وحدة الدراسات العربية والإقليمية

التبعية والارتباط.. “الغنوشي” و20 عامًا في خدمة التنظيم الدولي للإخوان

لم يكن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية مجرد قيادي لأحد فروع جماعة الإخوان الإرهابية في المنطقة، وإنما هو رجل ذو باع طويل في خدمة التنظيم الدولي وخاصة في أوروبا وله العديد من الارتباطات مع التنظيم، والتي تهدف في خلاصتها إلى تحقيق أهداف التنظيم سواء في داخل تونس أو خارجها وذلك على مدار عقود، وهو ما اتضح بشكل جلي خلال السنوات العدة التي أعقبت عودته إلى تونس عام 2011. من تونس إلى بريطانيا.. من هو “الغنوشي” ولد راشد الغنوشي في 22 يونيو عام 1941 بقرية الحامة بولاية قابس التونسية ونشأ في أسرة بسيطة الحال تعمل في الزراعة، وتدرج في مراحل…

صلاح وهبة
باحث بالمرصد المصري

لم يكن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية مجرد قيادي لأحد فروع جماعة الإخوان الإرهابية في المنطقة، وإنما هو رجل ذو باع طويل في خدمة التنظيم الدولي وخاصة في أوروبا وله العديد من الارتباطات مع التنظيم، والتي تهدف في خلاصتها إلى تحقيق أهداف التنظيم سواء في داخل تونس أو خارجها وذلك على مدار عقود، وهو ما اتضح بشكل جلي خلال السنوات العدة التي أعقبت عودته إلى تونس عام 2011.

من تونس إلى بريطانيا.. من هو “الغنوشي”

ولد راشد الغنوشي في 22 يونيو عام 1941 بقرية الحامة بولاية قابس التونسية ونشأ في أسرة بسيطة الحال تعمل في الزراعة، وتدرج في مراحل التدريس المختلفة حتى حصل على شهادة في أصول الدين من جامعة الزيتونة من العاصمة تونس، وعُيّن معلمًا في قصر قفصة عام 1963، ثم انتقل إلى القاهرة في العام التالي للالتحاق بكلية الزراعة جامعة القاهرة، ولكن بعد شهور قليلة غادر مصر بعد أن طلبت السفارة التونسية من الطلاب التونسيين مغادرة مصر في ضوء الأزمة السياسية بين الرئيسين “جمال عبد الناصر” و”الحبيب بورقيبة”، وانتقل “راشد” إلى دمشق لاستكمال دراسته وحصل على شهادة الفلسفة من جامعة دمشق عام 1968 وانتقل إلى فرنسا وتحديدًا إلى جامعة السوربون لاستكمال الدراسات العليا، ومن ثم عاد إلى تونس أواخر الستينات. 

خلال سنوات اغتراب الغنوشي شهدت تونس تغيرات مجتمعية جذرية، وهو ما رفضه الغنوشي وبدأ نشاطه الدعوي في المدارس التي كان يعمل بها مدرسًا لمادة الفلسفة، وفي عام 1970 انضم الغنوشي إلى جمعية المحافظة على القرآن والتي كانت تضم عبد الفتاح مورو وعددًا من الشخصيات الإسلامية الأخرى، وفي عام 1972 عقد “مؤتمر الأربعين” والذي كان تعبيرًا مجازيًا عن أربعين شخصًا تولى راشد الغنوشي اختيارهم عقب عودته في أواخر الستينات ليكونوا نواة حركته التي أطلق عليها “الجماعة الإسلامية”، والتي تغير اسمها إلى “حركة الاتجاه الإسلامي” في عام 1981 ثم اسمها الأخير “حركة النهضة” في أواخر الثمانينات.

عرّف الغنوشي نفسه في مقال نشرته صحيفة “المعرفة” التونسية في العدد الرابع من السنة الخامسة عام 1972 أنه تلميذ لثلاثة دعاة هم البنا والمودودي والخميني، وأن الاتجاهات الكبرى في الحركة الإسلامية المعاصرة هي الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان والحركة الإسلامية في إيران، وأما ما تبقى من الاتجاهات الإسلامية فهو تابع بشكل أو بآخر لأحد هذه الاتجاهات. وقال عن الدعاة الذين ذكرهم “إنني أتردد في تقديمهم نظرًا لما أشعر به من حرج أمام تقييم رجال وعلماء فطاحل لست أنا إلا تلميذًا صغيرًا من تلاميذهم”، وفي العام التالي سافر وفد من الجامعة برئاسة حميدة النيفر إلى مكة لحضور المؤتمر الدولي لجماعة الإخوان وقدموا البيعة للمرشد العام للجماعة حينها حسن الهضيبي.

