يُمثل اليوم العالمي للقضاء على الفقر، الذي تُحييه الأمم المتحدة في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، محطة سنوية متميزة لإعادة تقييم المسارات التنموية وقياس مدى التقدم المحرز نحو تحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة (SDGs). ولا يقتصر هذا اليوم على كونه تذكيرًا رمزيًا بالتزام المجتمع الدولي بتحسين الأوضاع المعيشية للشعوب، بل يُشكل فرصة موضوعية لدراسة التفاعلات بين الأزمات الاقتصادية المركبة وسياسات الحماية الاجتماعية في العالم.
وفي السياق المحلي، شهدت جمهورية مصر العربية خلال السنوات الأخيرة تطورات عميقة في فلسفة التعامل مع قضية الفقر؛ حيث انتقلت الرؤية التنموية من الأطر التقليدية القائمة على الاقتصار على الدعم النقدي المباشر، إلى تبني أطر أكثر شمولًا تستهدف معالجة “الفقر متعدد الأبعاد”. وتجلى هذا التوجه في إطلاق مبادرات وبرامج واسعة النطاق مثل “تكافل وكرامة” والمبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، والتي استهدفت تطوير البنية التحتية والارتقاء بالخدمات الأساسية في الفجوات التنموية الأكثر احتياجًا، ولا سيما في ريف مصر والصعيد.
ومع ذلك، وفي ظل تزامن هذه المبادرات مع ضغوط اقتصادية عالمية متتالية – شملت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وموجات التضخم المرتفع – واصلت الدولة المصرية جهودها الاستباقية لتكييف سياساتها الاجتماعية وتعزيز مرونتها، من خلال التوسع المستمر في مظلة شبكات الأمان الاجتماعي وزيادة المخصصات الموجهة للدعم والخدمات الأساسية للحد من أثر هذه التحديات الخارجية. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليليّة واستعراضية لواقع الفقر ومكافحته في مصر، عبر تسليط الضوء على المؤشرات الإحصائية الراهنة، واستعراض آليات البرامج القائمة ودورها في تعزيز الاستقرار الاجتماعي ودعم مسارات التنمية المستدامة.
المشهد الراهن لمكافحة الفقر في مصر: المؤشرات والدلالات الإحصائية
تستند القراءة التحليليّة لواقع الفقر في مصر إلى مسار إحصائي وتخطيطي يجمع بين أحدث نتائج مسوح الدخل والإنفاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والبيانات الاستثمارية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، مما يوفر رصدًا موضوعيًا لآليات الدولة في مواجهة الفقر متعدد الأبعاد بالتزامن مع تطبيق البرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
أولًا: مسار معدلات الفقر والتوزيع الجغرافي[1]
أظهرت البيانات الإحصائية الرسمية، وفقًا لنتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2019/2020، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في ديسمبر 2020، انخفاضًا في معدل الفقر القومي وارتفاعًا في متوسط الدخل السنوي للأسر، مقارنةً بنتائج بحث 2017/2018، وذلك لأول مرة منذ عام 1999، حيث تراجعت النسبة إلى 29.7% مقارنة بـ 32.5% في بحث الدخل والإنفاق السابق؛ وشمل هذا التراجع كافة الأقاليم، مع تسجيل معدلات هبوط أعلى في المناطق الريفية، حيث تصدر ريف الوجه البحري نسبة الانخفاض بـ 4.73%، تلاه ريف الوجه القبلي بنسبة 3.79%.
كما عكست المؤشرات نموًا في متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة على مستوى الجمهورية ليرتفع من 60.4 ألف جنيه إلى 69.1 ألف جنيه (بزيادة بلغت نحو 15%)؛ حيث ارتفع المتوسط في الحضر من 69.6 ألف جنيه إلى 80.9 ألف جنيه (بزيادة 16.3%)، وفي الريف من 52.7 ألف جنيه إلى 59.7 ألف جنيه (بزيادة 13.3%).
