وحدة الدراسات العربية والإقليمية

فُرص محدودة… آفاق الدور التركي في الشرق الأوسط عقب الانسحاب الأمريكي

أثار الانسحاب الأمريكي المتعجل من أفغانستان تساؤلات ومخاوف بشأن تكرار السيناريو نفسه في الشرق الأوسط مع انتهاج واشنطن سياسة “إنهاء الحروب الأبدية” و”التوجه نحو منطقة آسيا والمحيط الهادي” لاحتواء الخطر الصيني المتنامي، ومع التسليم بأن الولايات المتحدة لن تغادر المنطقة كليةً نظرًا لتشابك ارتباطاتها ومصالحها الاستراتيجية بالعديد من الدول والقوى الإقليمية، إلا أن انسحابها الجزئي سيترك فراغًا استراتيجيًا تستعد قوى دولية وإقليمية لملئه على رأسها روسيا والصين وتركيا وإيران، وقد بدا أن المنطقة تتهيأ لعملية إعادة التموضع تلك عبر إعادة صياغة علاقاتها وتحالفاتها ووضع أسس جديدة لمنظومة الأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار، تبرز تركيا كأحد القوى الإقليمية المتوقع أن تتطلع…

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

أثار الانسحاب الأمريكي المتعجل من أفغانستان تساؤلات ومخاوف بشأن تكرار السيناريو نفسه في الشرق الأوسط مع انتهاج واشنطن سياسة “إنهاء الحروب الأبدية” و”التوجه نحو منطقة آسيا والمحيط الهادي” لاحتواء الخطر الصيني المتنامي، ومع التسليم بأن الولايات المتحدة لن تغادر المنطقة كليةً نظرًا لتشابك ارتباطاتها ومصالحها الاستراتيجية بالعديد من الدول والقوى الإقليمية، إلا أن انسحابها الجزئي سيترك فراغًا استراتيجيًا تستعد قوى دولية وإقليمية لملئه على رأسها روسيا والصين وتركيا وإيران، وقد بدا أن المنطقة تتهيأ لعملية إعادة التموضع تلك عبر إعادة صياغة علاقاتها وتحالفاتها ووضع أسس جديدة لمنظومة الأمن الإقليمي.

وفي هذا الإطار، تبرز تركيا كأحد القوى الإقليمية المتوقع أن تتطلع أو تُكلف بلعب أدوار أوسع خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى طموحاتها للهيمنة الإقليمية واعتماد واشنطن مبدأ “الموازن الخارجي” لإدارة مصالحها بالمنطقة، ويعني هذا اتجاه قوى عظمى في النظام الدولي بنقل جزء من مسؤوليتها لقوى متوسطة حليفة وحصر التدخل المباشر على الحالات التي تعجز فيها القوة الإقليمية في التعامل معها. ونظرًا لعدم وجود طرف إقليمي قادر منفردًا على انجاز تلك المهمة في ظل بيئة أمنية وسياسية متشابكة كالشرق الأوسط فإن إدارة بايدن تتجه إلى توكيل تلك المهمة لعدد من حلفائها، منهم تركيا بالتأكيد، خاصة أن الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا يتعاملون مع الدور التركي – رغم الخلافات – باعتباره ظاهرة مقبولة لا يجب خسارتها وإنما إعادة ضبط بوصلتها بما لا يُهدد مصالحهم في المنطقة.  وفي هذا الصدد، تناقش تلك الورقة حجم ومستوى الأدوار المتوقعة لتركيا في الشرق الأوسط عقب الانسحاب التكتيكي الأمريكي.

تحولات تدريجية

أحدث حزب العدالة والتنمية الحاكم تغيرات جذرية في السياسة الخارجية التركية على مدار العقدين الماضيين؛ إذ تركزت سياسته الخارجية خلال العقد الأول على تعزيز روابط أنقرة بدول الجوار في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، مستغلًا الموقع الاستراتيجي لتركيا الذي يتقاطع مع تلك المناطق والروابط الثقافية والتاريخية مع جيرانها. وفي ذلك الوقت، صاغ وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو سياسة “صفر مشاكل” مع الجيران، مفضلًا الاعتماد على الحوار السياسي ولعب دور الوسيط الإقليمي، كما فعلت بلاده عندما توسطت في محادثات السلام بين سوريا وإسرائيل عام 2007، وحينها كانت السياسة الخارجية تتماشى مع السياسة الداخلية التي ارتكزت على الانسجام الثقافي والتنمية الاقتصادية بدلًا من سياسات الهوية.

وشكلت أحداث ما سُمي بالربيع العربي نقطة تحول في سياسة تركيا الخارجية، حيث دعمت أنقرة الانتفاضات واحتضنت جماعة الإخوان، مُنذرة بنهاية سياسية عدم التدخل في الشرق الأوسط والاتجاه إلى لعب أدوار محركة وفاعلة داخل بؤر الصراعات المشتعلة، وارتبط ذلك بصعود التيار اليمني المتطرف وتحالفه مع حزب العدالة والتنمية عام 2015 بعدما فقد الأخير الأغلبية البرلمانية للمرة الأولى منذ توليه الحكم عام 2002.

ثم جاء الانقلاب الفاشل صيف عام 2016، ليشكل نقطة مفصلية في توجهات حزب العدالة والتنمية الذي أبدى عداءً صريحًا تجاه الإيديولوجية العلمانية التي صبغت السياسة والدولة التركية، واتجه لاستبدالها بأيديولوجية إسلامية بالتزامن مع عملية تحول استبدادي داخل النظام التركي ارتدت بالتبعية على توجهات السياسية الخارجية للحزب الذي نظر للدولة التركية باعتبارها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية، وبالتالي فإن لها الحق في قيادة المنطقة انطلاقًا من الروابط الثقافية والدينية المشتركة، وهيمن مفهوم الأمن على عقلية صناع القرار الاستراتيجي وهو ما تُرجم إلى عسكرة التفاعلات والتدخلات التركية بمناطق النزاعات في سوريا وليبيا والعراق وشرق المتوسط وغيرهم، بغية حماية مصالحها غير القابلة للتفاوض – من وجهة نظرها.

وقد تسببت تلك السياسة الأحادية في تأجيج المشاعر المعادية لتركيا وظهر ذلك في دعوات مقاطعة البضائع والسياحة، ووجدت أنقرة نفسها في موقف شكلت فيه دول أخرى تحالفات مضادة لموازنتها. ومع مرور الشرق الأوسط بتحولات استراتيجية دقيقة ترتبط بإعادة صياغة موازين وخرائط القوى واتجاه الفاعليين الإقليميين للبحث عن حلفاء جدد مع قيام إدارة بايدن بتقليل وجودها السياسي والعسكري بالمنطقة، أبدت تركيا رغبة في إعادة ضبط علاقاتها بدول الجوار وتبني سياسة تصالحية لإنهاء عزلتها الاختيارية والاستعداد للعب أدوار قيادية أكبر وتأمين نصيب مُرضي ضمن خرائط النفوذ الجديدة التي تتشكل حاليًا؛ مبدية انفتاحًا على إقامة علاقات أكثر إيجابية مع مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل واليونان.

تحديات مُعرقلة

أثارت سياسة الانفتاح التركية تكهنات بشأن إمكانية لعب أنقرة أدوارًا أكبر بالتزامن مع تزايد مساحات الفراغ الناجمة عن الانسحاب التكتيكي الأمريكية من الشرق الأوسط، إلا أن هناك العديد من العوائق الماثلة أمام تمدد تلك الأدوار بما يجعلها محصورة ضمن أُطر محددة، يُمكن استعراضها تاليًا:

تعثر الاندماج الإقليمي: رغم أن جميع الأطراف الشرق أوسطية تدعم التهدئة التدريجية مع تركيا، فإن الفجوات التي تشكلت خلال مرحلة الجمود السياسي تبدو كبيرة، ولا تزال بعض العلاقات الثنائية تتحرك بخطى خجولة وحذرة؛ إذ تستكشف مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل حجم التنازلات الفعلية الممكن أن تقدمها تركيا فيما يخص الملفات الخلافية وعلى رأسها دعم جماعة الإخوان وأنشطتها التدخلية المؤججة للصراعات بمناطق النزاعات الممتدة بين ليبيا غربًا وبحر قزوين شمالًا، كما يُعد الوجود العسكري التركي في المنطقة، ولا سيمَّا ليبيا، قضية مهمة وبالأخص بالنسبة لمصر.

علاوة على وجود شكوك بشأن دوافع أنقرة للتقارب وما إذا كان نهجها التصالحي صادقًا أم مجرد تكتيك جديد لكسر عزلتها الإقليمية التي دفعتها خارج دائرة تحالفات الطاقة الناشئة كمنتدى غاز شرق المتوسط. وبالتالي، تخلق سياسة أردوغان الخارجية غير المنتظمة وصعوبة التنبؤ بها شعورًا متزايدًا بعدم استعداد أنقرة لإعادة ضبط علاقاتها مع الدول العربية ذات الثقل، وبالتالي شل القدرة على التحرك بخطى إيجابية وسريعة باتجاه عودة العلاقات الطبيعية خلال المستقبل القريب.

• توتر العلاقات مع القوى الكبرى: بالنظر إلى اتسام النظام الإقليمي بنمط توزَّع عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية وبالتالي عدم قدرة أي دولة منفردة على القيادة الإقليمية، واستعداد قوى دولية أخرى كالصين وروسيا لملء مساحات الفراغ التي قد يتيحها تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة، فإن تركيا لن يكون بوسعها تطوير سياسة إقليمية مستقلة أو التحرك منفردة على المسرح الإقليمي، لا سيمّا مع إحكام دائرة التطويق الاستراتيجي لمشروعها الإقليمي الذي بات حبيسًا للخطوط الحمراء المفروضة عليه من قبل الدول الفاعلة، والخلافات التي تعتري علاقاتها بالقوى الأكثر تأثيرًا بالمنطقة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، وفقدانها أوراق التأثير الإقليمية المتمثلة في سقوط نظام الإخوان بمصر ورحيل نظام عمر البشير في السودان.

وعليه، فإن أدوارها الإقليمية ستظل محصورة في تلك المساحات المحدودة التي ستتركها لها القوى الدولية للقيام بأدوار محسوبة بالوكالة، فعلى سبيل المثال، لن تتجاوز مساحة الحركة المسموح بها لتركيا على امتداد المسرح السوري الأهداف التي قررها الكرملين المتعلقة باستخدامها كورقة للمساومة والضغط على واشنطن لجني مكاسب أكبر، وعدم ترك الفضاء السوري خاليًا للوجود العسكري الأمريكي، لكن ليس أكثر من هذا لا سيمَّا أن العلاقات الثنائية لا ترقى إلى التحالف الاستراتيجي وإنما تظل محصورة في تفاهمات مرحلية ترتبط بتطورات الأزمة السورية، ولعل الغارات الجوية الروسية على مناطق تمركز القوات التركية بالشمال السوري ضمن مناطق “غصن الزيتون” و”درع الفرات” رسالة حاسمة بعدم السماح لأنقرة بالإضرار بمصالح موسكو.  

علاوة على أن موسكو وواشنطن تقفان في طريق أي طموحات تركية لانتزاع الأراضي من القوات الكردية، ويبدو أن الموقف الأمريكي الرافض لمنح أنقرة ضوءً أخضر هو الذي منع الأخيرة من شن عملية عسكرية جديدة شمال شرقي سوريا كانت مؤشرات التحشيد العسكري على جانبي خطوط التماس تُنذر بقرب انطلاقها؛ إذ أكد المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، أن بايدن حذر أردوغان من أي عملية في شمال شرقي سوريا، مشيرًا إلى أن واشنطن لن تتخلى عن شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وهي مسألة خلاف شديدة مع أنقرة، تضاف إلى جملة من الملفات الخلافية الأخرى كصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 والاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن.

