مصر تُعيد تعريف دورها الإقليمي

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

حظيت قضية الدور الإقليمي للعديد من الفاعلين الدوليين، خاصة ما يُعرف بالقوى الوسطى داخل النظام العالمي، باهتمام كبير من جانب دارسي العلاقات الدولية والنظم الإقليمية. وفى حالة مصر ظلت فكرة الدور الإقليمي مهيمنة على العديد من المعنيين بالسياسة الخارجية المصرية، وظل نموذج مصر-عبد الناصر، خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، هو النموذج المثالي والملهم بالنسبة لهؤلاء. فقد لعبت مصر خلال هذه المرحلة نموذج الدولة القائد فى الإقليم، وامتد دورها إلى العالم الثالث. وكان العنوان الأبرز لهذا الدور هو مواجهة الاستعمار من خلال نسج علاقات تعاون مع عدد كبير من حركات التحرر الوطني فى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. ارتبط بذلك أيضا اضطلاع مصر…

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

حظيت قضية الدور الإقليمي للعديد من الفاعلين الدوليين، خاصة ما يُعرف بالقوى الوسطى داخل النظام العالمي، باهتمام كبير من جانب دارسي العلاقات الدولية والنظم الإقليمية. وفى حالة مصر ظلت فكرة الدور الإقليمي مهيمنة على العديد من المعنيين بالسياسة الخارجية المصرية، وظل نموذج مصر-عبد الناصر، خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، هو النموذج المثالي والملهم بالنسبة لهؤلاء. فقد لعبت مصر خلال هذه المرحلة نموذج الدولة القائد فى الإقليم، وامتد دورها إلى العالم الثالث. وكان العنوان الأبرز لهذا الدور هو مواجهة الاستعمار من خلال نسج علاقات تعاون مع عدد كبير من حركات التحرر الوطني فى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. ارتبط بذلك أيضا اضطلاع مصر بدور محوري فى مواجهة إسرائيل. ورغم أن الدور الإقليمي لمصر لم يخفت خلال مرحلتي السادات ومبارك، لكن ظل نموذج مصر-عبد الناصر هو المرادف لمفهوم الدور الإقليمي لمصر، حتى أن بعض التيارات السياسية المصرية ترى أن ابتعاد السادات ومبارك عن هذا النموذج كبد مصر تكاليف سياسية واقتصادية.

 وامتدادا للفرضية ذاتها، فإن البعض يُرجع العديد من المشكلات والتهديدات الأمنية التي تواجهها مصر من داخل محيطها الإقليمي (العربي والإفريقي)، ومنها أزمة السد الإثيوبي، إلى تخلى مصر عن دورها الإقليمي (وفقا للنموذج الناصري بالطبع). بعيدا عن مدى دقة الاستنتاجات السابقة حول العلاقة بين التخلي/ من عدمه عن نموذج الدور الإقليمي الناصري والتحديات الأمنية التي تواجهها مصر فى محيطها الإقليمي، تجدر الإشارة هنا إلى ملاحظتين مهمتين حول هذا النمط الناصري فى بناء الدور الإقليمي لمصر. الأولى، هى هيمنة الطابع العسكري/ السياسي/ الثقافي على هذا الدور، وهو ما انعكس على حزمة الأدوات المستخدمة فى بناء وتعزيز هذا الدور، بينما تراجعت – لأسباب عديدة – الأدوات الاقتصادية.

 الثانية، وهي نتيجة منطقية للأولى، أن هذا الدور، ولأسباب تتعلق بحزمة الأدوات المستخدمة، لم يؤد إلى خلق تكامل حقيقي بين مصر ومحيطها الإقليمي (العربي أو الأفريقي)، ولم يؤد إلى بناء شبكة مصالح حقيقية بين المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين المصريين ونظرائهم فى هذا المحيط الإقليمي. وما أن اختفى نظام عبد الناصر، أو تغيرت البيئتان الدولية والإقليمية، حتى تراجع الدور الإقليمي. بمعنى آخر، فإن تراجع الدور الإقليمي لمصر، أو تزايد حجم التهديدات والتحديات الأمنية الناشئة من داخل المحيط الإقليمي (العربي أو الأفريقي) لا يعود إلى التخلي عن الدور الإقليمي وفقا للطبعة الناصرية، بقدر ما يعود فى الحقيقة إلى طبيعة هذا الدور ذاته وحزمة الأدوات المستخدمة فى بنائه، والتي لم تؤد إلى نسج حالة من الاعتماد المتبادل بين مصر ومحيطها الإقليمي، ولم تؤد إلى نسج شبكة مصالح حقيقية تدافع عن هذا الدور وتحرره من طبيعة النخب والأنظمة السياسية القائمة داخل هذا المحيط. 

شيء ما يحدث الآن فى الاتجاه الصحيح، فبجانب الأدوات السياسية فى بناء دور إقليمي لمصر، إفريقيا وعربيا، هناك اهتمام ملحوظ بالأداة الاقتصادية. ورغم التحديات التي تواجهها مصر فى هذا المجال، لكن توظيفا ذكيا لهذه الأدوات يُعظم من عائداتها الاقتصادية والسياسية والأمنية. الأمثلة كثيرة على ذلك، أبرزها العمل على تحويل مصر إلى مركز لتجارة الطاقة، وانخراط شركات المقاولات المصرية فى بناء السدود فى أفريقيا، وانخراط مصر فى إعادة إعمار ليبيا، ومشروعات الربط الكهربائي بين مصر ودول عربية وأفريقية وأوروبية، والانخراط فى الجهود الدولية لإزالة الأعباء عن الاقتصاد السوداني، والقيام بدور ريادي فى إعادة إعمار غزة، وغيرها. هذه الأنشطة لا تسهم فقط فى إعادة هندسة البيئات الاستراتيجية -الإقليمية والمحلية- حول مصر، بشكل يعزز المصالح المصرية، لكنها تسهم فى بناء شبكة مصالح حقيقية بين مصر والفاعلين فى هذه البيئات. هذه المصالح هى الضمانة الحقيقية لحماية الأمن القومي المصري والمصالح المصرية. 

هذا التوجه يؤسس لفلسفة مصرية مغايرة فى التعامل مع المحيط الإقليمي، جوهرها أن عملية التنمية الجارية فى مصر لا تتم بمعزل عن تحقيق الأمن والاستقرار فى مناطق الجوار الإقليمي، ولا تتم بمعزل أيضا عن تنمية هذا الجوار. سبق مصر فى هذه الفلسفة الناجحة دول عدة، أبرزها الصين. فقد انتهت مراجعات الحزب الشيوعي الصيني لسياسات التنمية الصينية إلى استنتاج مهم، مؤداه أن استدامة النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى الصين ستظلان مرهونتين بتسريع النمو والتنمية – خاصة تنمية البنية التحتية- فى محيط الصين، وهى فلسفة تعود إلى المفاهيم الثلاثة التي طرحها رئيس الوزراء الصيني فى عام 2003 وين جياباو حول العلاقة مع المحيط الإقليمي للصين، والتي لخصها فى جوار جيد good neighborhood وجوار آمن secure neighborhood، وجوار ثرى wealthy neighborhood. وتأكدت هذه الفلسفة مع عقد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مؤتمرها المهم دبلوماسية المناطق المحيطة (أكتوبر 2013)، والذي طرح فيه الرئيس الصيني مفهوم دبلوماسية المناطق المحيطة. هذا التوجه الصيني نجح فى نسج شبكة مصالح إقليمية وعالمية ضخمة حول الصين، ستلعب دورا فاعلا فى حماية الصين والمصالح الصينية فى مواجهة أي محاولات أمريكية للإضرار بها.

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٦ مايو ٢٠٢١.

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب