وحدة الدراسات الأفريقية

أبعد من تيجراي: “سلاح الجوع” في الحرب الأهلية الإثيوبية

يواجه إقليم تيجراي حاليًا أزمة إنسانية معقدة. فبعيدًا عن مسار المعارك، هناك زيادة مقلقة في انعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من خطر المجاعة في الشهور المقبلة. ومنذ الحرب العالمية الثانية ستكون هذه ثالث مجاعة كبرى لإثيوبيا، فقد شهدت الثمانينيات المجاعة الأسوأ لإثيوبيا، حيث قَضَى ما يقرب من 800 ألف شخص. وحاليًا يدفع إقليم تيجراي ثمن قرارات الأطراف المتقاتلة التي دفعت مئات الآلاف نحو المجاعة والتي يتوقع أن يتسع نطاقها خارج إقليم تيجراي نتيجة لاتساع دائرة المعارك التي باتت تشمل إقليمي العفر وأمهرا. مؤشرات أزمة الغذاء في إثيوبيا أدى تأثير الصراع في منطقة تيجراي المستمر…

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

يواجه إقليم تيجراي حاليًا أزمة إنسانية معقدة. فبعيدًا عن مسار المعارك، هناك زيادة مقلقة في انعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من خطر المجاعة في الشهور المقبلة. ومنذ الحرب العالمية الثانية ستكون هذه ثالث مجاعة كبرى لإثيوبيا، فقد شهدت الثمانينيات المجاعة الأسوأ لإثيوبيا، حيث قَضَى ما يقرب من 800 ألف شخص. وحاليًا يدفع إقليم تيجراي ثمن قرارات الأطراف المتقاتلة التي دفعت مئات الآلاف نحو المجاعة والتي يتوقع أن يتسع نطاقها خارج إقليم تيجراي نتيجة لاتساع دائرة المعارك التي باتت تشمل إقليمي العفر وأمهرا.

مؤشرات أزمة الغذاء في إثيوبيا

أدى تأثير الصراع في منطقة تيجراي المستمر منذ حوالي 9 شهور إلى تفاقم التوقعات المقلقة بالفعل لانعدام الأمن الغذائي الحاد في إثيوبيا، حيث وصل الوضع الآن إلى مستوى كارثي، ومن المتوقع أن يزداد سوءًا في الفترات المقبلة. فقد أشار تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC” الصادر في ديسمبر 2020 بعد شهر واحد فقط من بداية الصراع، إلى وجود ما يقدر بنحو 8.6 ملايين شخص يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي في إثيوبيا، مع 1.4 مليون شخص في حالة طوارئ (المرحلة الرابعة). بينما يشير تقرير IPC الأخير إلى ارتفاع هذا العدد إلى نحو 16.8 مليون شخص يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة فأعلى) بين مايو ويونيو 2021.

وبالتركيز على شمال إثيوبيا، حتى قبل اندلاع الصراع، كان هناك ما يقرب من 1.6 مليون شخص من سكان تيجراي البالغ عددهم 6 ملايين بحاجة إلى مساعدة خارجية قبل النزاع (بما في ذلك اللاجئون). وفي يونيو 2021، أعلنت IPC أن حوالي 5.5 ملايين شخص في تيجراي والمناطق المجاورة في العفر وأمهرا (61% من سكان المنطقة)؛ يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، الجزء الأكبر منهم في تيجراي (4 ملايين) ثم أمهرا (1 مليون) ثم العفر(0.45 مليون)، ومن بين هؤلاء: 3.1 ملايين شخص في أزمة (المرحلة الثالثة)، و2.1 مليون شخص في حالة طوارئ (IPC المرحلة 4)، مع وجود أكثر من 353.000 شخص تم تقييمهم الآن على أنهم في مرحلة الكارثة (المرحلة الخامسة)، مما يعني أنهم معرضون لخطر المجاعة، وهذا هو أكبر عدد من الأشخاص في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي للأمن الغذائي منذ مجاعة 2011 في الصومال، مع توقعات بأن يزداد الوضع سوءًا في الشهور المقبلة.