ومن ناحية أخرى، فشلت أنقرة في القيام بدور وكيل المصالح الأمريكية بليبيا وتحجيم الوجود الروسي، وواجه مشروعها القائم على ركيزتي المرتزقة والإخوان معارضة من المجتمع الدولي المتمسك بتحقيق الاستقرار في ليبيا ودفع العملية الديمقراطية عبر الأدوات السياسية لا العسكرية، والداعي لخروج المرتزقة الأجانب كافة، ولعل الموقف الأوروبي المناهض للمشروع التركي في ليبيا وشرق المتوسط عمومًا والمتجسد في قيادة العمل الدولي الهادف لدفع العملية السياسية جنبًا إلى جنب مع نشر قوة بحرية في المياه الدولية المقابلة للشواطئ الليبية وتفتيش السفن المشتبه بنقلها أسلحة إلى ليبيا، كاشفًا لحجم التعقيدات والعقبات التي تواجه المشروع التركي، وكيف أن الأخيرة لا تحظى بتأييد دولي للقيام بأدوار إقليمية قيادية.

الرفض الإقليمي للهيمنة التركية: يتطلب قيام دولة ما بأدوار داخل نظام إقليمي مُعين قبولًا لتلك الأدوار من قِبل عناصر النظام، وهو أمر يحتاج تقديم الدولة القائد نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا جاذبًا، بمعنى بلوغ قدرًا عاليًا من القيم الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي واحترام الحقوق والحريات، والقدرة على تحقيق التوازن والاستقرار وضبط المنظومة الإقليمية. ورغم أن تركيا كانت تمثل نموذجًا ناجعًا لتجربة “الديمقراطية الإسلامية” خلال العقد الأول من القرن الحالي، ما جعل الولايات المتحدة تنظر إليها باعتبارها تجربة قابلة للتكرار في دول ما سُمي بالربيع العربي كسبيل لاحتواء التطرف الإسلاموي بالمنطقة، إلا أن هذا النموذج فقد بريقه اللامع مع عملية التحول الاستبدادي للنظام التركي التي ظهرت بوضوح أثناء احتجاجات حديقة غيزي صيف عام 2013 مرورًا بالتحالف مع اليمين القومي وتبنيها بعض التوجهات الطائفية وتصاعد اللهجة الشعوبية وتغير النظام السياسي عام 2018، وتعاظم جاذبية التطرف.

وانعكس ذلك على تراجع مكانة أنقرة في المؤشرات الدولية؛ إذ حلت في المرتبة 117 من أصل 139 دولة على مؤشر سيادة القانون لعام 2021، وفي المرتبة 110 من أصل 167 دولة على مؤشر الديمقراطية، وصنفتها منظمة هيومان رايتس ووتش ضمن الدول غير الحرة بحصولها على 32 نقطة، كما احتلت المرتبة 175 من أصل 195 دولة على مؤشر الاستقرار السياسي. وقد بدا واضحًا تزايد الانتقادات الغربية العلنية لانحراف النموذج الإصلاحي التركي عن مساره إلى دكتاتورية مؤدلجة. إضافة إلى تصاعد السخط الرسمي والشعبي العربي تجاه نزاعات الهيمنة التركية وعسكرة تدخلاتها في الصراعات الإقليمية ما وضعها في خانة العدو والمنافس الإقليمي ودفعها نحو الصدام مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين الذين انخرطوا ضمن تكتلات لاحتواء التمدد التركي.

