان دورًا شاقًا وصعبًا أُلقي على عاتقي الأزهر والكنيسة مهمة استعادة الثقة وإعادة بناء المقاتل معنويًا ونفسيًا، وهي أولى الخطوات التي تأتي قبل الاعداد العسكري؛ فرغم أن الرغبة المتأصلة داخل الجندي المصري للانتقام من عدو غادر وحرب فرضت عليه ولم يخضها واحتلت أرضه التي لم يُمكن من الدفاع عنها، فإن هذه الرغبة تحتاج إلى دور روحي مهم من الأزهر والكنيسة؛ لذا فقد انخرطا سريعًا في تلك المهمة، فأعد الأزهر مع القوات المسلحة برنامجًا توعويًا متكاملًا استهدف غايتين أساسيتين:
(1): اجتثاث الآثار المعنوية والنفسية السلبية التي خلفتها هزيمة يونيو 1967.
(2): إعادة بناء معنويات الجندي المصري على عقيدة إيمانية صلبة تُمده بأنبل حوافز الصمود والنصر([20])، فوجود وعاظ الأزهر وعلماؤه مع الجنود والضباط في الخنادق، والتحامهم بالصفوف الأولى على الجبهة جنبًا إلى جنب، ليقدموا الدعم النفسي، والإيماني المباشر، مشاركين إياهم أصعب ظروف القتال، ونجحوا في ربط التقاليد العسكرية بـتعاليم الدين الحنيف والسنة النبوية، وعلاج النقائص بأوامر ونواهي القرآن الكريم([21])، ونشطت أجهزة التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة تعمل في تعاون وثيق معهم لتحقيق الأهداف والغايات السابقة، عن طريق الكلمة المقروءة والمسموعة ونشرات التوعية والصحف الميدانية؛ لضمان بقاء الروح المعنوية والعقدية للجنود في أعلى مستوياتها قبيل المعركة الفاصلة([22])، كان الأزهر في طليعة لجنة “التعبئة الروحية” المنبثقة عن اللجنة العامة للجان المواطنين من أجل المعركة والتي وضعتها الدولة؛ لرفع الروح المعنوية للأفراد والقوات المحاربة.([23])
وعلى الرغم من آلام المرض ومشقة السفر إلى الجبهة في تلك الظروف العصيبة، قام شيخ الأزهر “حسن المأمون” بزيارة الوحدات العسكرية المختلفة، وعقد لقاء جماهيريًا في مدينة السويس مسجلًا مقولته الخالدة تعبيرًا عن إخلاصه: “لعلي أُغبِّرُ قدميَّ في سبيل الله، قبل أن ألقى ربي.. وأعيشُ هذه اللحظاتِ بين الصامدين والمجاهدين في الجبهةِ”([24])، ولا شك أن هذه الزيارة نجحت في بث الأمل ورفع معنويات الجنود، وحث أهالي السويس على الصمود.
كما قام الشيخ “محمد محمد الفحام” بعد تعيينه في مشيخة الأزهر بزيارة جبهة القتال، فوظف خطابه الديني ليكون دافعًا معنويًّا قويًّا للثأر واسترداد الكرامة، ويتجلى ذلك بوضوح في كلمته للمجاهدين خلال زيارته للجبهة في شهر رمضان المبارك (عام 1389هـ / 1969م)؛ حيث ربط بين معاني الصيام والجهاد والاستشهاد، قائلًا: “أيها الأبطال.. أيها المجاهدون.. يا أمل الوطن ويا حماة الحق ويا جند الله إنكم تخوضون معركة مقدسة ضد عدو غادر.. ولم يعد أمامكم من خيار، فإما النصر وإما الشهادة”([25]).
واستكمالًا لهذه الزيارات توجّه وفد من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية إلى جبهة القتال، وضمَّ كلًا من: الدكتور محمد عبد الغني شامة، والشيخ عبد الرحمن عبد الفتاح الزغبي، والشيخ عبد الحميد ندا، والشيخ متولي يوسف شلبي. وقد طاف هذا الوفد بمختلف مواقع الجنود والقادة، زارعين في نفوسهم روح المقاومة والاعتزاز بالجهاد([26])، وتواصلت جهود القيادات الأزهرية على جبهة القتال عبر محطات متعددة ومناسبات ارتبطت بمسيرة مصر الحضارية ليذكروا رجال القوات المسلحة بما حققه أسلافهم من تضحية وفداء وتحقيق الانتصارات؛ ففي (رجب 1390هـ/1970م)، قام وكيل الأزهر آنذاك، الدكتور عبد الحليم محمود، بزيارة جبهة القتال على رأس وفد من “لجنة المواطنين من أجل المعركة”؛ حيث ألقى محاضرة عن معاني الإسراء والمعراج على الضباط والجنود لربط تضحياتهم بالدروس الإيمانية الكبرى([27]).
وانخرطت الكنيسة بكُلّيتها في تعبئة الروح المعنوية للجنود على الجبهة، وتأصيل الوعي الوطني بأن الدفاع عن الأرض واجِبٌ مقدسٌ لا يقل قُدسية عن الإيمان ذاته، ففي الاحتفال بعيد الميلاد في 7 يناير 1970 وجه البابا كيرلس السادس كلمة للجنود المرابطين على الجبهة قائلًا: “إليكم أيها الجنود الأبطال الشجعان الرابضون على خط النار، سلام من ملك السلام.. نبارككم ونحييكم.. واعلموا أيها الأبناء أننا ننظر إليكم على أنكم سفراء لبلدكم في مواقع النضال تذودون عن الوطن، وتدافعون عن أهلكم، وأقربائكم، ومواطنيكم رجالًا ونساءً، وأطفالًا، فأنتم عن كل الشعب المصري، تحاربون عن كرامة الوطن ضد الاعتداء الأثيم على قطعة من أرض بلادكم، فاصمدوا، واثبتوا، وتشجعوا، وتقووا..”، وفي عيد القيامة الموافق 26 أبريل 1970، عاد ليُوجه كلمة للجنود، أوضح فيها أن قيامة السيد المسيح تحمل رسالة مباشرة لواقعهم؛ فكما احتمل الظلم وتغلب عليه، فلتعش قلوبكم بمعنى القيامة والثقة المطلقة بأن “الضعف سينقلب إلى قوة، والهوان سيتحول إلى مجد، والهزيمة ستتبدل إلى نصر”([28]).
وفي 10 أبريل 1972 زار البابا شنودة الجبهة في أول زيارة له كرأس للكنيسة المصرية وحرص في كلمته للجنود على مخاطبتهم بروح الأخوة والاصطفاف قائلًا: “أحييكم كواحد منكم، فقد تخرجت في مدرسة المشاة للضباط الاحتياط سنة (1947)، مبينًا أن العسكرية تعلّم النظام والشجاعة”، ومؤكدًا على أن العدو المشترك للمسلمين والمسيحيين هم اليهود، مفندًا الادعاءات التاريخية والدينية لهم بشأن شبه جزيرة سيناء؛ حيث ذكر بأنها لم تكن أبدًا “أرض الميعاد”، بل كانت “أرض المتاهة” ومكان تأديب ومدفنًا سقطت فيه جثث الإسرائيليين المتمردين الذين تاهوا فيها أربعين عامًا حتى هلكوا، مبديًا أن فكرة أرض الموعد قد انتهت بمجيء السيد المسيح u([29]).
ودافع البابا شنودة دفاعًا مستميتًا عن سيناء، وأنها شهدت خطايا إسرائيل وتمردها على الرب وعلى نبيه موسى عليه السلام([30])، وأن الدفاع عن الوطن مسئولية مقدسة لكل المصريين مسلمين ومسيحيين، وصاغ مقولته الخالدة التي أصبحت مصدر إلهام للشباب والجنود: “إن مصر ليست مجرد وطن نعيش فيه، ولكنها وطن يعيش فينا”([31])، وتابع يحمِّس القادة والجند مؤكدًا عدالة القضية ومشروعية المعركة؛ فالحرب في عقيدته هي حرب عادلة بالضرورة، لأنها واجب مقدس لا إثم فيه ولا خطيئة، وشدد على الفارق الجوهري بين الحق الشخصي الذي يملكه المرء والتنازل عنه، وبين حق الله والوطن الذي لا يُؤذن لأحد بالتفريط فيه، واستشهد بتعاليم السيد المسيح في التضحية والفداء قائلًا: “لا يوجد حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن أحبّائه”، معتبرًا الجنود المرابطين مبذولين لأجل أسرهم وأحبائهم، ومدافعين عن أرض تقدّست كل حبة رمل فيها، مستحضرًا مصر العظيمة وتاريخها المبارك بمرور الأنبياء إبراهيم ويوسف الصديق عليهما السلام، ليؤكد أن الدفاع عن هذا الوطن شرف عظيم وواجب مقدس، وأننا نصلي باستمرار من أجل أن يحفظكم الله، ونرجو أن تنتهي الحرب دون أن نفقد واحدًا منكم([32])، وفي الوقت ذاته توجّه البابا إلى عموم مسيحي مصر داعيًا إياهم أن يصلّوا جميعًا من أجل كل أولادنا المحاربين في سيناء؛ لكي يحفظهم الرب بيمينه الحصينة، ويردهم إلى أسرهم سالمين، كما أمرهم بأن يصلّوا من أجل قادتنا؛ ليمدهم الرب بالحكمة ويؤيد جهادهم بالنصر([33])، وفي ختام الزيارة، شارك البابا شنودة الجنود تناول وجبة الغداء، وزار المصابين والمرضى في أماكن علاجهم، مصليًا من أجلهم ومطمئنًا عليهم، ومؤكدًا لهم أنه كان يود أن يقضي معهم أيامًا لولا أن شواغله الكنسيَّة تعوقه عن ذلك، واختتم زيارته بتوزيع بعض الأناجيل والكتب الدينية على الجنود المسيحيين([34]).
وفي اليوم التالي 11 إبريل 1972 عاود شيخ الأزهر “محمد الفحام” زيارة الجبهة برفقة نخبة من علماء الأزهر، تهيئةً للنفوس استعدادًا لخوض معركة أكتوبر، ولقد أثمرت هذه الجهود الميدانية المكثفة لعلماء الأزهر عن إعادة بناء وجدان المقاتل المصري، وبث الدماء الجديدة في شرايين الأمة.
- حراك الأزهر والكنيسة على المستويين الاقليمي والدولي
لم يكن الأزهر والكنيسة بعيدين عن أهمية البعدين الاقليمي والدولي خاصة وأن لهما صلات عميقة ومتجذرة وتاريخية في هذا المجال لذا كان حراكهما مثمرًا وفاعلًا فخطا الأزهر خطوات كبيرة خارج مصر ومنها أن وجّه شيخ الأزهر حسن مأمون رسالةً في شهر أغسطس 1967 إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون (Lyndon B. Johnson) ([35])، مُبينًا أنه عكف على التفكير في صياغتها منذ اللحظات الأولى لاندلاع العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو 1967، وتأكد عزمه على إرسالها إثر ما تواترت به وكالات الأنباء العالمية وتقارير الأحداث من تورط الإدارة الأمريكية ومستشاريها في التخطيط المباشر للعدوان، ومشددًا على أن “من التجني على الحق تبرئة أمريكا ورئيسها من هذا العدوان”([36]).
لم يقف دور الأزهر عند ذلك بل أطلق نداءات لحكام العرب والمسلمين، حثهم فيها على استثمار ورقة “البترول” سلاحًا استراتيجيًا ضاغطًا لمعركة المصير، ومبينًا أن المواجهة أبعد ما تكون عن كونها نزاعًا إقليميًا عابرًا، بل هي اصطدام وجودي مع تحالف إمبريالي غاشم يضم الولايات المتحدة وبريطانيا بجانب الكيان الغاصب، وقد تجلى ذلك بوضوح في قوله: “إن مصر لا تحارب إسرائيل وحدها إنها تُكافح العدوان الموتور عدوان أمريكا، وبريطانيا.. علينا أن نقابلهم بالسلاح القوي الذي يُنفذ العرب إلى قلوبهم، ذلكم السلاح هو سلاح البترول، فعزتك أيها العربي وبقاء العروبة وعزة الإسلام.. كل هذا ينادي أن تقطع عنهم شريان حياتهم حتى يكتب الله لك النصر والتأييد”([37]).
استمرارًا لتلك الجهود التقى شيخ الأزهر حسن مأمون خلال شهر إبريل 1968 غبطة الكاردينال “مكسيمليان دي فيوستنبرج” مبعوث الفاتيكان للشرق الأوسط. وقد أكد الإمام الأكبر خلال اللقاء أن العدوان الصهيوني يستهدف منظومة القيم الدينية برمتها، موضحًا أن الصهيونية عقيدة عنصرية عصبية تتجرد من الساميات الروحية للأديان، ومطالبًا الضمير الإنساني العالمي بضرورة مؤازرة الحق العربي وصد الأطماع الاستعمارية، وهو الطرح الذي قوبل بتفهم بابوي عميق يعكس تقاطر الضمائر الحية على رفض الظلم والعدوان([38]).