وفي عام 1981 حكم القضاء التونسي على راشد الغنوشي بالسجن لمدة 11 عامًا بتهمة التورط في أعمال إرهابية قضى منها ثلاث سنوات، ثم أُفرج عنه في 1984 بعفو رئاسي، وفي عام 1987 سُجن مرة أخرى على خلفية كشف الأمن التونسي مخطط لحركة الغنوشي حمل اسم “المجموعة الأمنية” عام 1986، وحُكم عليه بالسجن المؤبد ثم طلب الرئيس بورقيبة تغليظ العقوبة للإعدام، ولم ينفذ الحكم بسبب وصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى الحكم في نوفمبر من نفس العام. 

وقد كشف مخطط “المجموعة الأمنية” بشكل كامل عن تبعية راشد الغنوشي وحركته  للتنظيم الدولي للإخوان وجماعة الإخوان في مصر، بل شكلت كيانات سرية لها على غرار الجماعة الأم في مصر، إذ كلف قيادي الحركة ورئيس الجهاز السري “محمد شمام” ذراعه الأيمن “سيد الفرجاني” المسؤول عن عمليات التهريب بالتوجه إلى ألمانيا لتدبير 5000 قنبلة غاز مشل للحركة لاستخدامها  ضد رجال الأمن والخصوم السياسين من تاجر أسلحة يتبع الإخوان فلسطيني الأصل يدعى “كامل غضبان” الذي قام بتوريد الأسلحة بالفعل بعد الحصول على موافقة المرشد العام للإخوان حينها مصطفى مشهور، وتم كشف المخطط بعد أن اعتقل الأمن التونسي “يوسف الهمامي” أحد عناصر الحركة.

وفي مايو 1988 أطلق زين العابدين بن علي سراح الغنوشي الذي قام في العام التالي بتغيير اسم حركته إلى “حركة النهضة، وتقدم بطلب إلى الجهات التونسية لتقنين أوضاع الحركة والاندماج في المشهد السياسي، وعقب حصول مرشحي الحركة على نحو 17% من الأصوات في الانتخابات التشريعية، تم رفض الطلب واتخذت ضد الحركة وكوادرها تضييقات أمنية وسياسية. وغادر الغنوشي تونس في أبريل 1989 إلى الجزائر ثم إلى السودان حتى حصوله على اللجوء السياسي في بريطانيا في أغسطس عام 1993. وظلت بريطانيا “المنفى الاختياري” للغنوشي لمدة 20 عامًا بعد أن صدر حكم من المحكمة العسكرية التونسية بالسجن مدى الحياة بتهمة التآمر على رئيس الدولة، ولم يعد إلى تونس إلا بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وسارع إلى تقنين أوضاع حركة النهضة لتصبح “حزب النهضة” الذي استحوذ على الحياة السياسية التونسية من منذ ذلك الحين. 

20 عامًا في خدمة التنظيم الدولي

لعب الغنوشي عدة أدوار لصالح التنظيم الدولي منذ نشأة حركته في تونس، وهو ما أكده الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي مؤسس الحركة الإسلامية في المغرب الأقصى في مقاله المنشور في يومية “هسبرس” المغربية في 3 مارس 2013 تحت عنوان “راشد الغنوشي يتجسس على الشيخ مطيع”، قال فيه “إن جماعة الإخوان المسلمين قد عَيَّنت أول الأمر مصطفى الطحان –أحد القيادات التاريخية للتنظيم الدولي للإخوان- مسؤولًا عن منطقة شمال أفريقيا وراشد الغنوشي ضابط اتصال لهم فيها، لذلك كان الطحان يرسل الغنوشي في رحلات تفقدية من أجل استجلاء الأوضاع بكل من الجزائر والمغرب، واقتراح الحلول والخطط الخاصة بالتعرف على الفصائل الإسلامية القائمة بها ومحاولة استقطابها، وفي هذا الاتجاه أرسل الطحان راشد الغنوشي إلى الجزائر عقب اعتقال محفوظ النحناح، فأجرى عددًا من الاتصالات بالمجموعات الإسلامية على اختلاف مشاربها، ثم قدم للطحان تقريرًا مكتوبًا ومفصّلًا لرحلته في أكثر من خمسين صفحة اقترح عليه فيه أسماءً تَخْلُف النحناح أثناء اعتقاله”.

وأضاف الحمداوي “كان مصطفى الطحان يرسل الغنوشي إلى المغرب، فيجتمع ببعض الشباب ينتقدني لديهم ويتهمني بالعنف والتطرف، وهو لا يعرف عني عنفًا ولا لينًا، إلا ما برمجه عليه الخطيب والأميري، ويجري حوارات ودية مع صحف الإثارة والصحف الشيوعية المغربية التي تشتمني وتفتري علي، معرِّضا بي ومصرحا، وقدمه الخطيب للملك فاستقبله بمقتضى البرتوكول الملكي الذي يستقبل به رعاياه”، مؤكدًا أن الغنوشي حاول اختراق الحركة الإسلامية المغربية ووجدها موصدة أمامه.

استمر الغنوشي أثناء وجوده في لندن على مدار العشرين عامًا في العمل على تحقيق مصالح التنظيم الدولي لجماعة الإخوان سواءً داخل أوروبا أو خارجها، فقد عمل على توفير الدعم اللازم لأفرع الجماعة في مناطق شمال أفريقيا ودول أوروبا بمساعدة عدد من الشخصيات الإخوانية المعروفة في المنطقة أو من خلال المنظمات الإسلامية التابعة للإخوان في عدة مناطق بالعالم، وهو ما جعل الغنوشي أحد أهم رجال التنظيم الدولي.

ويبدو أن جهود الغنوشي مع التنظيم الدولي لم تلق استحسان قيادات التنظيم فقط وإنما امتدت أيضًا إلى أجهزة الأمن البريطانية، إذ أكد القيادي السلفي المصري هاني السباعي المقيم في لندن في مقطع صوتي بثه في فبراير 2013 أن الغنوشي مستشار للمخابرات البريطانية وسكوتلانديارد لشؤون الإرهاب وأن رأيه ذو ثقل في قضايا منح اللجوء السياسي، وهو ما استغله الغنوشي لصالح تنظيم الإخوان واستقدام أعداد كبيرة من قيادات الجماعة إلى بريطانيا.

“الغنوشي” .. رأس حربة التنظيم الدولي في تونس

كانت الثورة التونسية وسقوط نظام زين العابدين بن علي بمثابة فرصة على طبق من ذهب للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الذي قرر الدفع براشد الغنوشي وعودته إلى تونس في 30 يناير 2011 لتحقيق أهداف التنظيم في تونس وشمال أفريقيا، واستقبلت حشود كبيرة الغنوشي في المطار، وأعاد بناء حركة النهضة وقام بتحويلها إلى حزب رسمي وحصد أغلبية المجلس التأسيسي المنوط به وضع دستور جديد للبلاد وانتخاب رئيس جمهورية انتقالي.

وتمهيدًا للأرض أمام الدور السياسي المنتظر، عمل راشد الغنوشي على تسويق نفسه وحزبه  أمام المجتمع التونسي والدول الكبرى على أنه يمثل التيار الإسلامي الديمقراطي المعتدل الذي يقبل بعلاقات دبلوماسية مع الدول الأوروبية ومشاركة الحكم مع الطوائف السياسية التونسية الأخرى، وبالفعل فازت الحركة في انتخابات 23 أكتوبر 2011 ومارست الحكم عبر تحالف الترويكا مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وتم اختيار منصف المرزوقي رئيسًا للجمهورية بعد حصوله على أصوات 154 من أعضاء المجلس التأسيسي.

وعلى الرغم من حصول الغنوشي على جائزة شاتام هاوس (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية) لحرية الفكرة والتعبير، مناصفة مع الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي في عام 2012، إلا إن المرزوقي قد اتهم حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم بالسعي إلى السيطرة على مفاصل الدولة من خلال إصرارها على اعتماد نظام سياسي برلماني في تونس وتسمية أنصارها في المناصب المختلفة سواء توفرت فيهم الكفاءة أم لا.

خلال الفترة من 2011 إلى 2013 احتلت جماعة الإخوان الساحة السياسية في مصر وليبيا، ولعب الغنوشي دورًا كبيرًا في تنسيق تحركات الجماعة في كلا البلدين بالتعاون مع تركيا بما يحقق مصالح وأهداف التنظيم الدولي، وجاءت ثورة 30 يونيو بمثابة صاعقة ضربت التنظيم الدولي، وهو ما استدعى تنظيم مؤتمر الإخوان المسلمين العالمي في تركيا في 15 يوليو 2013 وتم خلاله اختيار الغنوشي رئيسًا للمكتب السياسي، وبذلك يكون الرجل الثاني في التنظيم بعد إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي.

وعقب انهيار حكم الإخوان في مصر تحركت النهضة على محورين لتجنب مصير إخوان مصر، المحور الأول، تنفيذ عدد من الاغتيالات ضد المعارضين لإرهاب النشطاء في ضوء تصاعد دور حركة تمرد التونسية، وبالفعل اغتيل كل من “شكري بلعيد” و”محمد البراهمي”. المحور الثاني، سعي الحركة للتوافق مع التيارات السياسية الأخرى حول مستقبل النظام السياسي التونسي وكان هذا مجرد تحرك تكتيكي ليتناسب مع الظروف السياسية الضاغطة التي فرضتها ثورة 30 يونيو على الإخوان بشكل عام أينما كانوا.

ومنذ استحواذ حركة النهضة على الساحة السياسية تدور تونس في فلك التنظيم الدولي، وهو ماظهر بشكل جلي خلال تطورات الأزمة الليبية، إذ تخطى راشد الغنوشي عمله كرئيس للبرلمان في عدة مواقف نذكر منها اتصاله برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية فايز السراج في 19 مايو 2020 لتناول مستجدات الوضع في ليبيا، وقدّم خلاله الغنوشي تهانيه للسراج على سيطرة الميلشيات التابعة لحكومته على قاعدة الوطية العسكرية، وتم في الشهر ذاته اتصال بين الغنوشي وخالد المشري رئيس مجلس الدولة في طرابلس لبحث الأوضاع الاقتصادية والصحية في ظل أزمة كوورنا، بالإضافة إلى تلقيه اتصال من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 25 أبريل من نفس العام للتباحث حول سبل التعاون بين البلدين في العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية وجهود مكافحة كورونا، وساهمت تلك التحركات في إثارة استياء الكتل المدنية السياسية في البرلمان التونسي والرئاسة التونسية، وهو ما أكده الرئيس قيس سعيد في في خطاب له يوم 23 مايو 2020 على أن “الدولة التونسية واحدة.. ولها رئيس واحد في الداخل والخارج”.

ولم يكن الغنوشي وحده من يحمل مهمة تحقيق مصالح التنظيم الدولي في تونس، وإنما شاركه في ذلك صهره “رفيق عبد السلام” الذي تولى منصب وزير الخارجية التونسي في حكومة الترويكا ولكنه توارى عن الأنظار منذ عام 2013 إثر فضيحة مالية، ومتفرغ من حينها لإدارة موارد تنظيم الإخوان في تونس، ويدير مجموعة من الكيانات التي تشكل واجهة لتمرير التمويلات المالية من خارج تونس إلى داخلها أو العكس، ومن بين هذه الكيانات شبكة إعلامية في تونس تضم قنوات تليفزيونية وإذاعية ومواقع إلكترونية صحفية وجمعيات أهلية، وتشير تقارير صحفية إلى رفع الحكومة التونسية السابقة عدد من الملفات إلى القضاء تحمل بيانات عن تورط صهر الغنوشي في عدد من الجرائم المالية لجماعة الإخوان وتنظيمها الدولي.
مجمل القول، يمثل الارتباط القوي بين راشد الغنوشي والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية حجر الزاوية في الأزمة السياسية الطاحنة التي تشهدها تونس منذ شهور ووصلت إلى ذروتها في المرحلة الحالية، وذلك في إطار إصرار الغنوشي على تحقيق أهداف التنظيم الدولي والتابعين له في المنطقة ودول الجوار بغض النظر عن المصلحة الوطنية التونسية وما يناسب سياساتها الخارجية ويحقق مصالحها،  ويشكل هذا الارتباط عنصر ارتكاز للمرحلة القادمة وردود الأفعال والتحركات السياسية على الساحتين المحلية والدولية، لا سيما وأن حركة النهضة تمثل الورقة الأخيرة لدى التنظيم في المنطقة والتي تشكل خسارتها هزيمة للمشروع السياسي للجماعة في المنطقة بشكل نهائي.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “

صلاح وهبة
باحث بالمرصد المصري