من جهة أخرى، أفاد تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في يوليو 2021، بوجود 23 بؤرة جوع ساخنة حول العالم، تقع إثيوبيا في المرتبة الثانية من حيث عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، والذين بلغوا نحو 16.8 مليون شخص، بينهم 12.1 مليون في المرحلة الثالثة، و4.3 ملايين في المرحلة الرابعة، وحوالي 400 ألف شخص في المرحلة الخامسة.

إضافة لذلك، قدرت اليونيسف أن 56000 طفل دون سن الخامسة في تيجراي يحتاجون إلى العلاج هذا العام من سوء التغذية الحاد الشديد الذي يهدد حياتهم، مع توقع بزيادة هذا العدد إلى أكثر من 100000 طفل في الأشهر الـ12 المقبلة، بزيادة قدرها عشرة أضعاف مقارنة بمتوسط ​​عدد الحالات السنوي في المنطقة، وتزداد خطورة الوضع مع الأضرار الجسيمة التي لحقت بالأنظمة الصحية والمرافق الصحية التي نُهبت، وتدمير البنية التحتية للمياه مما يتسبب في ندرة شديدة للمياه الصالحة للشرب، ويمكن أن تؤدي هذه التطورات إلى تفشي الأمراض، مما يعرض الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية لخطر الموت بشكل أكبر. كما تشير بيانات الفحص أيضًا إلى أن ما يقرب من نصف النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية الحاد.

وتظل هذه الأرقام التقديرية وفقًا للمعلومات المحدودة المتاحة عن الوضع داخل منطقة الصراع، أقل من الواقع الذي ربما يكون أكثر سوءًا مما يتم تداوله. 

أسباب تفاقم أزمة الغذاء في إثيوبيا

يواجه العديد من سكان إثيوبيا حالة طوارئ تتعلق بالأمن الغذائي، حيث وصل مستوى الحاجة إلى مساعدة إلى أعلى مستوياته منذ عام 2016، مدفوعًا بمجموعة من العوامل:

1. الصراعات الداخلية:

تشير التقديرات إلى أن ثلاثة أرباع المجاعات العالمية في السبعين سنة الماضية كانت ناجمة عن الصراع المسلح أو القمع السياسي. وبالمثل يمثل الصراع الدافع الرئيسي لأزمة الأمن الغذائي في شمال إثيوبيا، والمحفز الأساسي للعوامل الأخرى، حيث أدت زيادة الصراعات في إثيوبيا منذ أواخر عام 2020، إلى انخفاض واسع النطاق في وصول الأسر للغذاء والدخل، ولا سيما في تيجراي وأمهرا والعفر، كما تسبب الصراع في إحداث مستويات عالية من العنف وتدمير سبل العيش والنزوح. كذلك أدى الصراع أيضًا إلى تدمير البنية التحتية في المنطقة، من محطات مياه ومرافق صحية ومدارس، فضلًا عن تدمير معدات تخزين الأغذية ومدخلات وأدوات الزراعة والثروة الحيوانية، ونهب المعونة الغذائية، مما أدى إلى عدم توافر مستويات كافية من الغذاء للسكان في الداخل، وفاقم من أزمة الغذاء التي كانت تعاني منها المنطقة أصلًا قبل الصراع، كما تضيف القيود المفروضة على الحركة في بعض المناطق بسبب الصراع صعوبة في وصول السكان إلى نقاط توزيع الغذاء، أو وصول أي مساعدات إليهم.

2.تصاعد معدلات النزوح:

أدى الصراع الدائر في إثيوبيا منذ نوفمبر 2020 إلى نزوح داخلي لأكثر من مليوني شخص، مع حوالي 1.7 مليون نازح في تيجراي وحدها، فروا من منازلهم تاركين وراءهم معظم أصولهم وسبل عيشهم. ووفقًا للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، يعتمد غالبية النازحين داخليًا في تيجراي بشكل أساسي على تبرعات المجتمعات المضيفة، ومع ذلك نظرًا للقيود المفروضة على الحركة وإعاقة وصول المساعدات للداخل فإن ما يزيد على نصف مواقع النازحين داخليًا لم تستفد من توزيع الغذاء، مما فاقم من حجم أزمة الغذاء. بالإضافة إلى ذلك، أجبر التوزيع غير الكافي للغذاء النازحين على بيع المواد غير الغذائية الواردة من منظمات الإغاثة لشراء المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى. 

3.التدهور الاقتصادي:

ساءت ظروف الاقتصاد الكلي في إثيوبيا منذ أكثر من عام، مدفوعة بشكل أساسي بانخفاض الصادرات والاحتياطيات الأجنبية بسبب الإنفاق الحكومي المرتفع في السنوات القليلة الماضية، مما أدى إلى ارتفاع التضخم عند 19.2٪ في أبريل 2021، مع انخفاض مستمر لقيمة البر الإثيوبي الذي خسر 25% من قيمته في أقل من عام. كما أدى الصراع في تيجراي وأوروميا وأمهرا إلى تعطيل الإنتاج المحلي، مع عدم توافر المنتجات المستوردة، مما أدى إلى انخفاض المعروض في السوق وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث ارتفعت أسعار الأرز بنسبة تتعدى 100٪ في منطقة تيجراي مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، كما وصلت الزيادات في أسعار الوقود إلى حوالي 1000٪، ونتج عن ذلك انخفاض القوة الشرائية للعديد من الأسر، وعدم قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء، وتركهم أكثر عرضة لخطر انعدام الأمن الغذائي من ذي قبل. 

4.خسائر قطاع إنتاج الغذاء:

يعتمد اقتصاد إثيوبيا على الزراعة التي تمثل 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي، و80٪ من الصادرات، والتي يشتغل بها ما تقدر نسبته بنحو 75٪ من القوة العاملة في البلاد، وفقًا للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID. ومع ذلك فقد تزامن بدء الصراع في تيجراي مع بداية موسم الحصاد، مما أدى إلى فقدان ما يُقدر بنحو 90٪ من محصول عام 2020، حيث قامت الجماعات المسلحة بتخريب المزارع، ونهب أي مخزون غذائي وجدوه على الطريق. وتُشير التقديرات إلى أنه قبل اندلاع الصراع، كان حوالي 80٪ من سكان المنطقة يعتمدون على الزراعة كمصدر أساسي للدخل والغذاء، ولكن اعتبارًا من مايو 2021، كان حوالي 80٪ من الأسر إما ليس لديها مخزون غذائي أو لديهم مخزون يستمر حتى نهاية مايو فقط.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى ضياع الحصاد والنهب والتدمير نتيجة الصراع، فضلًا عن عدم توافر المدخلات الزراعية بسبب إغلاق المنافذ وتعرض معظم المستودعات للتخريب، ونهب المواشي وقتلها على نطاق واسع، ففي بعض أجزاء المناطق الغربية والوسطى من إقليم تيجراي، تم نهب ما يقدر بنحو 80-90٪ من جميع الماشية التي تمثل مصدرًا هامًا للدخل والغذاء لسكان المنطقة. وبالنظر إلى أن غالبية الأسر تعتمد على زراعة الكفاف، فقد أثر فقدان محاصيلهم ومدخلات الإنتاج بشدة على أمنهم الغذائي وتغذيتهم.

وعلى الرغم من تحسن هطول الأمطار في شهر يوليو فمن غير المرجح أن تستفيد المنطقة بالموسم الزراعي لهذا العام أيضًا نتيجة تأخر هطول الأمطار وهجرة المواشي بحثًا عن المراعي والمياه ونفوق الكثير منها، ونقص البذور وسوء الوصول إلى الخدمات الزراعية، وفرار كثير من العمال الزراعيين من المنطقة نجاةً بحياتهم من الصراع. وبعد الفشل في الحصاد في عام 2020، قد تكون عواقب فشل موسم 2021 وخيمة على الأمن الغذائي، حيث تعتمد معظم الأسر على إنتاجها من أجل الغذاء والدخل، وإذا لم يتم تقديم الدعم على الفور فسيكون الحصاد التالي خلال 18 شهرًا، الأمر الذي سيفاقم أزمة الغذاء في المنطقة.

وأدت هذه الدوافع مجتمعة إلى انخفاض فرص الحصول على الغذاء للعديد من الأسر الفقيرة، وتركت خلفها ملايين الأشخاص غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية، مما يُظهر الحاجة الماسة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء النزاعات، وتوسيع نطاق المساعدة الإنسانية، والسماح بوصولها دون عوائق، بما في ذلك الغذاء والمياه والأدوية، لمنع الفجوات الشديدة في استهلاك الغذاء وما يرتبط بها من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

الاستجابة الدولية المترددة لاستخدام الجوع كسلاح في الحرب

تستهدف القوات الإثيوبية عن قصد مخزونات المواد الغذائية والمعدات الزراعية، مما يضمن حتمًا استمرار الجوع في الموسم المقبل في تيجراي، في محاولة لإجبار قوات تيجراي على التراجع. وقد شكل تعمد منع وصول المساعدات لإقليم تيجراي الأداة الأكثر فاعلية في هذا السياق، حيث سجلت الأمم المتحدة 129 حادثة عرقلة لوصول المساعدات في شهر مايو 2021 وحده من قبل القوات الإثيوبية والإريترية والمليشيات المتعاونة، مع تسجيل حالة واحدة فقط من قبل قوات التيجراي، وهو ما يخالف صراحة قرار الأمم المتحدة رقم 2417 لسنة 2018، الذي يدين صراحة التجويع كأسلوب من أساليب الحرب ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين، ويمكّن الأمم المتحدة من فرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تعرقل العمليات الإنسانية.

في غضون ذلك، تتجنب العديد من التقارير الدولية الحديث عن وضع الأمن الغذائي في إثيوبيا باعتباره “مجاعة”، وتكتفي بالإشارة إلى أنها “كارثة” بدلًا من ذلك، مع تحذير من أن أجزاء كبيرة من تيجراي معرضة لخطر المجاعة في الأشهر المقبلة، حيث يتطلب إطلاق لفظ “مجاعة” بيانات دقيقه غير متوفرة عن تيجراي، وهو ما يؤكد أن هذا التصنيف مسيس للغاية، فحرصًا على تجنب الحصول على تصنيف “المجاعة”، غالبًا ما تخفي الحكومات البيانات أو تتلاعب بها لتحقيق هدفها وتقليل خطورة الجوع، نزولًا إلى مستويات “الطوارئ” أو “الأزمة”، بينما لا يزال الناس يموتون ولكن بمعدل أقل قليلًا.

ومع ذلك، لا يحمل إعلان “المجاعة” في تيجراي أي التزامات مُلزمة على الأمم المتحدة أو الدول الأعضاء، ولكنه يعمل على تركيز الاهتمام العالمي على المشكلة. ولا يهم إن كان مسماها القانوني “مجاعة” أو “إبادة جماعية” أم لا، المهم أن ما ترتب عليها لا يقل بشاعة عن أكبر الجرائم، فالجوع طريقة قاسية للموت، حيث إن الجسم الذي يعاني من نقص التغذية يستهلك أعضاءه من أجل توليد طاقة كافية للحفاظ على الحياة، وتزداد بشاعة الأمر مع حقيقة أن أولئك الذين يستسلمون أولًا هم من الأطفال، فعادةً ما يمثل الأطفال ثلثي أولئك الذين يموتون في المجاعات.

وبغض النظر عن التسمية المستخدمة في التقارير الدولية، دفع انتشار مستويات عالية وحرجة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية على نطاق واسع في شمال إثيوبيا وتحديدًا في تيجراي، العديد من منظمات الإغاثة والمنظمات الدولية إلى تقديم مساعدات غذائية وإنسانية عاجلة لسكان المنطقة المتضررين من الصراع. ومع ذلك، تواصل منظمات الإغاثة الإبلاغ عن تحديات كبيرة للوصول إلى المنطقة وتقديم المساعدة المنقذة للحياة لأكثر من 5.2 ملايين شخص في حاجة ماسة إلى الدعم.

ولا تزال الاستجابة غير كافية لتلبية الاحتياجات المرتفعة للمساعدات، حيث تحتاج المنطقة إلى ما بين 500 و600 شاحنة محملة بمواد الإغاثة (غذاء، ومواد غير غذائية، والوقود) أسبوعيًا، بينما ما يصل فعليًا لا يمثل 10% من الاحتياجات، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى القيود المفروضة على الوصول، فلا تزال جميع الطرق الرئيسية المؤدية إلى تيجراي من منطقة أمهرا مغلقة بسبب القيود وانعدام الأمن المرتبط بالقتال المستمر، بالإضافة لنقص الوقود، وانقطاع التيار الكهربائي، والأضرار التي لحقت بشبكات المياه، ونقص قطع الغيار والمعدات لإصلاح أو صيانة شبكات المياه، فضلًا عن نقص التمويل، حيث تواجه خطة الاستجابة لشمال إثيوبيا فجوة تمويلية كبيرة تقدر بـ364 مليون دولار أمريكي حتى نهاية عام 2021.