وفي أكتوبر من عام (1969)، استقبل شيخ الأزهر محمد الفحام “عبد الستار سترت” عميد كلية الشريعة بأفغانستان؛ لبحث سبل تأييد نضال الشعب المصري ضد الصهيونية، وتزامن ذلك مع استقباله سفير تشيكوسلوفاكيا في القاهرة “ليجيسلاف نوفاك” في لقاء عكس تضامن بلاده ومساندتها الثابتة لمصر في كفاحها المشروع لاسترداد أراضيها المغتصبة([39]).
وفي صورة أخرى لدور الأزهر لدعم المجهود الحربي سجل مبعوثو الأزهر في الخارج مواقف مشرفة في دعم المجهود الحربي ماديًا؛ فالبعثة الأزهرية في الجزائر تبرع أعضاؤها بمبلغ يقدر (36275 دينار جزائري)، وكان جملة ما تبرع به أعضاء البعثة الأزهرية في ليبيا بمبلغ (2208,700 جنيهًا مصريًّا) بينما تبرع طلبة الجامعة الإسلامية في ليبيا بمبلغ (1507,300 جنيهًا مصريًّا)، كما تبرع أعضاء البعثة الأزهرية في لبنان بمبلغ يقدر بـ (1670 جنيهًا مصريًّا)([40]).
على الخطى نفسها التي رسمها الأزهر والكنيسة للعمل في تلك المرحلة أصدر البابا كيرلس السادس في يناير 1970 -وبمناسبة الاحتفالات بعيد الميلاد- توجيهاته الواضحة لوفود الكنيسة المصرية في الخارج للعمل الجاد على شرح قضايا الوطن العادلة، وتوضيح موقف الكنيسة الحاسم الرافض للعدوان الإسرائيلي، والتصدي لمزاعم الاحتلال وتفنيدها في كل المحافل الرسمية وغير الرسمية، عبر الخطابات والمخاطبات العامة والخاصة([41])، لتتحول المؤسسة الكنسية بذلك إلى جسر دبلوماسي فاعل يحمل صوت الحق المصري إلى ضمير العالم أجمع.
وإبرازًا للدور الفاعل والواسع لأبناء الكنيسة خارجيًّا في معركة المصير، تلقى البابا شنودة الثالث برقية من أقباط المهجر في ولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، تفيد بمشاركتهم في أعباء معركة التحرير والنصر، وقاموا بشراء قائمة بالأدوية والمستلزمات الحيوية التي تتطلبها المعركة، وجاءت في حجم (87 طردًا كبيرًا) من فرنسا، كما تلقى البابا أيضًا برقيات تأييد أخرى من أبناء الكنيسة في أمريكا وكندا وأستراليا، وهو ما نال تقديرًا من وزارة الخارجية المصرية لهذه الجهود الوطنية التي بذلها أبناء الكنيسة في الخارج لدعم وطنهم الأم([42])، وعلى مثل ذلك سار مجلس الكنائس العالمي الذي أرسل إلى البابا دعمًا عينيًا لسد حاجة بعض المستشفيات في مصر من بعض التجهيزات والأدوية والمستلزمات الطبية([43]).
ثانيًا: الأزهر والكنيسة أثناء حرب أكتوبر.. حراك أكثر مع نصر أكبر:
عندما كانت دقات الحرب الأولى تطرق الابواب اجتمع الرئيس محمد أنور السادات بالبابا شنودة والمجلس الملي والمطارنة؛ وذلك بهدف توضيح الموقف السياسي مع إسرائيل وأهمية وحدة الجبهة الداخلية لتحقيق الهدف الوطني، وفي إطار هذا التقارب والتنسيق، اقترح الرئيس السادات أن يحضر ليلقي كلمة في كنيسة الأقباط وكذلك البابا شنودة؛ حيث حضر الرئيس إلى الكنيسة وألقى البابا شنودة خطبة رائعة، وتأكيدًا لهذا التلاحم قرر الرئيس السادات بعد الخطاب أن يصلي صلاة الجماعة في الكنيسة، كما عقد الرئيس في أعقاب هذا اجتماعًا مماثلًا مع قيادات الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية([44]).
كان هذا في وقت الذي قام فيه الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، بإعداد كتاب “عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر” في 30 يونيه 1973 بالتعاون مع الأزهر والكنيسة وذلك لتعبئة معنوية وروحية للمقاتل المصري وتهيئته للمعركة والتأكيد على قيم الثقة والشجاعة والاستشهاد، مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة وتعاليم مسيحية تحث على الجهاد والصبر وبشارة النصر، مؤكدًا على أن الجندي المؤمن بعدالة قضيته هو الأقدر على مجابهة الصعاب، وتحقيق النصر([45]).
وحينما عرض الرئيس أنور السادات قرار الحرب على شيخ الأزهر عبد الحليم محمود قبيل الحرب كان من أوائل المؤيدين، بل قال كلمته المشهورة: “إذا أردتم الجهاد فأنا أول المجاهدين، وإذا أردتم الشهادة فسأكون في الصفوف الأولى”، لقد زرع في القلوب يقينًا أن النصر وعد إلهي إذا توفرت شروطه من إعداد وإخلاص([46])، فقد كان موقفه واضح من قضية الصراع مع العدو الإسرائيلي؛ إذ كان يرى أن المعركة ليست مجرد نزاع حدود أو سياسة، بل معركة عقيدة ووجود، وأنها صورة من صور الجهاد في سبيل الله، الذي أمر الله به لرد العدوان ونصرة المظلوم، ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب إلى الرئيس السادات ليبشره بقرب النصر، قائلًا له ثقة: “أوصيك باتخاذ قرار الحرب لأننا سننتصر؛ فقد رأيت في المنام النبي محمدًا r يعبر قناة السويس ومعه عدد من علماء المسلمين وجنود القوات المسلحة يكبرون”، وقد استبشر الرئيس السادات بهذه الرؤيا المباركة، لتكون رافدًا إضافيًا من العوامل التي حسمت قرار خوض حرب أكتوبر عام 1973([47]).
وبعد أن عبرت القوات المسلحة القناة، أصدرت الهيئات الدينية الإسلامية والمسيحية وعلى رأسها الأزهر، في 7 أكتوبر 1973 بيانًا تاريخيًا مشتركًا صاغه شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود والبابا شنودة الثالث أُعلن فيه اصطفاف الشعب المصري بكل طوائفه وراء القيادة السياسية لصد العدوان وتحرير الأرض والتأييد الكامل للقيادة العامة للقوات المسلحة، وتوجيه النداء للمقاتلين الأبطال على الجبهة بحثهم فيه على القتال، والكنائس المصرية للقيام يوميًا بالصلوات من أجل تحقيق النصر، مؤكدين على أن الإيمان قوة لا يستهان بها، وأن التضحية تكون بكل غال ونفيس([48]).
وأرسل شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود برقية إلى الرئيس السادات في 8 أكتوبر 1973، تعبر عن الدعم المطلق؛ يعلن فيها: باسم علماء الإسلام، وباسم مجمع البحوث الإسلامية، وعلماء الأزهر وطلابه والعاملين به، أنه يضع نفسه وزملاءه وأبناءه تحت تصرف الرئيس في خدمة معركتنا المقدسة ضد أعداء الله وأعداء الإنسانية([49])، كما بعث البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ببرقية إلى الرئيس السادات جاء فيها: ” الله الذي اختاركم لحمل المسئولية في هذه الظروف العصيبة هو أيضًا معكم وينصركم وينصر البلاد بكم فليعمل الله فيكم وبكم ومعكم لأجيال مصر العزيزة المحبوبة التي نفتديها بأرواحنا.. وليحفظ الرب سلامة جنودنا البواسل في الجبهة وفي كل موقع”([50])، وفي هذه الأثناء قام المجلس الملي العام غداة نشوب المعركة بإرسال برقية إلى الرئيس جاء فيها: “المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس يؤيد سيادتكم في الخطة الحكيمة الموفقة ويؤكد لسيادتكم أن أعضاء المجلس الملي والأقباط جميعًا يسيرون خلفكم صفًا واحدًا إلى جانب المسلمين في معركة المصير مضحين بأرواحهم وبكل ما يملكون في سبيل تحرير الأرض وإحراز النصر ..”([51])، ودعا المجلس الملي العام المصريين للتطوع في الدفاع المدني، وفي الإسعاف والتمريض، وفي التبرع بالدم، وبالمال والعمل على ما يشد أزر القوات المسلحة، ويدعم المجهود الحربي([52]).
لم يقتصر دور الأزهر على داخل مصر؛ بل وجّه نداءً تاريخيًّا شاملًا إلى المسلمين في شتى أنحاء العالم مع اندلاع القتال، داعيًا إياهم -باسم علماء الأزهر- تأييد مصر في الحرب التي تخوضها والتي تستوجب بذل المهج والأموال والتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل تخليص المقدسات وأراضيها من دنس الاحتلال الصهيوني، ووجّه رسالة قلبية مؤثرة إلى جنود مصر محفزًا إياهم بالقول: “يا جنود الله ويا أمل أمتكم، إن أعين أجدادكم وآباءكم تتطلع اليوم إليكم من وراء الأجيال، تنتظر منكم أن يرتد البصر قريرًا وسعيدًا بما تقدمونه من تضحية..”، لتكون هذه الكلمات بمثابة زادٍ روحي ومعنوي يضاعف من عزم الأبطال على أرض المعركة([53]).
كرر شيخ الأزهر في 9 أكتوبر تحيته إلى المقاتلين المرابطين على أرض سيناء الطاهرة، محفزًا إياهم على “ضرب الأعداء فوق الأعناق وخوض معارك الحق”، ومعلنًا عن عزمه زيارتهم ومشاركتهم النصر على أرض الميدان فور تهيئة الظروف الأمنية، والميدانية لذلك([54])، وفي 11 أكتوبر ومن على منبر الجامع الأزهر، ألقى الإمام الأكبر خطبة جمعة عميقة تناولت منزلة الجهاد وفضيلة الصبر، توجت بإقامة صلاة الغائب ترحمًا على أرواح الشهداء الأبرار، تلتها صلاة النصر ابتهالًا وتضرعًا لتثبيت أقدام القوات المسلحة. وإلى جانب البعد الروحي، خاطب الإمام وعي الجماهير حثًا لهم على التحلي بروح القناعة والتماسك الاقتصادي والاجتماعي لمواجهة تبعات حالة الحرب([55]).
وشهد 12 أكتوبر محطة إنسانية ووطنية بالغة الدلالة؛ إذ قام الإمام الأكبر بزيارة المصابين والجرحى من أبطال حرب أكتوبر في المستشفيات، مقدمًا لهم الهدايا، ولم تكن الزيارة مجرد مواساة تقليدية، بل كانت استماعًا لقصص البطولات والصمود؛ حيث سجَّل الإمام الاعتزاز، والإعجاب بالمقاتلين وحرصهم على مواجهة العدو ورغبتهم في العودة للجبهة، وخلال هذه الزيارة أشاد بروح التراحم والوحدة الوطنية العميقة التي جمعت بين عنصري الأمة (المسلمين والمسيحيين) في معركة المصير الواحد، في ذات السياق المؤسسي واصل مجمع البحوث الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر اجتماعاته لمناقشة التحضيرات الخاصة بـ “مؤتمر علماء المسلمين” المقرر عقده بالقاهرة في الأول من ديسمبر، وإعادة صياغة مناهج البحوث لتتناغم مع روح الانتصارات والواقع السياسي والعسكري الجديد([56]).
زادت مشاركة الكنيسة من فاعليتها عبر شبكة من الخدمات والجمعيات القبطية، فجندت البنية التحتية الاجتماعية، والخدمية للكنيسة لتتحول من الدعم النفسي والإيماني، إلى التحرك العملي المباشر في التبرع بالدم، والمال، والتطوع([57])، وتكشف لنا الاجتماعات المتوالية التي عقدها البابا “شنودة الثالث” مع الآباء الكهنة، واللجان الكنسية والجمعيات القبطية عن تحول القيادة الكنسية برئاسة “البابا شنودة الثالث” إلى خلية ميدانية منسقة ومنظمة، بالعمل الميداني المؤسسي المنسق؛ لضمان ألا تتقاطع الجهود بل تتكامل في أنشطة دعم ورعاية الجرحى والمصابين، والمجهود الحربي للدولة على الأرض، وقامت هيئة الأوقاف القبطية والمجلس الملي بالاكتتاب بمبلغ قدره (5,000 جنيه مصري) في سندات الجهاد([58]).
وفي 14 أكتوبر أطلق الإمام الأكبر نداءً عاطفيًّا وعميق التأثير لأبنائه المقاتلين على الجبهة جاء فيه: “لقد جاءت الساعة التي كنتم تتطلعون إليها بشوق، والتي طالما ناجيتم الله ودعوتموه أن يقرب موعدها، فاستقبلوا الأمل من جديد يزجيه القدر إلى نفوسكم تواقًا إلى استرداد الأرض وتبدأ قصة العزة والكرامة.”([59])، وبالتوازي مع ذلك أصدر مجمع البحوث الإسلامية بيانًا تاريخيًّا لدعم حق مصر في رد العدوان، وتوجَّه البيان إلى الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم، منتقدًا الدعم الخارجي للاحتلال، ومؤكدًا عدالة قضية الأمة في الدفاع عن أراضيها ومقدساتها ضد أطماع السيطرة، وأكد البيان على ضرورة ثبات الشعب المصري بجيشه وقيادته في تحمل مسئولياته التاريخية بتقديم التضحيات وإرساء دعائم العدل، واختتم المجمع بيانه بنداء تعبوي وإيماني خالص للجنود والكتائب المرابطة في ميادين الشرف، يشد من أزرهم ويحثهم على الثبات والرباط والجهاد.
وترأس شيخ الأزهر وفدًا من كبار علماء الأزهر الشريف في الثامن عشر من أكتوبر عام 1973 لزيارة رئيس الجمهورية محمد أنور السادات، لتجديد البيعة والعهد على مواصلة الدعم الكامل للدولة حتى تحقق أهدافها المنشودة، وفي اليوم التالي (19 أكتوبر)، أصدر مجمع البحوث الإسلامية عددًا خاصًا ومميزًا بعنوان “الجهاد”، أعدّه نخبة من كبار المفكرين والكتاب، وجرى توزيعه في كل مكان لترسيخ الوعي الديني والتاريخي بمعارك الشرف على أرض سيناء وتوثيقها للأجيال القادمة([60]).
هذا وقد مارس علماء الأزهر دورًا بارزًا ومحوريًا في رفع الروح المعنوية للجنود وحثهم على البذل والتضحية، واستعانت القوات المسلحة بالشيخ محمد متولي الشعراوي وغيره من العلماء الأجلاء لإلقاء الخطب الحماسية؛ حيث انطلقت كتائب الدعاة تغرس في نفوس المقاتلين أن النصر الحقيقي يقترن بقوة الإيمان والصدق مع الله، إلى جانب قوة السلاح، وترسخت هذه المعاني في صيحات المجاهدين على الجبهة بعبارة (الله أكبر)، التقى الشيخ الشعراوي بالضباط والجنود في محطات الإعداد النفسي والمعنوي، مؤكدًا على ضرورة المزج بين العقيدة الإيمانية الراسخة والإعداد العسكري الجيد، شارحًا المعنى الحقيقي للجهاد وكيف يجاهد كل فرد من موقعه ومكانه، قائلًا لهم:” “أنا ومهمتي وأنتم ومهمتكم، نلتقي في أننا جميعًا جنود الحق أنا بالحرف وأنتم بالسيف، وأنا بالكتاب وأنتم بالكتائب، وأنا باللسان وأنتم بالسنان”، وأوضح الشيخ الشعراوي، أن الحق لا يصارع إلا باطلًا، والباطل يتمثل في أمرين، باطل يقوم على فهم خاطئ يملك الدليل الخاطئ، وباطل يقوم على الجهل واللجاج والمكابرة، وعمدة الحق في القضاء على هذين اللونين أن يكون له لسان يقوم بالحق والبرهان، وذلك يقتنع به العقلاء، وأن يكون له سنان يقنع ذوي الجهل والطغيان”([61]).
مع دخول المعركة أسابيعها الأولى واستمرار زخمها العسكري والروحي، امتدت التعبئة الوطنية لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وتتجلى في مواقف كبار علماء الأزهر ومؤسسات الدولة، وصولًا إلى الاحتفال بعيد الفطر المبارك وتلاحم أبناء الوطن؛ ففي 20 أكتوبر انتقل خطاب التعبئة إلى منبر مسجد الإمام الحسي؛ حيث أعلن وزير شئون الأزهر –وقتئذٍ- فضيلة الشيخ “عبد العزيز عيسى” في خطبة الجمعة، أن ضبط الاستهلاك في هذه المرحلة الدقيقة يعد “بابًا من أبواب الجهاد بالمال”، وفي توجيه عملي ومباشر للمجتمع، طالب –فضيلته- ربَّات البُيوت بمراعاة ترشيد الاستهلاك؛ تعزيزًا لموقف الجبهة الداخلية مع العدو، كما دعا التُّجار إلى الالتزام بالصدق في المعاملة واجتناب الربح الحرام، قيامًا بواجبهم الوطني خلال الحرب، ووجه ندائه لجماهير الشعب لترك مظاهر الترف؛ لتكون الجبهة الداخلية درعًا واقيًا وراسخًا للقوات المسلحة في الصفوف الخلفية حتى يكتمل النصر([62]).
وفي 27 أكتوبر (أول أيام عيد الفطر المبارك) زار شيخ الأزهر الجرحى والمصابين؛ لتهنئتهم والدعاء لهم بالشفاء والنصر، متشاركين فرحة العيد بروح المعنويات المرتفعة([63])، ويقدم في اليوم نفسه البابا شنودة الثالث، تهنئته بعيد الفطر المبارك، ويحولها إلى خطاب تعبوي ووطني جامع؛ حيث ربط بين المناسبة الدينية وبين لحظة الفخر العسكري، مؤكدًا أن النصر هو ثمرة لعمل إلهي وجهد وطني جبار خاضه الجيش المصري الباسل الذي أذهل العالم وغير النظريات الاستراتيجية للأعداء، وشهادة تاريخية على تماسك الجبهة الداخلية المصرية التي وقفت صفًا واحدًا خلف قواتها المسلحة لتفرض إرادتها وتجبر العدو على طلب وقف إطلاق النار([64]).
وفي أعقاب قرار وقف إطلاق النار في 28 أكتوبر 1973 قام شيخ الأزهر بزيارة للجبهة والمواقع المتقدمة خطط لها بنفسه التقى خلالها بالضباط والجنود متبادلًا معهم التحايا والتهاني بالانتصار، ومعاينًا عن قرب مواقع خط بارليف المنهارة([65])، كما كرر شيخ الأزهر الزيارة مرة أخرى بعد توقيع اتفاقية فض الاشتباك وكانت هذه المرة إلى “مدينة السويس وسيناء” في 9 فبراير 1974 برفقة وفد حاشد من كبار علماء الأزهر الشريف، وشهدت هذه الرحلة لفتات وطنية وإنسانية بارزة تمثلت في زيارة مقابر الشهداء، وإقامة صلاة الغائب على أرواح الأبرار في “ساحة بدر” بمواقع الجيش الثالث الميداني في سيناء، وخلال لقائه برجال “الجيش الثالث” أكد الإمام الأكبر أن معارك حرب أكتوبر قامت على أساس متين من “دولة العلم والإيمان”، مذكرًا الجميع بأن أقوى مدد استندت إليه قواتنا المسلحة ساعة العبور كان الانطلاق من أعماق الروح بهتاف هادر لـــ100 ألف مقاتل هز أرجاء الجبهة بقولهم: “الله أكبر”([66]).
تحول الأزهر بعد وقف إطلاق النار إلى مقصد وطني للمتبرعين الراغبين في دعم المجهود الحربي لتحرير الأرض من دنس الاحتلال؛ حيث استقبل الإمام الأكبر أعدادًا غفيرة من المواطنين المتبرعين([67]).
وفي الذكرى السنوية الأولى للانتصار في حرب أكتوبر أصدر البابا قرارًا بتخليد ذكرى العبور وانتصارات 6 أكتوبر بتسجيل أسماء الشهداء في الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة، وأرسل خطابًا إلى الآباء مطارنة وأساقفة الكرازة ليؤكد على: ” الكنيسة القطبية كنيسة الشهداء الذين استشهدوا من أجل الإيمان والذين استشهدوا من أجل الحق والعدالة والوطن..، فالأمل تكليف أبنائكم كهنة الإبراشية بجمع أسماء شهداء حرب أكتوبر 1973 من العسكريين، والمدنيين وبياناتهم وموافاتنا بها خلال شهر أكتوبر المقبل حتى يمكن تسجيل أسمائهم على لوحات رخامية في مقر الكاتدرائية المرقسية استعطارًا لمراحم الله لراحة نفوسهم في الصلوات التي تقام بالكاتدرائية”([68]).
لقد كان تكامل أدوار الكنيسة المصرية مع الأزهر الشريف ومؤسسات الدولة الوطنية الأخرى، تأكيدًا على أن الروح الوطنية في مصر لم تكن وليدة صدفة، بل هي عقيدة متجذرة في وجدان المؤسسات الدينية التي طالما شكلت صمام الأمان والركيزة الأساسية لتماسك الجبهة الداخلية في أوقات السلم وأتون الحرب على حد سواء.
خاتمة
بعد تتبع ورصد متعمق لمسيرة الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية خلال حرب أكتوبر المجيدة، واستجلاء أبعاد دورهما الوطني والروحي في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ مصر الحديث، يمكننا استعراض أبرز النتائج والدلالات التي تم التوصل إليها، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: نجح الأزهر الشريف والكنيسة في صياغة وتوجيه خطاب ديني متكامل يمزج بين العقيدة والوطنية؛ حيث رسَّخا معًا مفاهيم التضحية، والذود عن الوطن، والبطولة بوصفها فريضة دينية ومقدسة تنادي بها التعاليم السماوية السمحة التي تُعلي من قيم الحرية، والدفاع عن الأرض.
ثانيًا: مثلت الزيارات الميدانية المتواصلة لعلماء الأزهر الشريف ورجال الدين المسيحي من الكنيسة القبطية إلى خط النار وجبهات القتال، رصيدًا هائلًا من الدعم الروحي والمعنوي للقادة والضباط والجنود، ولم تقتصر هذه الزيارات على الجانب الوعظي فحسب، بل امتدت لتشمل الدعم الإنساني والتعاضد الميداني الذي أسهم بشكل مباشر في شحذ همم المقاتلين، ورفع روحهم المعنوية إلى ذروتها.
ثالثًا: جسدت المواقف التاريخية المشتركة والمشرفة بين الأزهر والكنيسة –سواء قبيل المعركة أو خلالها– أن الوحدة الوطنية في مصر لم تكن يومًا شعارًا طارئًا بل كانت حقيقة تاريخية متجذرة في وجدان الأمة، امتزجت فيها دماء المسلمين والمسيحيين على رمال سيناء الطاهرة، لتشكل درعًا حصينًا يجهض كافة محاولات التشرذم أو شق الصف.
رابعًا: أثبتت التجربة التاريخية لحرب أكتوبر أن المؤسستين الدينيتين تمثلان الركيزة الأساسية والعمود الفقري لحماية كيان الدولة من التصدع في أوقات المحن والأزمات المصيرية، فقد قدما نموذجًا استثنائيًّا ومُلهمًا للأجيال المتعاقبة في كيفية توظيف القيم الروحية والوطنية لصناعة النصر، وحفظ استقرار الوطن، وتوجيه الطاقات الكامنة للشعب المصري نحو هدف واحد وهو تحرير الأرض واستعادة الكرامة.
خامسًا: لم يتوقف دور الأزهر والكنيسة عند حدود الجبهة الداخلية، بل تجاوزها إلى المحيط الدولي؛ فقدما معًا دورًا دبلوماسيًا وشعبيًا بارزًا في حشد الدعم السند السياسي والمادي للمعركة، وتوضيح عدالة القضية المصرية في المحافل الدولية، وتعبئة الشعوب العربية والإسلامية، والدولية خلف القضية المصرية، مؤكدًا بذلك دورهما كمظلة روحية كبرى للأمة.
سادسًا: تؤكد هذه المسيرة التاريخية المشتركة للأزهر والكنيسة أن قوة الدولة المصرية وعزيمتها تكمن –عبر تاريخها- في تلاحم قواها الروحية والوطنية، وهو ما يفرض على الأجيال المعاصرة ضرورة استلهام هذه الروح الوثابة لمواجهة التحديات الراهنة، والحفاظ على الهوية الوطنية، وصون مقدرات الوطن ضد كافة الأخطار والتهديدات.
المصادر والمراجع
أولًا: الوثائق
- وثائق مشروع ذاكرة الأزهر
ثانيًا: المراجع
الأنبا غريغوريوس:
- الوحدة الوطنية ودور الكنيسة في تدعيمها، الناشر جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، القاهرة، 2008م.
أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري:
- من المواقف الخالدة لعلماء الأزهر الشريف، كشيدة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017م.
سعد الدين الشاذلي:
- عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر، إدارة المطبوعات والنشر بالقوات المسلحة، 1973م.
سعيد عبد الرحمن:
- شيوخ الأزهر، الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، دت.
محمد عبد القادر حاتم:
- دور الإعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر 1973م،مكتبة الأسرة (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، 2003م.
يوسف خليل يوسف، وفيكتور يونان نخلة:
- الكنيسة والمعركة، مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية بالقاهرة، 1973م.
ثالثا: المجلات والجرائد اليومية:
- الأخبار أعداد 9/10/14 أكتوبر 1973م
- الأهرام أعداد 8/9/10/11/12/13/14/18/19/20/27 أكتوبر1973م، 9فبرابر 1674م
- الجمهورية أعداد 8/9/10 أكتوبر1973م
- صدى البلد عدد 6 أكتوبر 2023م
- اليوم السابع عدد 7 أكتوبر 2021م
- اللواء عدد 2 أكتوبر 2025م
مجلة مدارس الأحد
- السنة/24، العدد (5، 6) مايو، يونيو 1970م، مطابع النصر، القاهرة، 1970م.
مجلة الأزهر أعداد:
- ج1/ السنة (40)، المحرم 1388ه/1968م.
- ج2/السنة (40)، صفر1388ه/مايو1968م.
- ج2/السنة (39)، صفر1387ه/ مايو1967م.
- ج3/السنة (39)، جمادى الأولى 1387ه/أغسطس 1967م
- ج5/ السنة (44) رجب 1392ه/أغسطس 1972م..
- ج5/ السنة (41) رجب 1389ه/1969م.
- ج6/السنة (42) شعبان 1390ه/ أكتوبر1970م.
- ج7/ السنة (41)، رمضان 1389ه/ نوفمبر 1969م.
- ج8/السنة (41) شوال سنة 1968ه/1969م .
- ج9/السنة (45)، ذو العقدة 1393ه/ديسمبر1973م
مجلة الكرازة أعداد:
- السنة الثالثة، العدد (5، 6)، يونيو، يوليو 1967م، مطبعة العالم العربي، القاهرة.
- السنة الرابعة الأعداد (4، 5، 6) يونيو- أغسطس1972م، مطبعة العالم العربي، القاهرة.
- السنة الخامسة أكتوبر 1374م، العدد الأول، مطبعة الأنبا رويس.
رابعا: المواقع الالكترونية:
([1]) اسمه عازر يوسف عطا ولد ببلدة طوخ النصارى بدمنهور في 2 أغسطس سنة 1902، منذ الطفولة المبكرة كان محبًا للكهنوت ورجال الكهنوت، تتدرج في السك الكهنوت حتى رشح للبابوية، ووقع الاختيار عليه في 19 إبريل 1959م ليصبح بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، توفي في 9مارس 1971م؛ https://st-takla.org/Pope-Kyrellos-1_.html
([2]) حسن مصطفى مأمون ولد في 12 يونيه عام 1894م، التحق بالأزهر ثم اتجه لمدرسة القضاء الشرعي، تخرج فيها 1918م، كان يتقن اللغة الفرنسية، عين في السك القضائي ورقي فيه ووصل إلى رتبة قاضي عام، عين قاضيًا لقضاة السودان، وتم تعيينه نائبًا لرئيس المحكمة العليا الشرعية، ثم مفتيًا للديار المصرية سنة 1955م، وفي 26 يوليه1964م تم تعيينه شيخًا للأزهر وظل يشغل المنصب حتى أثقلته الشيخوخة فطلب الإعفاء من المنصب في 1969، وتوفي في 19 مايو 1973م؛ سعيد عبد الرحمن: شيوخ الأزهر، الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ج4، ص ص80، 81.
([3]) مجلة الكرازة، العدد (5)، (6)، يونيو، يوليو 1967م، السنة الثالثة، مطبعة العالم العربي، القاهرة، ص79.
([4]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص ص43-45.
([5]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص46.
([6]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص50.
([7]) مجلة الكرازة، مرجع سبق ذكره، ص80.
([8]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص ص63، 64.
([9]) سعيد عبد الرحمن: مرجع سبق ذكره، ج4/ص83.
([10]) حسن جاد: دور الأزهر في معركة المصير، مجلة الأزهر، ج2/السنة (39) صفر1387ه/ مايو1967م، ص140.
([11]) عبد اللطيف عبد العظيم مصطفى: أنباء وآراء، مجلة الأزهر، ج2/السنة (40)، صفر1388ه/مايو1968م ص159.
([12]) أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري: من المواقف الخالدة لعلماء الأزهر الشريف، كشيدة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017م، ص ص250-251.
([13]) محمد محمد الفحام من مواليد 18 سبتمبر 1894م بمدينة الإسكندرية، التحق بمعهد الإسكندرية، وواصل دراسته بالقسم العالي بالإسكندرية، ونال الشهادة العالمية بتفوق سنة 1922م، وتم تعيينه في معهد الإسكندرية لمدة تسع سنوات، نقل بعدها إلى كلية الشريعة وبعد سنوات حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، لينتقل بعدها للعمل مدرسًا بكلية اللغة العربية، ثم صار عميدًا لها، تم تعيينه شيخًا للأزهر في 17 سبتمبر 1969م، وفي مارس 1973م استجاب الرئيس السادات لرغبته في الراحة بعد أن أثقله المرض فاستقال من منصبه كشيخ للأزهر، وتوفي 31 أغسطس 1980م؛ سعيد عبد الرحمن: مرجع سبق ذكره، ج5/ص ص، 15-11.
([14]) علي الخطيب: أبناء وآراء، مجلة الأزهر، ج5/ السنة (44) رجب 1392ه/أغسطس 1972م، ص497.
([15]) اسمه نظير جيد روفائيل، ولد في 3 أغسطس سنة 1923م، بقرية سلام بمحافظة أسيوط، التحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول وتخرج في قسم التاريخ بتقدير ممتاز عام 1947م، كما تخرج في الكلية الإكليريكية، عمل مدرسًا للغة العربية، ومدرسا للغة الإنجليزية، كان من الأشخاص النشطين في الكنيسة خدم في مدارس الآحاد، ثم ضابطًا برتبة ملازم بالجيش، وعمل سكرتيرًا خاصًا لقداسة البابا كيرلس السادس في عام 1959، وعندما توفي قداسة البابا كيرلس انتخب البابا (شنودة) للجلوس على كرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر 1971 وبذلك أصبح البابا رقم (117) في تاريخ البطاركة؛ https://st-takla.org/Pope-1_.html
([16]) يوسف خليل يوسف، وفيكتور يونان نخلة: الكنيسة والمعركة، مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية بالقاهرة، 1973م، ص7.
([17]) يوسف خليل يوسف، وآخر: مرجع سبق ذكره، ص9.
([18]) عبد الحليم محمود وُلد في مايو سنة 1910م، بقرية أبو حمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، التحق بالأزهر الشريف بناء على رغبة والده، نال الشهادة الثانوية الأزهرية في عام 1928م، واستكمل دراسته العليا فنال العالمية سنة 1932م، درس في جامعة السوربون في باريس على نفقة والده الخاصة تاريخ الأديان والفلسفة، وحصل على الدكتوراه 1940م، عُين أستاذًا في وقت لاحق بكلية أصول الدين ثم عميدًا للكلية عام 1964م، عُين وكيلًا للأزهر عام 1970م، وفي 27 مارس 1973م عين شيخًا للأزهر، وتوفي في 17 أكتوبر عام 1978م؛ سعيد عبد الرحمن، مرجع سبق ذكره، ج5/ص ص15، 18.
([19]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص 149.
([20]) حسن البدري: دور علماء الأزهر في المعركة، مجلة الأزهر،ج5/ السنة (41) رجب 1389ه/1969م ص352.
([21]) أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري: مرجع سبق ذكره، ص249، 252.
([22]) حسن البدري: المرجع السابق، ص353، 354؛ وثائق مشروع ذاكرة الأزهر الشريف، كود09-4239-doc :
([23]) وثائق مشروع ذاكرة الأزهر الشريف، كود8-3076-doc؛ خطاب موجَّه للأمين العام لمجمع البحوث لحضور اجتماع اللجنة المقرر له الأول من يناير عام 1970م.
([24]) أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري: مرجع سبق ذكره، ص249
([25]) على الخطيب: أنباء وآراء، مجلة الأزهر، ج8/السنة (41) شوال سنة 1968ه/1969م، ص638، 639.
([26])على الخطيب: المرجع السابق ذكره، ص638، 639.
([27]) مجلة الأزهر، ج6/السنة (42) شعبان 1390ه/ أكتوبر1970م، ص535.
([28]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص 87، 97.
([29]) محمد الأحمدي: دور قوى لكنائس مصر في حرب أكتوبر اليوم السابع 7/10/2021م؛
([30]) يوسف خليل يوسف، وآخر، مرجع سبق ذكره، ص12.
([31]) أيمن كمال: دور الكنيسة في حرب أكتوبر ماذا فعل البابا شنودة، موقع صوت المسيحي الحر، بتاريخ 6 أكتوبر 2025م، https://www.light-dark.net/%D8%AF%D9%88%D8%B1-
([32]) أيمن كمال: مرجع سبق ذكره.
([33]) يوسف خليل يوسف، وآخر، مرجع سبق ذكره، ص14.
([34]) مجلة الكرازة، السنة/4، يونيو- أغسطس1972م، الأعداد (4،5، 6)، ص ص، 26، 27,
([35]) ليندون بينز جونسون ولد في 27 أغسطس 1908م، سياسي أمريكي شغل منصب الرئيس السادس والثلاثين للولايات المتحدة من عام (1963-1969م)، وتسلم المنصب بعد أن شغل منصب نائب الرئيس السابع والثلاثين في عهد الرئيس جون كينيدي، توفي في 22 يناير 1973م؛ https://ar.wikipedia.org/wiki/
([36]) مجلة الأزهر، ج2/السنة (39)، صفر1387ه/ مايو1967م، ص315.
([37]) سعيد عبد الرحمن: مرجع سبق ذكره، ج4/ص82.
([38])عبد اللطيف عبد العظيم مصطفى: أنباء وآراء، مجلة الأزهر، ج1/ السنة (40)، المحرم 1388ه/1968م، ص77، 78.
([39]) على الخطيب: أنباء وآراء، مجلة الأزهر، ج7/ السنة (41)، رمضان 1389ه/ نوفمبر 1969م، ص559.
([40]) عبد اللطيف عبد العظيم مصطفى: أنباء وآراء، مجلة الأزهر، ج3/السنة (39)، جمادى الأولى 1387ه/أغسطس 1967م، ص317.
([41])الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص ص92-95؛ مجلة مدارس الأحد، السنة/24، العدد (5، 6) مايو، يونيو 1970م، مطابع النصر، القاهرة، 1970م، ص19.
([42]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص159
([43]) الأنبا غريغوريوس: مرجع سبق ذكره، ص ص، 159، 160.
([44]) محمد عبد القادر حاتم: دور الإعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر 1973م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003م، ص79.
([45]) سعد الدين الشاذلي: عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر، إدارة المطبوعات والنشر بالقوات المسلحة، 1973م، المقدمة ( أ-ط) ص1، وما بعدها.
([46]) الإمام عبد الحليم محمود ونصر السادس من أكتوبر؛ موقع وزارة الأوقاف المصرية https://awkafonline.gov.eg/events-and-seasons-
([47]) منا أحمد: شيخ الأزهر عبد الحليم محمود بشر السادات بنصر أكتوبر؛ 2 أكتوبر 2025م https://ellewa.com/
([48]) الأهرم 8 أكتوبر1973م ص4؛ الجمهورية 8 أكتوبر1973م، ص4.
([49]) الأهرم 8 أكتوبر1973م ص4؛ الجمهورية 8 أكتوبر1973م، ص4.
([51]) يوسف خليل يوسف، وآخر مرجع سبق ذكره، ص40.
([52]) يوسف خليل يوسف، وآخر، مرجع سبق كره، ص39، 40.
([53]) الأخبار 8 أكتوبر1973م، ص4.
([54]) الجمهورية 9أكتوبر1973م.
([55]) الأهرام 11-13أكتوبر1973م.
([56]) الأهرام 12أكتوبر 1973م.
([57]) يوسف خليل يوسف، وآخر مرجع سبق ذكره، ص77.
([58]) يوسف خليل يوسف، وآخر، مرجع سبق ذكره، ص40، 77، 78؛ الأهرام 20 أكتوبر1973م
([60]) الأهرام 18-19أكتوبر1973م.
([61]) محمد صبري عبد الرحيم: كيف رفع الشعراوي الروح المعنوية للجنود في حرب أكتوبر؟، كلمات من ذهب لإمام الدعاة، جريدة صدى البلد، 6 أكتوبر2023م، https://www.elbalad.news/5948932
([65]) مجلة الأزهر، ج9/السنة (45)، ذو العقدة 1393ه/ديسمبر1973م، ص880.
([67]) مجلة الأزهر، ج9/السنة (45)، ذو العقدة 1393ه/ديسمبر1973م، ص880.
([68]) مجلة الكرازة، السنة الخامسة أكتوبر 1374م، العدد الأول، مطبعة الأنبا رويس، ص1، 5.
باحث مشارك بوحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر بالمركز