ثانيًا: التوزيع الإقليمي والقطاعي للاستثمارات العامة (خطة 2025/2026)[2]
تأكيدًا لاستراتيجية الدولة في معالجة الفجوات التنموية الجغرافية والحد من الفقر متعدد الأبعاد[3]∙ في المناطق الأكثر احتياجًا، شهدت خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عام 2025/2026 توجيهًا مكثفًا للاستثمارات الحكومية الموجهة لأقاليم الصعيد، والتي قدرت بنحو 65.7 مليار جنيه، توزعت على النحو التالي:
- إقليم جنوب الصعيد: يستحوذ على النسبة الأكبر من الاستثمارات الحكومية بقيمة 31.7 مليار جنيه. وتصدرت محافظة المنيا النسبة الأكبر من استثمارات الإقليم بنسبة 20.5%، تلتها أسوان بنسبة 12.8%، ثم البحر الأحمر 11.1%، وأسيوط وسوهاج بنسبتي 10.8% و10.7% على التوالي.
- التوزيع القطاعي بالجنوب: استأثر قطاع الخدمات الأخرى بالنسبة الأكبر 29.2%، يليه قطاعا التعليم والخدمات الصحية بنسبتي 16.5% و15.1%، ثم قطاعا الزراعة والري واستصلاح الأراضي والمياه بنحو 12.2% و10.3%.
- أبرز التوجهات للمشاريع: تركزت الاستثمارات في استكمال شبكات ومحطات مياه الشرب والصرف الصحي، وتطوير المستشفيات العامة والمركزية ومراكز الرعاية الصحية، وإنشاء مدارس التعليم الأساسي والفني، بالإضافة إلى مشروعات الحماية من السيول، وتأهيل وتبطين الترع، والتوسع في الصرف الزراعي والاستصلاح (مثل استصلاح 400 فدان غرب المراشدة بقنا).
- إقليم شمال الصعيد: جاء في المرتبة الثانية باستثمارات حكومية بلغت 21.8 مليار جنيه.
- إقليم وسط الصعيد: خُصصت له استثمارات حكومية تقدر بنحو 12.3 مليار جنيه.
السياسات والبرامج القومية لمواجهة الفقر (شبكات الأمان الاجتماعي والمبادرات القومية)[4]
تنتقل السياسات الاجتماعية في مصر من الأطر التقليدية القائمة على الرعاية المباشرة إلى نمط أكثر دمجًا يربط بين الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والاستثمار في رأس المال البشري. وتتكامل التشريعات الحديثة مع البرامج الميدانية والمبادرات القومية لتشكيل منظومة أمان اجتماعي مرنة تستهدف الفئات الأولى بالرعاية، ويمكن استعراض أبرز ملامح هذه المنظومة على النحو التالي:
أولًا: التحول التشريعي وهيكلة الدعم النقدي (قانون الضمان الاجتماعي)
يُمثل صدور قانون الضمان الاجتماعي رقم 12 لسنة 2025 محطة مفصلية في تفعيل المادة (17) من الدستور المصري، إذ نقل المساعدات الاجتماعية من مفهوم “المساعدات الاستثنائية” إلى “حق قانوني ملزم” قائم على برامج دعم نقدي مشروطة وغير مشروطة، وآليات استهداف دقيقة تربط الحماية بالمظلة التنموية الشاملة.
وقد انعكس هذا التحول التشريعي على المخصصات المالية والمستهدفات التنموية:
- تطور المخصصات: ارتفعت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى 742.6 مليار جنيه في العام المالي (2025/2026)، خُصص منها 54 مليار جنيه للدعم النقدي (بزيادة 17% عن العام السابق). ويعكس هذا التمويل تطورًا متصاعدًا بنسبة زيادة بلغت 1000% مقارنة بإجمالي الدعم النقدي المقدر بـ 5 مليارات جنيه في العام المالي (2013/2014).
- قيمة الدعم والشمول: وصل متوسط قيمة الدعم النقدي للأسرة الواحدة إلى 900 جنيه (بحد أدنى 700 جنيه). كما تضاعف عدد الأسر المستفيدة من الدعم النقدي من 1.7 مليون أسرة عام 2015 إلى 4.7 مليون أسرة عام 2025 (تشكل الإناث 75% من المستفيدين مقابل 25% للذكور). ومع تخارج 3.36 مليون أسرة نتيجة آليات التمكين والتعافي الاقتصادي، بلغ إجمالي الأسر التي أُدرجت تحت مظلة الدعم النقدي خلال هذه الفترة 8.1 مليون أسرة.
ثانيًا: التوزيع الفئوي لبرنامجي “تكافل” و”كرامة”
تعتمد الدولة آليات استهداف دقيقة تضمن توجيه الدعم لمستحقيه عبر برنامجين رئيسيين:
- برنامج “تكافل” (يستحوذ على 56% من إجمالي المستفيدين): يستهدف الأسر الأكثر احتياجًا والأرامل والمطلقات والمهجورات وزوجات المساجين ممن لديهن أطفال تحت خط الفقر وأبناء حتى سن 26 عامًا.
- برنامج “كرامة” (يستحوذ على 44% من إجمالي المستفيدين): يمثل مظلة دعم غير مشروط موجهة للفئات غير القادرة على العمل؛ حيث يتوزع مستفيدوه بين: ذوي الإعاقة (63%)، كبار السن من 65 عامًا فأكثر (27%)، الأرامل والمطلقات والمهجورات بلا أطفال (8%)، الأيتام (2%)، والفتيات اللاتي بلغن 50 عامًا دون زواج (0.3%).
ثالثًا: الاستثمار في رأس المال البشري وآليات المشروطية
يقترن تقديم الدعم النقدي في برنامج “تكافل” بمتطلبات تنموية محددة تهدف إلى منع انتقال الفقر عبر الأجيال والارتقاء بالخصائص السكانية لنحو 5.2 مليون ابن وابنة في الفئة العمرية (6-18 سنة):
- المشروطية التعليمية: بلغت نسبة التزام الأسر بها 77%، وتتطلب حضور الأبناء بنسبة لا تقل عن 80% من أيام الدراسة في مرحلة التعليم قبل الجامعي (مع إعفائهم كاملًا من المصروفات الدراسية)، واشتراط النجاح للأبناء في المرحلة الجامعية.
- المشروطية الصحية: بلغت نسبة التزام الأمهات بها 90% (لأمهات الأطفال حتى سن 6 سنوات)، عبر المتابعة الدورية في وحدات الرعاية الصحية الأولية مرة واحدة على الأقل كل 3 أشهر للحصول على خدمات متابعة الحمل، الصحة الإنجابية، تنظيم الأسرة، والتطعيمات الأساسية.
رابعًا: كفالة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودعم التمكين
في إطار الدستور وقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (10) لسنة 2018، شهد ملف الإعاقة تقدمًا ملموسًا في برامج التأهيل والدمج:
- الدعم النقدي والخدمات: يستفيد أكثر من 1.3 مليون شخص من ذوي الإعاقة من دعم “كرامة”، مع إصدار نحو 1.4 مليون بطاقة خدمات متكاملة.
- الأجهزة التعويضية والتدخل المبكر: توفير نحو 4500 جهاز تعويضي بالتنسيق مع الجمعيات الأهلية، وتسيير قوافل للاكتشاف والتدخل المبكر مع معالجة الشكاوى عبر فرق التدخل السريع.
- التعليم الدامج والتمكين الاقتصادي: دمج نحو 600 طالب وطالبة من الصم وضعاف السمع في 13 جامعة عبر توفير 83 مترجم لغة إشارة، وتقديم نحو 1000 منحة دراسية للطلاب المكفوفين في 19 جامعة حكومية مدعومة بحواسيب محمولة ناطقة، فضلًا عن إطلاق منصات متخصصة للتشغيل مثل منصة “تأهيل”.
خامسًا: المبادرات القومية لتطوير الريف وتقليل الفجوات (حياة كريمة)
تجسد المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” التدخل التنموي الشامل الأكبر الموجه لتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية في الريف المصري لمعالجة الفقر متعدد الأبعاد. وقد استحوذت محافظات الصعيد على النصيب الأكبر من مخصصات المرحلة الأولى للمبادرة بنسبة 68% بإجمالي استثمارات بلغت 237 مليار جنيه، ليستفيد منها 11 مليون مواطن يمثلون 61% من إجمالي المستفيدين على مستوى الجمهورية، مما يسهم في رفع كفاءة شبكات المياه والصرف، والخدمات التعليمية والصحية بقرى الوجه القبلي.
سادسًا: التكامل بين المبادرات القومية والتمكين الاقتصادي
لتأمين استدامة نتائج شبكات الأمان الاجتماعي وتجنب الاعتماد الدائم على الدعم النقدي، تتكامل السياسات القومية عبر محاور استراتيجية إضافية:
- المبادرة الرئاسية للتنمية البشرية «بداية جديدة لبناء الإنسان»: وتعمل كمظلة تجمع كافة وزارات الدولة لتنسيق تقديم الخدمات العامة الموجهة للمواطن (الصحة، التعليم، والتدريب المهني) منذ المولد وحتى سوق العمل، بهدف سد الفجوات التنموية في خصائص السكان.
- المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية: يربط بين ضبط النمو السكاني ومعالجة الفقر، عبر تقديم حوافز تنموية وصحية وإتاحة فرص التمكين الاقتصادي للسيدات في الفئات العمرية القادرة على العمل، لضمان ملاءمة النمو السكاني للموارد الاقتصادية.
- برامج التحول نحو الإنتاج (برنامج “فرصة”): يوفر أدوات التدريب وتأسيس الوحدات الإنتاجية الصغيرة لمستفيدي الحماية الاجتماعية، وهو ما يسهم في تحويل الأسر القادرة على العمل من خانة تلقي الدعم النقدي إلى الإنتاج والاستقلال الاقتصادي (حيث أثمرت آليات التمكين المختلفة عن تخارج نحو 3.36 مليون أسرة من مظلة الدعم النقدي بشكل استحقاقي).
وختامًا، تظهر القراءة التحليليّة لواقع الفقر والسياسات الاجتماعية في مصر أن مواجهة الفقر لم تعد تُدار عبر حلول جزئية أو دعم نقدي معزول، بل تحولت إلى استراتيجية تنموية شاملة تُعيد تعريف الفقر بوصفه ظاهرة “متعددة الأبعاد” تتطلب تدخلات متزامنة في البنية التحتية، الخدمات الأساسية، والحماية الاجتماعية.
ويؤسس هذا التكامل بين شبكات الأمان الاجتماعي والمشروطية التعليمية والصحية من جهة، ومبادرات التمكين الاقتصادي وضبط النمو السكاني من جهة أخرى، لمرحلة جديدة يُصاغ فيها الدعم الاجتماعي ليس فقط كأداة لاحتواء الأزمات والتخفيف من الآثار الاقتصادية، بل كاستثمار حقيقي في رأس المال البشري. وهو ما يضمن تحويل الأسر الأكثر احتياجًا من مرحلة الاعتماد على الرعاية والمساعدات إلى خانة المشاركة الفاعلة والإنتاج، بما يعزز الاستقرار المجتمعي ويدعم مسارات التنمية المستدامة في مصر.
[1] وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية. «خلال كلمتها بمؤتمر إعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020». منشور على فيسبوك. https://www.facebook.com/MPEDEGYPT/posts/4238281259521988/
[2] وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية. «خبر رقم 6536. https://mped.gov.eg/singlenews?id=6536.
[3]∙ يحدد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) الحرمان المتعدد على مستوى الأسرة في التعليم والصحة ومستوى المعيشة. وتستخدم البيانات الدقيقة من مسوح الأسر المعيشية، وخلافًا لمؤشر التنمية البشرية المعدَّل من عدم المساواة، يجب أن يكون مصدر جميع المؤشرات اللازمة لبناء القياس من المسح نفسه. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، «الفقر متعدد الأبعاد»، https://www.unescwa.org/ar/sd-glossary/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1-%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF.
[4] وزارة التضامن الاجتماعي، «حزمة متكاملة من السياسات والبرامج لبناء شبكة أمان اجتماعي قوية للفئات الأكثر احتياجًا»، ديسمبر 2025، https://www.moss.gov.eg/المركز–الإعلامي/الأخبار/حزمة–متكاملة–من–السياسات–والبرامج–لبناء–شبكة–أمان–اجتماعي–قوية–للفئات–الأكثر–احتياجًا–ا






