وفي اللحظة الراهنة تعجز الاستجابة الدولية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للمساعدات، وتشير التقارير إلى أن الواقع على الأرض هو أن العاملين في المجال الإنساني يواجهون سيلًا مستمرًا من التأخيرات البيروقراطية، والمطالبات بموافقات إضافية، فضلًا عن قيود تعجيزية يتم فرضها على عمال الإغاثة لمنعهم من الدخول. فعلى سبيل المثال، عمال الإغاثة على متن رحلة الركاب التابعة للخدمات الجوية الإنسانية للأمم المتحدة التي وصلت ميكيلي في 22 يوليو، لم يسمح للفرد فيها بحمل مبالغ مالية تزيد على 225 دولارًا (وهو مبلغ لا يكفي لتغطية نفقاتهم الشخصية)، ولم يسمح لهم بحمل بعض الأدوية الأساسية مثل أدوية الملاريا والقلب والسكري والمسكنات، مما أدى لتخلف جزء منهم عن الرحلة، كما يقوم الجيش الإثيوبي بمنع عمال الإغاثة الذين يسافرون إلى عمق المناطق الريفية، متهمًا إياهم بمساعدة المتمردين.

ومع هذه التأخيرات والعقبات لا يمكن للمساعدات الإنسانية أن تصل إلى النطاق المطلوب لتلبية الاحتياجات الهائلة، بالإضافة لذلك لا تمنح تمديد التأشيرة لكل العاملين في الإغاثة، ففي حين أن موظفي الأمم المتحدة وبعض الشركاء من المنظمات غير الحكومية الدولية الكبيرة قادرون على الحصول على تمديد تأشيرة لمدة ثلاثة أشهر للعمل في المنطقة، يتم رفض طلبات الشركاء الآخرين، كما استمر ورود أنباء عن مضايقات وترهيب واحتجاز عمال الإغاثة ومصادرة الإمدادات الإنسانية، فضلًا عن عمليات الهجوم التي تتم على عمال الإغاثة الذين فقد أربعة عشر منهم حياتهم بالفعل أثناء مساعدة الآخرين، ويشمل ذلك القتل الوحشي لثلاثة موظفين من جمعية أطباء بلا حدود الخيرية، في 24 يونيو. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج العاملون في المجال الإنساني إلى الكهرباء والاتصالات والمصارف والوقود من أجل القيام بعملهم المنقذ للحياة.

في سياق متصل، وفي الوقت الذي تقول فيه الأمم المتحدة إن المساعدات الموزعة قد وصلت إلى 2.8 مليون شخص، تشير تقارير أخرى إلى أن 13٪ فقط من 5.2 مليون شخص محتاج قد حصلوا على مساعدة، مع توضيح أن تلك المساعدات المقدمة لا تكفي لإطعام أسرة لمدة 10 أيام، كما تفيد تقارير أخرى بأن المساعدات التي يتم تفريغها من الشاحنات تُسرق من قبل القوات المتقاتلة قبل توزيعها على المدنيين المحتاجين.
ختامًا، لا تزال هناك قيود مفروضة على وصول المساعدات لتيجراي، ومن غير المرجح أن تنتهي الأزمة سريعًا، في ظل اتساع رقعة الصراع وتمدده إلى المناطق المجاورة، ولكن الوضع الغذائي الحرج في تيجراي يتطلب إجراءات سريعة لعكس مسار كارثة التغذية والصحة والأمن الغذائي، كما يتطلب زيادة هائلة في المساعدات الإنسانية والغذائية، وهذا بدوره يعني أنه يجب السماح للمنظمات الإنسانية بأداء عملها دون عوائق متعمدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن مع ذلك تظل المساعدات الغذائية غير ذات جدوى على المدى الطويل إذا لم تُستتبع بحلول جذرية للصراع، والذي أبدى قدرة كبيرة على نقل أزمة الغذاء لأقاليم أخرى أبعد من إقليم تيجراي.

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية