يمر النظام السياسي في جنوب أفريقيا باختبار حقيقي لحكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت عقب الانتخابات العامة لعام 2024، والتي أنهت لأول مرة منذ ثلاثة عقود الهيمنة البرلمانية المطلقة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC). فقد أدت نشأة الحكومة الائتلافية إلى تغيير في موازين القوى الحزبية؛ مما انعكس على قدرة الأحزاب المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية على الحفاظ على تماسك الائتلاف في ظل تصاعد الخلافات السياسية والاقتصادية بين أعضائه. كما وضعت قدرة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) على وقف تراجع شعبيته في اختبار صعب أمام سعي أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها التحالف الديمقراطي (DA) وأومخونتو وي سيزوي (MK) والمناضلون من أجل الحرية الاقتصادية (EFF)، إلى توسيع نفوذها السياسي. وفي هذا السياق، يتناول التحليل تطور التوازنات الحزبية في جنوب أفريقيا بعد انتخابات 2024، وتحليل أزمة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، والخلافات داخل حكومة الوحدة الوطنية، واستشراف مستقبل هذه التوازنات وانعكاساتها على المشهد السياسي حتى الانتخابات العامة المقبلة.
أولًا: كيف فقد المؤتمر الوطني الأفريقي أغلبيته التاريخية؟
منذ الانتقال الديمقراطي عام 1994، هيمن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) على الحياة السياسية في جنوب أفريقيا مستندًا إلى شرعيته التاريخية كقائد للنضال ضد نظام الفصل العنصري، وهو ما مكّنه من الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية على مدار ثلاثة عقود. غير أن الانتخابات العامة لعام 2024 مثلت نقطة تحول مفصلية، بعدما فقد الحزب أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى، واضطر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية مع قوى سياسية كانت تُعد من أبرز منافسيه، في تطور عكس التحولات التدريجية التي شهدها النظام الحزبي واتساع نطاق التعددية والمنافسة الانتخابية.
ورغم أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2024 بدا تطورًا غير مسبوق في سياقه السياسي، فإن تجربة الحكومات الائتلافية ليست جديدة على جنوب أفريقيا. فقد تشكلت أول حكومة وحدة وطنية عقب انتخابات عام 1994 استنادًا إلى الدستور الانتقالي لعام 1993، الذي أتاح للأحزاب الحاصلة على حد أدنى من المقاعد البرلمانية المشاركة في السلطة خلال المرحلة الانتقالية، بهدف ترسيخ المصالحة الوطنية وضمان الاستقرار السياسي بعد نهاية نظام الفصل العنصري. إلا أن هذه الصيغة كانت مؤقتة ومرتبطة بظروف الانتقال الديمقراطي، وانتهت عمليًا بانسحاب الحزب الوطني عام 1996 ورفض الرئيس الراحل نيلسون مانديلا تمديدها لما بعد انتخابات عام 1999، لتظل حكومة الوحدة الوطنية لعام 2024 أول تجربة من نوعها تُفرض بفعل موازين القوى الانتخابية، لا بموجب ترتيبات دستورية انتقالية. ولم يبدأ هذا التحول مع انتخابات عام 2024، بل سبقته مؤشرات واضحة على المستوى المحلي. ورغم تطلع الناخبين إلى نموذج أكثر استقرارًا وتحسينًا للخدمات العامة بعد صراعات الفترة 2016-2021، كشفت التجربة عن هشاشة تلك الائتلافات، مع تكرار انهيارها وتصاعد النزاعات السياسية والقضائية، بالتزامن مع لجنة التحقيق في قضية ” الاستيلاء على الدولة”، واضطرابات يوليو 2021، وتراجع شعبية المؤتمر الوطني الأفريقي عقل انتخابات 2019، وهو ما انعكس سلبًا على كفاءة الإدارة المحلية وجودة الخدمات.
وجاء فقدان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أغلبيته البرلمانية في انتخابات 29 مايو 2024 تتويجًا لمسار ممتد من التراجع الانتخابي، بعدما انخفضت حصته من الأصوات من نحو 66% في انتخابات 2009 إلى 57.5% في 2019، ثم إلى 39.7% في 2024، للمرة الأولى منذ عام 1994. كما تراجع تمثيله في الجمعية الوطنية من 230 مقعدًا عام 2019 إلى 159 مقعدًا من أصل 400 مقعد في 2024، بخسارة بلغت 71 مقعدًا؛ مما أنهى قدرته على تشكيل الحكومة منفردًا وأجبره لأول مرة منذ ثلاثة عقود على الدخول في ائتلاف حكومي. يعكس هذا التحول تغيرًا بنيويًا في السلوك الانتخابي للناخب الجنوب أفريقي؛ إذ تراجعت مكانة الشرعية التاريخية لحركات التحرر لصالح معايير الأداء الحكومي وكفاءة إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، لتجسد انتخابات 2024 انتقالًا من شرعية التحرر إلى شرعية الإنجاز.
كما جاء تراجع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي نتيجة تراكم الانقسامات الداخلية، بدءًا من تأسيس حزب مؤتمر الشعب (COPE) عام 2008، ثم حزب المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية (EFF) عام 2013 بقيادة جوليوس ماليما، وصولًا إلى تأسيس حزب أومكونتو وي سيزوي (MK) في نهاية 2023 بقيادة جاكوب زوما، الذي استقطب شريحة واسعة من قواعد الحزب، خاصة في كوازولو ناتال. وأسهمت قضايا الفساد إلى جانب البطالة وأزمات الكهرباء وتراجع الخدمات، في تعميق تآكل شعبية الحزب. وانعكس ذلك في انتخابات 2024، التي حصد فيها حزب أومكونتو وي سيزوي 58 مقعدًا من أصل 400 وأصبح الحزب الأكبر في كوازولو ناتال، فيما حصل التحالف الديمقراطي (DA) على 21.78% من الأصوات، مع احتفاظ المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية بثقله السياسي، لتفرز الانتخابات برلمانًا أكثر تعددية منذ 1994، وتدفع المؤتمر الوطني الأفريقي إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في يونيو 2024، بما يؤشر إلى انتقال جنوب أفريقيا من نموذج الحزب المهيمن إلى نموذج التعددية الائتلافية.
ثانيًا: تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2024
لم يكن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في يونيو 2024 نتاج تقارب أيديولوجي بين الأحزاب، وإنما فرضته موازين القوى التي أفرزتها انتخابات 29 مايو 2024، بعدما فقد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ عام 1994، وأصبح عاجزًا عن تشكيل الحكومة منفردًا. وأمام غياب أي حزب قادر على حصد الأغلبية، تحولت الحكومة الائتلافية من خيار سياسي إلى ضرورة دستورية لضمان استمرارية السلطة التنفيذية وتجنب حالة من عدم الاستقرار.
وأطلقت نتائج الانتخابات مفاوضات معقدة داخل المؤتمر الوطني الأفريقي ومع مختلف القوى السياسية، كشفت عن انقسام واضح داخل الحزب بشأن طبيعة الشريك الائتلافي. فقد قاد الرئيس سيريل رامافوزا تيارًا مؤيدًا للتحالف مع حزب التحالف الديمقراطي (DA) باعتباره الخيار الأكثر قدرة على توفير أغلبية مستقرة، والحفاظ على ثقة الأسواق والمستثمرين، وضمان استمرار السياسات الاقتصادية القائمة. في المقابل، دعت تيارات أخرى، لا سيما المحسوبة على تيار “التحول الاقتصادي الراديكالي”، إلى التحالف مع حزب المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية (EFF) وحزب أومكونتو وي سيزوي (MK) بقيادة جاكوب زوما، استنادًا إلى التقارب الأيديولوجي مع هذه القوى.
وحسم رامافوزا هذا الجدل لصالح خيار التحالف مع التحالف الديمقراطي، لتتشكل حكومة وحدة وطنية ضمت 10 أحزاب، وأعيد انتخابه رئيسًا للجمهورية في 14 يونيو 2024. غير أن توزيع المناصب التنفيذية أظهر أن الانتقال إلى الحكم الائتلافي لم يغير موازين القوة داخل السلطة التنفيذية؛ إذ احتفظ المؤتمر الوطني الأفريقي بـ 20 وزارة من أصل 32، إضافة إلى 33 منصب نائب وزير، مقابل 6 وزارات و6 مناصب نواب وزراء فقط للتحالف الديمقراطي، بينما توزعت بقية الحقائب على الأحزاب المشاركة.
ولم تقتصر الهيمنة على عدد الوزارات، بل شملت نوعيتها أيضًا؛ حيث احتفظ المؤتمر الوطني الأفريقي بالوزارات السيادية والاقتصادية الأكثر تأثيرًا، مثل المالية، والتجارة والصناعة، والكهرباء والطاقة، والتعدين، في حين أُسندت للتحالف الديمقراطي وزارات خدمية أبرزها الزراعة، بما حدّ من قدرته على التأثير في رسم السياسات الاقتصادية والاستراتيجية رغم مشاركته في الحكومة.
ولتقنين العلاقة بين أطراف الائتلاف، وقع المؤتمر الوطني الأفريقي والتحالف الديمقراطي وثيقة “إعلان النوايا “التي تبنت مبدأ “التوافق الكافي” في إدارة الخلافات داخل مجلس الوزراء، إلا أنها خلت من آليات قانونية أو مؤسسية ملزمة لتسوية النزاعات، وهو ما جعل تماسك الحكومة يعتمد بدرجة كبيرة على التوافقات السياسية وقدرة الرئيس رامافوزا، مستفيدًا من صلاحياته الدستورية الواسعة، على إدارة التوازنات بين الشركاء.
وبذلك، عكست حكومة الوحدة الوطنية تسوية سياسية فرضتها نتائج انتخابات 2024 أكثر من كونها شراكة قائمة على برنامج سياسي موحد؛ إذ انتقلت جنوب أفريقيا إلى نموذج الحكم الائتلافي، مع احتفاظ المؤتمر الوطني الأفريقي بالموقع المهيمن داخل السلطة التنفيذية؛ الأمر الذي هيأ لظهور الخلافات بين شركاء الائتلاف مع بدء مناقشة الملفات التشريعية والاقتصادية الكبرى.
ثالثًا: الخلافات بين أحزاب الائتلاف الحاكم
على الرغم من نجاح حكومة الوحدة الوطنية، التي تشكلت في يونيو 2024، في إنهاء حالة عدم اليقين السياسي التي أعقبت الانتخابات، فإنها ظلت تعاني من تناقضات بنيوية بحكم قيامها على تسوية فرضتها نتائج الانتخابات أكثر من استنادها إلى برنامج سياسي أو اقتصادي مشترك. ومع انتقال الائتلاف من مرحلة التفاوض إلى ممارسة الحكم، بدأت التباينات بين مكوناته تتصاعد، خاصة مع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة في 4 نوفمبر 2026؛ حيث سعى كل حزب إلى تعظيم مكاسبه الانتخابية والحفاظ على هويته السياسية، بالتوازي مع استمرار مشاركته في الحكومة.
وتجسدت أبرز مظاهر هذا التباين في العلاقة بين المؤتمر الوطني الأفريقي والتحالف الديمقراطي (DA)، اللذين تبنيا رؤيتين مختلفتين لدور الدولة في إدارة الاقتصاد. فبينما تمسك المؤتمر الوطني الأفريقي بسياسات إعادة توزيع الثروة، والتمكين الاقتصادي للسود، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، والدفاع عن قانون التأمين الصحي الوطني، دعا التحالف الديمقراطي إلى إصلاحات أكثر ليبرالية تقوم على ضبط الإنفاق العام، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار، وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة. كما امتدت الخلافات إلى ملفات تشريعية رئيسية، أبرزها قانون التأمين الصحي الوطني، وقانون نزع الملكية، وتعديلات قانون التعليم الأساسي.
وتزامنت هذه الخلافات مع استمرار الضغوط الاقتصادية والخدمية، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة، وضعف أداء الحكومات المحلية، وأزمات الكهرباء والمياه والنقل، فضلًا عن تراجع ثقة المواطنين في الأحزاب السياسية، وهو ما انعكس في انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية من 89% عام 1999 إلى نحو 58% في انتخابات 2024. وبذلك أصبح الأداء الاقتصادي والخدمي المعيار الحاسم الذي سيحكم الناخبون من خلاله على الحكومة خلال الانتخابات المحلية المقبلة. وفي هذا السياق، تحولت العلاقة بين شركاء الائتلاف تدريجيًا من توافق براجماتي فرضته ضرورات الحكم إلى تنافس سياسي فرضته الحسابات الانتخابية؛ إذ حرصت الأحزاب، من ناحية، على تجنب انهيار الحكومة، ومن ناحية أخرى، سعت إلى التمايز عن شركائها وعدم تحمل كلفة القرارات غير الشعبية، بما أدى إلى تصاعد الخلافات حول أولويات الإصلاح الاقتصادي وإدارة المالية العامة.
وشكلت الموازنة العامة للسنة المالية 2025/2026 أول اختبار حقيقي لتماسك حكومة الوحدة الوطنية. ففي 19 فبراير 2025 اضطرت الحكومة إلى تأجيل عرض الموازنة للمرة الأولى منذ التحول الديمقراطي، بعد فشل أحزاب الائتلاف في التوصل إلى توافق بشأن مقترح رفع ضريبة القيمة المضافة. وعند إعادة تقديم الموازنة في 12 مارس 2025، تمسك المؤتمر الوطني الأفريقي ووزارة المالية بزيادة الضريبة بنسبة 0.5% خلال عام 2025، تعقبها زيادة مماثلة بنسبة 0.5% في عام 2026، بهدف توفير نحو 75 مليار راند ( قرابة 4 مليارات دولار أمريكي، خلال ثلاث سنوات لتمويل قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة وبرامج الحماية الاجتماعية، وتجنب اللجوء إلى إجراءات تقشفية).
في المقابل، رفض التحالف الديمقراطي هذه الزيادة، معتبرًا أن الأزمة المالية ترجع إلى ضعف كفاءة الإنفاق الحكومي واستمرار الفساد وتأخر الإصلاحات الهيكلية، وليس إلى نقص الإيرادات، مطالبًا بإعطاء الأولوية لضبط الإنفاق وتحسين أداء المؤسسات العامة بدلًا من تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية. وعندما تعذر التوصل إلى توافق داخل الائتلاف، لجأ المؤتمر الوطني الأفريقي إلى بناء أغلبية برلمانية بديلة؛ حيث تمكن في 2 أبريل 2025 من تمرير الإطار المالي للموازنة بدعم أحزاب من خارج الحكومة، أبرزها حزب العمل من أجل جنوب أفريقيا ActiomSA، وحزب بناء جنوب أفريقيا BOSA، بينما صوت التحالف الديمقراطي ضد المشروع، في سابقة كشفت محدودية آلية “التوافق الكافي” التي نص عليها إعلان النوايا المنظم للعلاقة بين شركاء الحكومة، وأظهرت أن الحزب الحاكم بات قادرًا على تجاوز اعتراض شريكه الرئيسي عبر تحالفات برلمانية مؤقتة.
ولم تنته تداعيات أزمة الموازنة بإقرار الإطار المالي أو التراجع عن زيادة ضريبة القيمة المضافة، بل استمرت خلال مناقشات موازنة عام 2026، التي أعادت إبراز التباينات بين المؤتمر الوطني الأفريقي والتحالف الديمقراطي بشأن أولويات الإنفاق والإصلاح الاقتصادي وآليات إدارة المالية العامة. ورغم تجدد الخلافات، حرص الطرفان على احتوائها داخل مؤسسات الائتلاف؛ حيث أكد رئيس التحالف الديمقراطي تمسك حزبه بالاستمرار في حكومة الوحدة الوطنية، بما عكس إدراكًا متبادلًا بأن تكلفة انهيار الائتلاف تفوق كلفة استمرار الخلافات داخله. وبذلك، تحولت إدارة الموازنة من قضية مالية إلى اختبار متكرر لقدرة حكومة الوحدة الوطنية على التوفيق بين تباين الرؤى الاقتصادية والحفاظ على تماسك الائتلاف، في ظل استعداد الأحزاب لخوض الانتخابات المحلية وتصاعد التنافس بينها.
كما انعكس التوتر الداخلي ليشمل النقاش بشأن آليات إدارة الائتلاف نفسه؛ إذ طالب زعيم التحالف الديمقراطي جون ستينهاوزن في يونيو 2026 بإعادة النظر في التمثيل الوزاري للحزب داخل الحكومة، في ظل استمرار هيمنة المؤتمر الوطني الأفريقي على مفاصل السلطة التنفيذية. ورغم استمرار الخلافات بين الطرفين حول ملفات اقتصادية وتشريعية عدة، تمسك التحالف الديمقراطي بالبقاء داخل الحكومة، إدراكًا لتكلفة الانسحاب قبل الانتخابات المحلية، في حين يرى المؤتمر الوطني الأفريقي أن الحفاظ على تماسك الائتلاف يمثل شرطًا أساسيًا للحد من خسائره الانتخابية.
رابعًا: مستقبل التوازنات الحزبية في جنوب أفريقيا
لم يعد مستقبل حكومة الوحدة الوطنية في جنوب أفريقيا مرتبطًا فقط بقدرتها على احتواء الخلافات بين مكوناتها، وإنما بات رهينًا بالتوازنات الحزبية التي أفرزتها انتخابات 29 مايو 2024، والتي أنهت للمرة الاولى منذ 1994 هيمنة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) على الأغلبية البرلمانية. ونتيجة لذلك، انتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة يقوم فيها استقرار السلطة على إدارة التحالفات والتوافقات السياسية، أكثر من اعتماده على هيمنة حزب واحد.
ويُتوقع أن يتحدد مستقبل هذه التجربة عبر ثلاثة استحقاقات سياسية متعاقبة. يتمثل أولها في الانتخابات المحلية المقررة في 4 نوفمبر 2026، التي ستشكل أول اختبار انتخابي لحكومة الوحدة الوطنية، إذ ستقيس قدرة المؤتمر الوطني الأفريقي على وقف تراجع شعبيته واستعادة نفوذه في الحكم المحلي، كما ستختبر قدرة التحالف الديمقراطي (DA) على توظيف مشاركته في الحكومة لتعزيز رصيده الانتخابي، في حين ستسعى أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب أومكونتو وي سيزوي (MK) وحزب المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية (EFF)، إلى استثمار أي تراجع في شعبية الائتلاف الحاكم لتوسيع نفوذها داخل المجالس المحلية.
أما المحطة الثانية فتتمثل في المؤتمر الوطني السادس والخمسين للمؤتمر الوطني الأفريقي عام 2027، الذي سيكتسب أهمية استثنائية مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للرئيس سيريل رامافوزا. ولن يقتصر المؤتمر على انتخاب قيادة جديدة للحزب، بل سيحدد أيضًا توجهاته الاستراتيجية، سواء بالاستمرار في خيار الشراكة مع التحالف الديمقراطي أو إعادة النظر في صيغة الائتلاف تحت ضغط التنافس الداخلي على خلافة رامافوزا، لا سيما مع تصاعد الحديث عن شخصيات بارزة مثل بول ماشاتيلي، وما أثارته الدعوات المبكرة لدعم باتريس موتسيبي من نقاشات داخل الحزب بشأن ترتيبات مرحلة ما بعد رامافوزا.
وتظل الانتخابات العامة المقررة عام 2029 المحطة الفاصلة في تقييم تجربة الحكم الائتلافي؛ إذ ستحدد ما إذا كانت قد أصبحت نمطًا مستقرًا لإدارة السلطة في جنوب أفريقيا، أم أن المؤتمر الوطني الأفريقي سيتمكن من استعادة أغلبيته البرلمانية والعودة إلى تشكيل الحكومة منفردًا. كما ستقيس قدرة التحالف الديمقراطي على ترسيخ موقعه باعتباره شريكًا دائمًا في الحكم أو بديلًا سياسيًا قادرًا على قيادة الحكومة، بينما ستسعى أحزاب حزب أومكونتو وي سيزوي (MK)، وحزب المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية إلى توظيف أي إخفاقات حكومية لتعزيز حضورها البرلماني وإعادة تشكيل خريطة المعارضة.
وفي ضوء هذه الاستحقاقات، تبدو جنوب أفريقيا أمام مرحلة إعادة هيكلة لنظامها الحزبي، تتراجع فيها تدريجيًا شرعية التحرر الوطني التي شكلت أساس هيمنة المؤتمر الوطني الأفريقي طوال العقود الثلاثة الماضية، مقابل صعود شرعية الأداء الحكومي باعتبارها المحدد الرئيس لسلوك الناخبين. ومن ثم، فإن نتائج انتخابات 2026 ستوفر مؤشرًا أوليًا لاتجاهات الرأي العام، وسيحدد مؤتمر 2027 مستقبل قيادة الحزب الحاكم وتحالفاته، بينما ستحسم انتخابات 2029 ما إذا كانت حكومة الوحدة الوطنية تمثل بداية مرحلة مستقرة من الحكم الائتلافي، أم مجرد تسوية سياسية فرضتها نتائج انتخابات 2024.

