راودتني كثيراً الرغبة عن أن أكتب عن الأيام الأخيرة في حرب أكتوبر التي شهدت اعتباراً من يوم١٦ ولأسابيع طويلة ما عُرِف بالثغرة التي حاولت إسرائيل تصويرها على أنها قلبت الموازين لصالحها في الحرب، ولقد ترددت غير مرة في تنفيذ هذه الرغبة خشية اتهامي بتغليب الاعتبارات الوطنية على الموضوعية إلى أن شرفت بإهداء الأخ العزيز اللواء الدكتور محمد قشقوش أحد أبطال حرب أكتوبر البارزين كتابه الأخير لي بعنوان حرب أكتوبر١٩٧٣ بين الحقائق والأكاذيب فوجدت فيه ما يحسم ترددي ويطمئنني إلى أن رؤيتي لما حدث تطابق الواقع، وأعتقد أن الجهات المسئولة عن تنشئة الأجيال الجديدة يجب أن تستفيد من هذا الكتاب الرائع…

د. أحمد يوسف أحمد

راودتني كثيراً الرغبة عن أن أكتب عن الأيام الأخيرة في حرب أكتوبر التي شهدت اعتباراً من يوم١٦ ولأسابيع طويلة ما عُرِف بالثغرة التي حاولت إسرائيل تصويرها على أنها قلبت الموازين لصالحها في الحرب، ولقد ترددت غير مرة في تنفيذ هذه الرغبة خشية اتهامي بتغليب الاعتبارات الوطنية على الموضوعية إلى أن شرفت بإهداء الأخ العزيز اللواء الدكتور محمد قشقوش أحد أبطال حرب أكتوبر البارزين كتابه الأخير لي بعنوان حرب أكتوبر١٩٧٣ بين الحقائق والأكاذيب فوجدت فيه ما يحسم ترددي ويطمئنني إلى أن رؤيتي لما حدث تطابق الواقع، وأعتقد أن الجهات المسئولة عن تنشئة الأجيال الجديدة يجب أن تستفيد من هذا الكتاب الرائع بشكلٍ أو بآخر، ولقد اختلفت دائماً مع القائلين أن الثغرة كانت مسرحية قصدت بها إسرائيل مجرد وجود شكلي يحفظ ماء وجهها في نهاية الحرب، ذلك أن الثغرة كانت محاولة حقيقية من إسرائيل لقلب ميزان القوى في الحرب، ولنتصور لو كانت قد تمكنت بعد نجاحها في عملية الاختراق بين الجيشين الثاني والثالث وتجميع بعض قواتها في جيب الدفرسوار من غزو مدينتي الإسماعيلية والسويس لتأتى جولدا مائير بعد ذلك وتخاطب العالم من إحدى المدينتين، وقد كانتا شبه خاليتين من السكان آنذاك عقب تهجيرهم لحمايتهم بعد اشتعال حرب الاستنزاف وتعمد إسرائيل أن توجه ضرباتها الانتقامية للمدنيين، غير أن تلك السبيكة المذهلة دوماً من التلاحم بين شعب مصر وجيشها تكفلت بإفشال هذا المخطط بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين وجسارة منقطعة النظير تنطوي على التضحية بأي شيء في سبيل الوطن حتى ولو كان الحياة نفسها، ويسطر الأبطال ملاحم لا تُصدق، ويسقط الجرحى والشهداء لكن كل شيء يهون في سبيل الوطن، وقد حاولت إسرائيل إحداث الثغرة بالتأكيد منذ أفاقت من صدمة العبور الأولى ويقول اللواء قشقوش (ص١١٤) أن فكرة الثغرة كانت موجودة لدى القيادة الإسرائيلية منذ بدايات الحرب…لمنع القوات المصرية من استمرار العبور والتوغل شرقاً بافتراض أن دفاعات خط بارليف وأنابيب اللهب ستوقف وتربك القوات المصرية لحين الهجوم المضاد الإسرائيلي ومحاولة النفاذ إلى الشاطئ المصري للانتشار جنوباً وشمالا لحصار جبهة القناة وتدمير القوات المصرية ارتكازاً على التفوق الجوي، غير أن النجاح المصري المذهل أفشل تلك الخطة ووأدها في مهدها مما أدى إلى إلغائها أو تأجيلها إلى أن حانت الفرصة الملائمة.

حانت هذه الفرصة بعد أن طمأنت طلعة الاستطلاع الجوي الأمريكية التي تمت خارج مدى الصواريخ المصرية في١٥أكتوبر إسرائيل إلى أن فرقتي تطوير الهجوم المدرعتين اللتين عبرتا إلى الشرق يومي١٤-١٥أكتوبر لم تعودا إلى مواقعهما السابقة غرب الدفرسوار والبحيرات المرة، وبالتالي فإن الموقعين خاليان من الدبابات والمركبات ومعدات القتال الثقيلة، ولا يوجد بهما سوى العناصر الإدارية، وهكذا لم تكتف الولايات المتحدة بالدعم العسكري الهائل لإسرائيل منذ١٣أكتوبر الذى عوضها عن جميع خسائرها وإنما زادت عليه هذه المساعدة الاستخباراتية التي لا تُقدر بثمن، وكان الجيش الإسرائيلي في أمس الحاجة لعمل يحاول به تغيير موازين الحرب أو يحفظ على الأقل ماء وجهه خاصة وقد بدا واضحاً أن الجهود الدولية تسير في اتجاه وقف إطلاق النار، وهكذا تسللت ليلة١٦/١٥أكتوبر قوة مظلية إسرائيلية صغيرة (حوالي١٠٠فرد و٧دبابات برمائية) إلى الشاطئ الغربي كثيف المزروعات حيث تم الاختباء إلى صباح يوم١٦ مع رفع أعلام مصرية وجزائرية على بعض الدبابات خاصة السوفيتية من خسائر حرب١٩٦٧ والاستفادة من الجنود الإسرائيليين من أصول عربية أثناء اختراق المناطق الريفية الزراعية غرب القناة، وهاجمت الدبابات الإسرائيلية بعض مواقع صواريخ الدفاع الجوي غير المؤهلة لقتال الدبابات، ومع ذلك -وهذه أولى علامات ملحمة الثغرة- فقد استخدمت مدافعها لقتال مركبات العدو المدرعة وأحدثت بها خسائر كبيرة في سابقة يقول اللواء قشقوش إنها الأولى في الحروب، ولكن لا شك أن إعطاب بعض مواقع صواريخ الدفاع الجوي المصرية أحدث ثقباً في مظلة الدفاع الجوي المصرية نفذ منه الطيران الإسرائيلي وفرض شبه سيطرة جوية على منطقة شرق وغرب وفوق البحيرة المرة الكبرى وجنوب الدفرسوار بما سمح بتجميع كوبرى عبور استخدمته إسرائيل في جلب مزيد من القوات إلى منطقة الثغرة، وهكذا حققت نجاحاً نسبياً في بدايات معركة الثغرة أو بلغة اللواء قشقوش كسبت نصف معركة بينما كسبت القوات المصرية في الحرب ٦.٥معركة هي معارك الخداع الاستراتيجي، واقتحام القناة، وتدمير خط بارليف والاستيلاء عليه، وصد وتدمير الاحتياطات القريبة، وكذلك الاحتياطات التعبوية، بينما خسرت معركة تطوير الهجوم والنصف الأول من معركة الثغرة والعبرة بالخواتيم، وعندما صدر قرار مجلس الأمن مساء٢٢أكتوبر لم تكن خطوط القتال تحقق أي ميزة استراتيجية لإسرائيل، ولهذا تواطأ كيسنجر معها لخرق وقف إطلاق النار لتحقيق هدف استراتيجي بالاستيلاء على الإسماعيلية أو السويس أو كلتيهما، وهنا تتعاظم معالم إعجاز السبيكة المصرية المدنية – العسكرية في معركة الثغرة.

كاتب هذه السطور من جيل عاصر هزيمة١٩٦٧ في شرخ شبابه، وأعترف بأنني لحظة يقيني بوقوع الهزيمة الفادحة تخيلت أن وطني مقبل على مرحلة شبيهة بحقبة الاحتلال البريطاني الذى دام٧٠عاماً، لكن تخيلي لم يدم لأكثر من ساعات، ففي اليوم التالي أعلن عبدالناصر مسئوليته عن الهزيمة وتنحيه، ورفض الشعب بما يشبه الإجماع هذا التنحي يومي ٩ و١٠ يونيو، وفى اليوم التالي لتراجع عبدالناصر عن استقالته بدأت عملية التغيير الجذري في القوات المسلحة بالقيادة ثم توالت الخطوات، وفى اليوم الأول من الشهر التالي للهزيمة كانت معركة رأس العش المجيدة، وبعدها بدأت إغارات الطيران المصري على المواقع الإسرائيلية في سيناء، وفى أكتوبر أُغرقت المدمرة إيلات ثم بدأت حرب الاستنزاف بكل أمجادها، وأدركت كم كنت مخطئاً قليل الخبرة بأصالة الشعب المصري وعظمته، وعندما أُذيع البيان الأول عن حرب أكتوبر لا أُنكر أن رجفة أصابتني خشية انكسار جديد لا شك سيكون قاتلاً، لكن الأداء المذهل لقواتنا سرعان ما بدد خشيتي، وعندما تأكدت أنباء الثغرة هوى قلبي في ضلوعي مجدداً، لكنى أُقسم أنه كان الدرس الأخير في تأكيد الثقة في عظمة الشعب المصري وجيشه فقد فاق ما حدث الخيال وأثبت أن مصر بشعبها وجيشها لا يمكن أن تُقهر، فإلى ملحمة الصمود والبطولة في الإسماعيلية والسويس.

استنادا لما سبق فالثغرة لم تكن مسرحية ولا هي قلبت موازين القوى في الحرب، فلو كانت إسرائيل قد أكملت نجاحها في التسلل غرب القناة وتدمير مواقع الدفاع الجوي وإلحاق خسائر بقواتنا باحتلال الإسماعيلية أو السويس أو كلتيهما لا قدر الله لأمكن الحديث عن نصر استراتيجي لها كان من شأنه أن يغير ميزان القوى في الحرب، لكن صمود القوات المصرية وتضحياتها ومعها الشعب المصري كما بدا واضحاً في محاولتي احتلال الإسماعيلية والسويس ومن بعدهما معارك استنزاف الثغرة وخطة تصفيتها وصولاً إلى انسحاب القوات الإسرائيلية كلها أمور تضع معارك الثغرة في مكانها الطبيعي من إنجاز أكتوبر، ويرد هذا ضمنيا على من يعتقدون أننا نقلل من شأن ما فعلته إسرائيل في معارك الثغرة، فنحن نعترف بنجاحها في التسلل غرب القناة وإعطاب بعض مواقع الدفاع الجوي المصرية هناك وإلحاق خسائر بقواتنا، لكنها فشلت في النهاية في ترجمة هذا كله إلى نصر استراتيجي واضطُرت لسحب قواتها شرق القناة، ولو كانت في وضع قوة لما فعلت ولما أطلق جنودها النار ابتهاجاً أثناء انسحابهم من جحيم الهجمات المصرية، ولنتأمل في التفاصيل من خلال الكتاب الممتع للواء دكتور محمد قشقوش، فبعد النجاح المبدئي الذي تم استعراضه سابقا وصدور قرار وقف إطلاق النار مساء٢٢أكتوبر فى وضع لم يكن يحقق للقوات الإسرائيلية أي ميزة استراتيجية قامت إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار فى محاولة لتحقيق هدف استراتيجي بالاستيلاء على الإسماعيلية أو السويس أو كلتيهما، وفى محاولتها اقتحام الإسماعيلية واجهت مقاومة ضارية من القوات المصرية رغم النقص فى معداتها نتيجة تطورات المعركة إلى أن هاجم تشكيل دبابات معادٍ القوات المدافعة عن المدينة فقامت بنسف جزء من جسر ترعة السويس التي أغرقت المنطقة، وغرزت الدبابات الإسرائيلية، وأصبحت أهدافاً ثابتة لنيران قواتنا، وفشلت القوات الإسرائيلية في الوصول إلى ترعة الإسماعيلية، وتبدد حلم الاستيلاء على الإسماعيلية حيث بدأ تجميع القوات المصرية تباعاً لحصار الثغرة استعداداً لتدميرها.

أما السويس فقد أبت إلا أن تكون ملحمة تؤكد تلاحم الشعب المصري مع قواته المسلحة وإرادة الصمود المصرية، وللسويس كما لكل مدن القناة تاريخها المجيد في النضال الوطني، وكم كنت أستمتع بالحوار مع الدكتور زكى عبدالملك صاحب الصيدلية المجاورة لمنزلي القديم حول بطولات السويس إبان حرب الاستنزاف حيث كان يقيم ويعمل فى المدينة شبه المهجورة بعد عدوان ١٩٦٧ وتهجير سكانها لوقايتهم من الهجمات الانتقامية الإسرائيلية، وكان الدكتور زكى يعلق فى مكان مميز من صيدليته شهادة تقدير منحها له الرئيس جمال عبدالناصر على دوره أثناء الحرب، وتبدأ قصة ملحمة السويس بالإنذار الذى تلقاه محافظ السويس في الساعات الأولى ليوم ٢٤ أكتوبر من قائد القوة الإسرائيلية المهاجمة من خلال مكالمة تليفونية قال له فيها بلغة عربية ركيكة إنه يتكلم من إحدى شركات البترول قرب الأدبية وأنه يخيره بين تدمير المدينة أو الاستسلام والاستمرار في إدارته للمدينة تحت الإشراف الإسرائيلي، وأنه سيعاود الاتصال بعد ساعة لمعرفة قراره، ويتدارس المحافظ الأمر مع مستشاريه ويتم اتخاذ قرار جماعي برفض الاستسلام وتنظيم المقاومة وإبلاغ القاهرة بالقرار الذى باركتة ودعمته، ويخاطب المحافظ المصلين بعد صلاة الفجر ويحيطهم علماً بالموقف والقرار، ويضج المسجد بهتاف الله أكبر، ويتم وضع خطة الدفاع عن المدينة لتتكرر ملحمة صمود قوات الشرطة في الإسماعيلية أمام قوات الاحتلال البريطاني في ١٩٥٢ وصمود شعب بورسعيد في وجه الغزو البريطاني-الفرنسي ١٩٥٦، ولكى نقدر جسارة هذا القرار وبطولته علينا أن نتذكر ماهية القوات التي كانت بصدد التصدي لقوات إسرائيل المنتشية بالاختراق الذى حققته، وكانت هذه القوات تتكون من كوادر المحافظة المدنية وعناصر خدمية شرطية من قسم الشرطة ورجال المرور والإطفاء وبعض المواطنين الذين أصروا على البقاء في المدينة رغم التهجير، وعناصر إدارية لتشكيلات قتالية عبرت إلى الشرق ذات أسلحة خفيفة، وعناصر من الفرقة ١٩مشاه عبرت إلى السويس بأوامر من قائدها مكونة من عناصر قنص دبابات وبعض الضباط، وعناصر من المقاومة الشعبية (منظمة سيناء) التي تشكلت بعد عدوان ١٩٦٧.

فشل كمين المقاومة الأول فى وقف طابور الدبابات الإسرائيلية المتقدمة لاقتحام المدينة لكن الثاني أصاب دبابة المقدمة فى مقتل وتبعه تفجير آخر للمركبة التالية لها فانحرف باقي الطابور وأسرع في اتجاه سينما رويال حيث الكمين الثالث فانفجرت مركبة قتال واحترقت بمن فيها وتطايرت الأشلاء وعمت الفوضى بين القوات المهاجمة، واحتمى بعضها بالمباني ظناً أنها مهجورة، ولم يكن بعضها كذلك لسوء حظهم فكانت نيران البنادق والقنابل اليدوية فى انتظارهم، وبدأ انسحاب القوات حاملة معها المصابين والقتلى، وقدمت إسرائيل للصليب الأحمر لاحقاً كشفاً بأسماء ٣٦ قتيلاً لم يُعثر منهم إلا على ١٨، واستمرت ملاحقة قوات المقاومة لفلول المنسحبين الذين اضطُروا للانسحاب ليلاً بمن فيهم قائدهم المغرور الذى أضاف دون أن يقصد ملحمة جديدة من ملاحم بطولات مدن القناة، وبعد الانتصار في المعركة العسكرية انتصرت السويس في معركة الحصار التي امتدت لقرابة ١٠٠ يوم، وكسبها شعب السويس بامتياز بالتعاون مع قواته المسلحة، وهى ملحمة يضيق الحيز بتسجيلها لكنها يجب أن تُروى مع كل أمجاد حرب أكتوبر وبطولاتها لأجيالنا الجديدة كي تعتز بانتمائها لهذا الوطن الحبيب، وكم أحلم بفيلم يجسد بطولات الجيش والشعب المصري في معارك الثغرة وأُرشح ملحمة السويس لتكون العمل الأول فى هذا الصدد، وليرحم الله شهداءنا ويجزى كل من قاتل في هذه الحرب وغيرها من حروب الدفاع عن أمن الوطن واستقلاله وكرامته خير الجزاء.

ـــــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢١ و ٢٨ أكتوبر ٢٠٢١.

د. أحمد يوسف أحمد

مقالات أخرى للكاتب