ارتدادات أزمات الداخل على فاعلية السياسة الخارجية: تحدد المتغيرات السياسية والاقتصادية الداخلية مستوى وحجم التحركات الخارجية للدولة، وبالنسبة لتركيا فإن الوضع الداخلي يمر بفترة حرجة على المستويين، إذ إنها لا تمتلك القدرة المالية اللازمة لتمويل بقائها كقوة إقليمية؛ حيث تشكل الأزمات الاقتصادية الحادة عنصرًا ضاغطًا ومحجمًا لطموحاتها للقيادة والهيمنة، فقد تراجعت قيمة عُملتها لمستويات قياسية مسجلة 10.07 ليرة مقابل الدولار لتفقد بذلك ثلثي قيمتها خلال خمس سنوات، فيما استقر معدل التضخم في خانة العشرات مسجلًا 19.25% خلال أغسطس الماضي، وارتفعت قيمة الديون إلى 109% خلال ثلاث سنوات، بحيث قفز الدين الحكومي من مستوى 969.940 مليار ليرة في يونيو 2018 إلى 2026.802 مليار ليرة في يونيو 2021 بزيادة بلغت 1056.856 مليار ليرة. فضلًا عن ارتفاع مستويات الفقر والبطالة ليسجلا 12.2% و10.6% على الترتيب، وهو ما يشكل عنصر ضاغط على قدرة الإنفاق العسكري المطلوبة لاستمرار النهج التوسعي وتمويل المغامرات الخارجية، ويزيد من الأصوات الداخلية المعارضة لتلك السياسة.

أما سياسيًا، فيبدو أن تحالف حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية سيواجه مأزقًا سياسيًا؛ إذ تُظهر نتائج استطلاعات الرأي انخفاضًا حادًا في تأييد الائتلاف الحاكم “تحالف الشعب” ليصل إلى 37.8% في المتوسط، بما يمثل تراجعًا حادًا عن نسبة 53.6% التي أحرزها في انتخابات 2018 مقابل تصاعد شعبية تحالف الأمة أحزاب (الشعب الجمهوري، الشعب الديمقراطي، الخير والسعادة) إلى 42.57% وجميعها مناهضة لمقاربة السياسة التوسعية للرئيس التركي. ويتزامن ذلك مع تصاعد الأقاويل بشأن الحالة الصحية لأردوغان وقدرته على البقاء رئيسًا، وهو ما يُنذر بتغيرات جوهرية داخل النظام السياسي سنعكس بلا شك على عملية صياغة السياسية الخارجية، بالنظر إلى أن المغامرات الخارجية الحالية ترتبط أساسًا بتحالف أردوغان مع الفصائل القومية المتطرفة الذي أنشأ ميلًا لسياسة خارجية أكثر استقلالية ورغبة في التحول لقوة إقليمية نشطة.

احتمالية التمدد الإيراني الإقليمي: تستعد إيران لانطلاق الجولة السابعة من مفاوضات فيينا الهادفة لإنقاذ الاتفاق النووي، وتعني العودة المحتملة له أن طهران ستأخذ دفعة قوية إقليميًا بعد الترحيب بها في المجتمع الدولي، ورفع العقوبات التي سيترجم بلا شك إلى أموال وأسلحة متدفقة لوكلائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إذ سيوفر لها 100 مليار دولار من الأموال المجمدة. واستنادًا إلى حقيقة أن أي تمدد لأي من تركيا وإيران يعتبر خصمًا من رصيد الأخرى، فإن تزايد الهيمنة الإيرانية على العواصم العربية وساحات التنافس البحري سيعني تراجع النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي لأنقرة، بعدما استغلت الأخيرة التراجع القسري لقدرات طهران إقليميًا بفعل العقوبات الأمريكية لإعادة التموضع في مناطق النفوذ المشترك كسوريا والعراق والقوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين.

ختامًا، تخلص الورقة إلى فشل محاولات التمدد التركي وترسيخ النفوذ الإقليمي في تحقيق غاياتها الاستراتيجية حتى الآن، وإنما حمَّلت أنقرة تكاليف سياسية واقتصادية باهظة، وعليه، فإنه لا يتوقع أن يُحدث الانسحاب الأمريكي التكتيكي من الشرق الأوسط انقلابًا في حجم ومستوى الانخراط التركي بقضايا المنطقة وإنما ستظل أدوارها خاضعة لمعادلة التوازن الاستراتيجي الدقيقة التي تتشكل حاليًا. 

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية