وضعت الحكومة العراقية برئاسة علي فالح الزيدي في مقدمة أولوياتها إصلاح المنظومة الأمنية، وخاصة من خلال حصر السلاح بيد الدولة، الأمر الذي أفردت له مسارًا خاصًا في المنهاج الوزاري الذي حازت بموجبه ثقة البرلمان في 14 مايو 2026. وبينما تقدمت خطوات حصر السلاح بإعلان سرايا السلام (الجناح العسكري للتيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر) تسليم سلاحها ومقراتها، وتشكيل لجنة بوزارة الدفاع تتولى هذا الأمر، وإعلان الإطار التنسيقي للقوى الشيعية دعم مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك الارتباط بين هيئة الحشد الشعبي عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، وكذلك إعلان فصائل مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي موافقتها على فك الارتباط؛ فإن فصائل أخرى وفي مقدمتها كتائب حزب الله رفضت هذا التوجه جُملة وتفصيلًا. الأمر الذي يجعل هذا الملف عُرضة للتأثر بالعديد من العوامل ويطرح العديد من الدلالات.
العوامل المؤثرة
عملية تشكيل الحكومة:
تندرج هذه التطورات ضمن السياق العام الذي صاحب عملية تشكيل حكومة علي فالح الزيدي، والتي اتسمت بسمات أساسية، أهمها الانقسام الحاد حول الشخصية التي تُسند إليها مهمة تشكيلها مع الاعتراضات الأمريكية على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بما دفع إلى التوافق على شخصية علي الزيدي البعيد عن المشهد السياسي إلى حد كبير، ما جعل هذا الانقسام ممتدًا إلى تشكيل الحكومة نفسها وأولوياتها، لا سيّما فيما يتعلق بالملف الأمني والعسكري.
الأمر الذي انعكس في نيل الحكومة ثقة البرلمان بتشكيلة تتكون من 14 وزيرًا فقط، وعدم تسمية وزيري الدفاع والداخلية، في ظل استمرار التنافس بين الفصائل العراقية والإطار التنسيقي للقوى الشيعية على من يشغل هذه الوزارات، وكذلك مع ورود تقارير حول التفكير في استحداث وزارة للأمن الداخلي تنضوي تحتها الفصائل المسلحة بما يشمل الفصائل الشيعية وقوات البيشمركة الكردية، الأمر الذي لاقى بدوره اعتراضات من جانب الفصائل.
الضغوط الأمريكية:
تشكل الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على العراق خلال عملية تشكيل الحكومة المؤثر الأهم على المسار الحالي لحصر السلاح بيد الدولة؛ إذ وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيتو على ترشيح الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، كما رفضت أن تضم الحكومة أيًا من الوزراء المحسوبين على الفصائل المسلحة، وكذلك ضغطت بشكل واسع للمضي قدمًا في مسار حصر السلاح بيد الدولة. وقد كان أحد أهم أشكال هذه الضغوط هو تعليق تحويل الشحنات الدولارية إلى العراق.
ويمكن القول إن هذه الضغوط كانت مدفوعة بشكل أساسي بملف حصر السلاح، فعلى الرغم من أن الاعتراضات على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة كان مدفوعًا في جزء منه بسجله السابق كرئيس لوزراء العراق؛ فإن الجزء الأهم من هذه الاعتراضات كان مرتبطًا بموقفه من الفصائل المسلحة؛ إذ تريد الولايات المتحدة رئيسًا للوزراء يضع ملف الفصائل في مقدمة أولوياته، ولذلك كانت موافقتها على علي فالح الزيدي.
وكانت هناك عدة مؤشرات على أولوية هذا الملف بالنسبة لواشنطن، منها زيارة المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والقائد الأمريكي السابق في العراق ديفيد بترايوس إلى بغداد في مايو 2026 ولقائه بعدد من المسؤولين العراقيين وما نتج عن هذه الزيارة من تقارير حول تقديمه ورقة تنفيذية لإنهاء السلاح في العراق تتضمن نزع السلاح وعزل القيادات وتعيين ضباط محترفين مشرفين على البنية التحتية للحشد الشعبي كمقدمة لدمج الهيئة[1]. يضاف إلى ذلك تعيين الرئيس الأمريكي للسفير توماس باراك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى العراق بجانب سوريا بما يضفي الصفة الرسمية على مهمة باراك التي بدأها في العراق بعد استقالة المبعوث الأمريكي السابق إلى العراق مارك سافايا، ويجعل ملف سلاح الفصائل في مقدمة الملفات التي يعمل عليها باراك الذي أشاد بدوره بخطوة الفصائل التي أبدت موافقتها على نزع السلاح وخطوات رئيس الوزراء في هذا الشأن.
الموقف الإيراني:
لا ينفصل موقف الإطار التنسيقي للقوى الشيعية بشأن حصر السلاح وما ترتب عليه من موقف لفصائل مثل عصائب أهل الحق عن موقف إيراني شديد التأثر بمجريات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران وما نتج عنها من تداعيات حتى الآن، أهمها ما يتعلق باختلال الموقع القيادي لإيران سواء القيادية الدينية بعد مقتل المرشد علي خامنئي أو القيادة التنظيمية مع اغتيال عدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية وغياب الدور الإيراني الناظم للفصائل المسلحة في العراق والذي كان قد تأثر منذ سنوات مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني وضعف إسماعيل قاآني الذي خلفه في هذا المنصب.
فلم تعترض إيران على موقف الإطار التنسيقي أو الفصائل المسلحة، بل من المرجح أن هذا الموقف جاء بمباركة وموافقة إيرانية؛ استجابة للضغوط الأمريكية، ولعدم تأثر نفوذها في العراق بمواقف أمريكية أكثر تشددًا، وللنأي بوكلائها في العراق عن الصراع الجاري وما بعده، خاصة وأن هذه الفصائل قد تعرضت بالفعل خلال هذه الحرب إلى ضربات كبيرة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تريد إيران أن تكون هذه الفصائل هدفًا لحرب تقودها إسرائيل بعد الحرب الجارية على غرار معاركها ضد حزب الله، خاصة مع اتساع مسرح العمليات الإسرائيلي في الإقليم بشكل كبير.
الدلالات والمسارات
تعمق الانقسام الشيعي:
كان الانقسام الشيعي واضحًا إلى حد كبير على المستوى السياسي منذ مرحلة ما قبل إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2025، وقد ازداد هذا الانقسام بشكل كبير بعد الانتخابات، لا سيّما فيما يتعلق بتنفيذ الاستحقاقات الدستورية سواء انتخاب رئيس البرلمان ثم انتخاب رئيس الجمهورية وصولًا إلى اختيار رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة، بما أوصل الإطار التنسيقي للقوى الشيعية إلى حالة من التشتت.
إلا أن هذا الانقسام قد تعمق كذلك بشكل كبير على المستوى الفصائلي أو العسكري، وهو ما يظهر في تباين مواقف الفصائل من عملية حصر السلاح بين موافق ومعارض، رغم موافقة الإطار التنسيقي بشكل جامع على ذلك. ويصبح هذا الانقسام أكثر وضوحًا بالنظر إلى أن عصائب أهل الحق التي أعلنت موافقتها على حصر السلاح كانت قد اصطفت إلى جانب الفصائل المعارضة في بيان صدر في 4 يناير 2026 عن تنسيقية المقاومة العراقية المتمثلة في كتائب سيد الشهداء وكتائب كربلاء وأنصار الله الأوفياء وحركة النجباء وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله والذي أكد ضرورة إنهاء جميع أشكال وعناوين الوجود الأجنبي المحتل للأراضي العراقية وسمائها ومنع أي نفوذ له وشدد على أن سلاح المقاومة سلاح مقدس، لا سيّما في بلد فيه الاحتلال قائمًا، وهو الضمانة وصمام الأمان في الدفاع عن الأرض والمقدسات، وأن الحوار بشأنه مع الحكومة لا يكون إلا بعد تحقيق السيادة الكاملة للبلاد وتخليصها من كل أشكال الاحتلال وتهديداته.
ونجد أن المتغير الأهم بين هذا الموقف في يناير والموقف الحالي في يونيو 2026 هو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ إذ رأت عصائب أهل الحق والفصائل الأخرى المؤيدة لحصر السلاح سواء تلك التي أعلنت حاليًا مواقفها مثل كتائب الإمام علي أو تلك التي أعطت موافقة ضمنية ولم تعلن صراحة مثل منظمة بدر وسرايا عاشوراء، أن الواقع الجديد بعد هذه الحرب لا يخدم موقفها على مختلف المستويات.
ترجمة المكتسبات السياسية:
يرتبط بهذا الانقسام عنصر حاسم وهو المشاركة السياسية للفصائل العراقية وتباين المكاسب التي حازتها الفصائل خلال الانتخابات الأخيرة، وهي التي تعد من أهم الدوافع وراء قرار عصائب أهل الحق على وجه الخصوص بالموافقة على تسليم سلاحها، في ضوء امتلاكها نحو 27 مقعدًا داخل البرلمان وسعيها إلى ترجمة ذلك في مكاسب سياسية، بما ظهر في حصولها على منصب نائب رئيس مجلس النواب من خلال عدنان فيحان رئيس الكتلة السياسية لحركة صادقون التابعة للعصائب ورئيس المكتب السياسي للعصائب سابقًا. الأمر ذاته ينطبق على كتائب الإمام علي التي تمتلك خمسة مقاعد نيابية من خلال “تحالف خدمات” الذي نفى سابقًا في مارس 2026 صلته بالكتائب تنظيميًا.
وبالنظر إلى الفيتو الأمريكي على مشاركة الفصائل في الحكومة، ترمي هذه الخطوات إلى تعزيز موقع هذه الأطراف كأطراف سياسية فقط لا تمتلك سلاحًا، بما يمكن أن يعزز حضورها في المشهد السياسي، خاصة وأن الحكومة الحالية تتكون من 14 وزيرًا فقط ولا تزال العديد من المقاعد الوزارية شاغرة تطمح إلى تولي بعض منها.
تهيئة المناخ لعودة الصدر:
أدى انسحاب مقتدى الصدر من المشهد السياسي في أعقاب فشله في تشكيل حكومة أغلبية وطنية بعد انتخابات 2021 إلى خسائر كبيرة للتيار الصدري، خاصة على صعيد عدم إسهام هذا الانسحاب في إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي العراقي مثلما كان يطمح.
ويمكن النظر إلى تحركاته السياسية الأخيرة بدءًا من مباركته حكومة علي الزيدي، على خلاف الحكومات السابقة التي وصفها بالفاسدة ورغم أنها جاءت بنفس الآلية التي أنتجت هذه الحكومات، ووصولًا إلى إعلانه حل سرايا السلام وتسليم مقراتها وما إلى ذلك؛ بوصفها محاولة منه لإعادة التموضع في المشهد السياسي العراقي من جديد، فارضًا نفسه كقوة مؤثرة تتخذ خطوات غير تقليدية تحذو حذوها تيارات أخرى، بما يهيئ المناخ لعودته للمشهد السياسي على المدى المتوسط، قبيل الانتخابات المقبلة، وعلى المدى القصير من خلال توفير قوة دعم شعبية لحكومة الزيدي لتطبيق المبادئ التي يدعو إليها منذ سنوات على صعيد مكافحة الفساد وحصر السلاح.
ربط الدعم الأمريكي بحصر السلاح:
ينطلق التوجه الحالي للحكومة العراقية فيما يتعلق بملف السلاح من مقاربة ترمي إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة على المستويات كافة، واجتذاب الدعم الأمريكي للاقتصاد العراقي على وجه الخصوص في ضوء الأزمة الحادة التي يمر بها جراء تداعيات الحرب الإيرانية وتوقف صادراته النفطية، بما ظهر في تصريح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية فؤاد حسين بأن الوضع المالي حرج وقد لا تتمكن الحكومة من صرف رواتب الموظفين مع اللجوء إلى طباعة النقود.
وترتيبًا على ذلك، تهدف الحكومة إلى طمأنة الولايات المتحدة بشأن ملف حصر السلاح جنبًا إلى جنب مع فتح العراق للاستثمارات الأمريكية التي تنقذ الاقتصاد من جهة وتستوعب العناصر المنضوين في الفصائل المسلحة من جهة أخرى، ويمنح الحكومة غطاءً اقتصادياً وسياسياً لتنفيذ خطة تدريجية لنزع السلاح، الأمر الذي يتضح مع الزيارة الرسمية المرتقبة التي أعلن عنها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن بصحبة عدد من رجال الأعمال لتوسعة فرص الاستثمار المتبادل والمشترك بين البلدين.
خطوات أكثر من رمزية وأقل من شاملة:
على الرغم من اتخاذ الحكومة العراقية خطوات متقدمة في ملف حصر السلاح فإن هذه الخطوات لا تزال محاطة بالكثير من التحديات، أهمها استمرار رفض فصائل قوية تسليم سلاحها، وعدم التطرق إلى سلاح قوات البيشمركة الكردية وما يستتبعه ذلك من رفض لبعض الفصائل والمطالبة بالمعاملة بالمثل، فضلًا عن عدم وضوح معنى فك الارتباط الذي جرى تأكيده في بيانات الإطار التنسيقي والفصائل، فضلًا عن أن اللجنة الحكومية التي شُكلت للتعامل مع الملف سُميّت “لجنة فك الارتباط وحصر السلاح بيد الدولة”.
وترتيبًا على ذلك، يمكن توصيف هذه الخطوات بأنها أكثر من كونها خطوات رمزية على غرار تلك التي اتخذت إبان حكومات سابقة مثل حكومات عادل عبد المهدي وحيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، ولكنها في الوقت ذاته لا يُنظر إليها كخطوات شاملة لحل هذا الملف، بل هي إعادة رسم للمشهد الأمني في العراق. فعلى الرغم من إعلان سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر تسليمها مقراتها العسكرية والتحاقها بالدولة فإنها لا تزال قائمة ككتلة واحدة، أيًا كانت تبعيتها. الأمر ذاته الذي سينطبق على أي من الفصائل الأخرى التي ستعلن فك الارتباط.
ويمكن في هذا الإطار إعادة تعريف هيئة الحشد الشعبي أو نقل تبعية الفصائل إلى جهة أخرى مثل وزارة الأمن الداخلي التي كانت مطروحة. وقد أشار رئيس لجنة فك الارتباط قيس المحمداوي إلى أن العراق يتجه إلى إنهاء ربط السلاح بأي عنوان سياسي أو ديني وأن جميع التشكيلات داخل الحشد الشعبي سترتبط حصرًا بقيادته، وأن هدف إجراءات حصر السلاح يتمثل في إيجاد قوات عسكرية مرتبطة بالدولة، مع تأكيد المتحدث باسم قائد الجيش بأن هيئة الحشد الشعبي سيستمر دورها بصفتها مؤسسة رسمية تابعة للدولة وأن الجانب العملياتي والعسكري يخضع بصورة كاملة ومباشرة لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
الأمر الذي يشير إلى وضع شبيه بعملية دمج الفصائل المسلحة في سوريا؛ إذ اندمجت هذه الفصائل اسميًا ضمن الجيش السوري ولكن بقيت كتشكيلات قائمة بذاتها، وعلى الرغم من أن هذه التشكيلات بقيت في مناطقها في سوريا فإنه قد يُعاد توزيعها في العراق، على أن تسلم الفصائل سلاحها النوعي مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى الجيش العراقي.
إجمالًا، بالنظر إلى أن الغاية الأساسية للضغوط الأمريكية هي تأمين الجبهة العراقية بالنسبة لإسرائيل وعدم اشتراك الفصائل العراقية المسلحة في أي تهديد لإسرائيل ارتباطًا بإيران؛ فإن الترتيب الجديد يمكن أن يحقق ذلك، بما يشكل خطوة مهمة يسوقها الرئيس الأمريكي كإنجاز في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت يجنّب العراق مخاطر توترات أمنية وتصعيد عسكري. وهو أمر لن تكون إيران بعيدة عنه ضمن محاولتها لهندسة المشهد هناك بما يبقي على نفوذها داخل العراق على المستوى السياسي من خلال الفصائل الموافقة على حصر السلاح، وعلى المستوى العسكري من خلال الفصائل الرافضة والتي يُتوقع أن تصل إلى ترتيبات ما مع الحكومة نظير مكاسب تحصل عليها منها ما يتعلق بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، خاصة وأن الإطار التنسيقي قد أوضح أن موقفه يأتي حرصاً على استمرار التعاون بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي واستكمال تنفيذ إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، فيما أكدت وزارة الدفاع بأن عملية حصر السلاح لا تخضع لجدول زمني محدد.
[1] https://aawsat.news/rn2gp

