تتسم العلاقات المصرية–التركية في المرحلة الراهنة بمستوى متقدم من التنسيق الاستراتيجي، ويعود هذا الزخم المتصاعد إلى إدراك مشترك بأهمية الاستفادة من التكامل بين قوة تركيا الصناعية وموقع مصر كبوابة لوجستية وإنتاجية محورية لأسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، جاء انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في مصر فبراير 2026، نحو التنفيذ العملي؛ حيث تم التوافق على خارطة طريق اقتصادية طموحة تستهدف رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، كما تم الإعلان عن تدشين مرحلة “التكامل الصناعي ونقل التكنولوجيا”، والتي تجلت في إنشاء لجنة وطنية لمتابعة الاستثمارات التركية، والتركيز على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية كالهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات، بما يعكس رغبة البلدين في تحويل التوافق السياسي إلى أصول إنتاجية ومشاريع تنموية ملموسة.
وتأتي هذه التطورات امتدادًا لمسار دبلوماسي واقتصادي بدأ بالتبلور منذ زيارة الرئيس التركي لمصر عام 2024، كما تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لكونها تأتي ضمن جولة إقليمية لتركيا شملت السعودية؛ مما يؤكد سعي تركيا لإعادة تموضعها كشريك تنموي واستراتيجي في المنطقة، واعتمادها على مصر كحجر زاوية في هذه الرؤية الجديدة التي تدمج بين المصالح الاقتصادية والاستقرار السياسي الإقليمي.
أولًا: العلاقات التجارية بين مصر وتركيا
جدول (1): حجم التجارة بين مصر وتركيا
(القيمة: مليار دولار)
| البيان | 2020 | 2021 | 2022 | 2023 | 2024 | 2025 |
| الصادرات المصرية إلى تركيا | 1.71 | 2.99 | 3.96 | 3.64 | 3.42 | 3.20 |
| الواردات من تركيا | 3.19 | 3.75 | 3.82 | 2.82 | 3.26 | 3.60 |
| حجم التجارة | 4.9 | 6.74 | 7.78 | 6.46 | 6.68 | 6.80 |
| الميزان التجاري | 1.48- | 0.76- | 0.21+ | 0.82+ | 0.16+ | 0.4- |
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
يُظهر الجدول (1) تطوّر مستويات التجارة بين مصر وتركيا خلال الفترة 2020–2025. فقد ارتفعت الصادرات المصرية إلى تركيا من 1.71 مليار دولار في عام 2020 لتصل إلى 3.20 مليارات دولار في عام 2025.
أما الواردات المصرية من تركيا، فقد بلغت 3.19 مليار دولار في 2020، ثم انخفضت إلى 2.82 مليار دولار في 2023 وذلك بسبب انخفاض واردات مصر من الوقود المعدني من تركيا إلى 169.4 مليون دولار مقارنة بـ 338.6 مليون دولار عام 2022، ثم تعاود الارتفاع وتصل إلى 3.60 مليار دولار في 2025.
وبالنسبة لإجمالي حجم التجارة بين البلدين، فقد ارتفع من 4.9 مليار دولار في عام 2020 وتأرجحت ارتفاعًا وانخفاضًا ليصل إلى 6.80 مليار دولار في 2025.
وفيما يتعلق بالميزان التجاري، فقد سجّل عجزًا قدره 1.48 مليار دولار في 2020، وفي السنوات 2022 و2023 و2024 كانت مصر تحقق فائض إلى أن حققت عجزًا مرة أخرى في 2025 بنحو 0.4 مليار دولار، بما يعكس استمرار ميل الميزان التجاري لصالح تركيا رغم تحسّن في بعض السنوات.
1- الصادرات
شكل (1): أهم المجموعات السلعية التي صدرتها مصر إلى تركيا (مليون دولار)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء- وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية
يحتل السوق التركي المرتبة الثانية لأهم الأسواق التصديرية المصرية، ويمثل 6.6% من إجمالي قيمة الصادرات المصرية لدول العالم بقيمة صادرات مصرية إلى تركيا حوالي 3.2 مليار دولار 2025، ويُوضّح الشكل (1) أهم المجموعات السلعية التي صدّرتها مصر إلى تركيا خلال عامي 2024 و2025. وتأتي اللدائن ومصنوعاتها في مقدمة الصادرات المصرية؛ حيث بلغت قيمتها نحو 445.7 مليون دولار في عام 2024، ثم انخفضت إلى 317.0 مليون دولار في عام 2025. كما سجّلت صادرات الأسمدة تراجعًا من 321.1 مليون دولار في 2024 إلى 255.4 مليون دولار في 2025.
وفيما يتعلق بصادرات الحديد والصلب، فقد استقرت نسبيًا؛ حيث بلغت 286.2 مليون دولار في عام 2024، وارتفعت بشكل طفيف إلى 290.0 مليون دولار في عام 2025. وعلى العكس، شهدت صادرات الملابس الجاهزة ارتفاعًا ملحوظًا؛ إذ زادت من 201.0 مليون دولار في 2024 إلى 389.0 مليون دولار في 2025، بما يعكس تحسّن الطلب التركي على هذه المجموعة السلعية.
أما صادرات الآلات والأجهزة الكهربائية، فقد حافظت على مستوى شبه مستقر؛ حيث بلغت 188.6 مليون دولار في عام 2024 مقابل 187.2 مليون دولار في عام 2025. وبوجه عام، يعكس الشكل تنوّع هيكل الصادرات المصرية إلى تركيا، مع تباين الأداء بين المجموعات السلعية المختلفة خلال فترة المقارنة.
2- الواردات
شكل (2): أهم المجموعات السلعية التي استوردتها مصر من تركيا (مليون دولار)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء- وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية
تحتل تركيا المرتبة السابعة في قائمة أهم الدول المُصدرة لمصر بقيمة واردات بلغت 3.6 مليار دولار أمريكي، لتمثل 3.7% من إجمالي قيمة الواردات المصرية من دول العالم.
يُبيّن الشكل (2) أهم المجموعات السلعية التي استوردتها مصر من تركيا خلال عامي 2024 و2025. وتأتي الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها في صدارة الواردات؛ حيث ارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ من 270.0 مليون دولار في عام 2024 إلى 729.3 مليون دولار في عام 2025، وهو ما يعكس زيادة الاعتماد على هذه المجموعة السلعية. كما شهدت واردات الآلات والأجهزة الكهربائية ارتفاعًا كبيرًا؛ إذ زادت من 144.1 مليون دولار في 2024 إلى 602.2 مليون دولار في 2025. وارتفعت كذلك واردات الحديد والصلب ومصنوعاته من 388.8 مليون دولار في 2024 إلى 514.8 مليون دولار في 2025.
وفيما يتعلق بواردات القطن ومصنوعاته، فقد سجلت زيادة من 141.2 مليون دولار في 2024 إلى 259.9 مليون دولار في 2025، بينما ارتفعت واردات السيارات وجراراتها من 94.4 مليون دولار إلى 155.6 مليون دولار خلال الفترة نفسها. وبوجه عام، يعكس الشكل زيادة ملحوظة في معظم المجموعات السلعية المستوردة من تركيا في عام 2025 مقارنة بعام 2024؛ مما يشير إلى تنامي حجم الواردات المصرية من السوق التركي وتنوّع هيكلها السلعي.
ثانيًا: الاستثمارات
شكل (3): صافي الاستثمارات التركية في مصر (مليون دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري
يوضّح الشكل (3) تطوّر صافي الاستثمارات التركية في مصر خلال الفترة 2020/2021–2024/2025. حيث بلغت قيمة صافي الاستثمارات نحو 138 مليون دولار في عام 2020/2021، ثم انخفضت إلى 104 ملايين دولار في 2021/2022. وفي عام 2022/2023 عاودت الارتفاع لتسجل 118 مليون دولار، قبل أن تتراجع مجددًا إلى 111 مليون دولار في 2023/2024، ثم إلى 101 مليون دولار في 2024/2025.
يُعد قطاع الملابس والمنسوجات حجر الزاوية في قطاع الاستثمار بين البلدين، ويعتبر هذا القطاع هو القطاع الأكبر من حيث الاستثمارات التركية في مصر وتتركز بنسبة 70% في صناعة الملابس الجاهزة مقابل 30% في المنسوجات. وقد أسهم ذلك في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي لإنتاج قماش الجينز، وجعلها قاعدة تصديرية للشركات التركية الكبرى مثل LC Waikiki وKCG التي تصدر من مصر إلى أسواق إقليمية ودولية متعددة. ويعكس الميزان التجاري الإيجابي لصالح مصر في هذا القطاع أن التعاون القائم لا يقتصر على جذب الاستثمار، بل يحقق عوائد اقتصادية مباشرة، مع وجود توجه لتوسيع هذا النموذج ليشمل صناعات مرتبطة مثل الجلود والأثاث.
كما يشير مسار الاستثمارات والتعاون الاقتصادي بين مصر وتركيا إلى مزيج معقّد من التنافس والتكامل، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والصناعة. فعلى مستوى المقاولات والبنية التحتية يظل قطاع المقاولات مجالًا واعدًا للتعاون العملي، ويعكس ذلك مشاركة شركات تركية مثل “يابي مركزي” Yapı Merkezi في مشروعات كبرى من خلال شركات مصرية، كما في مشروع القطار فائق السرعة بالتعاون مع أوراسكوم، بما يبرز قابلية بناء شراكات تنفيذية في مشروعات البنية التحتية داخل مصر.
وفي قطاع الأجهزة المنزلية، يتعزز نمط التكامل الصناعي بشكل أوضح؛ إذ باتت مصر مركزًا رئيسيًا لاستقطاب الشركات العالمية والتركية العاملة في الصناعات كثيفة التكنولوجيا، من بينها بيكو، التي يمثل مصنعها في مصر المصنع رقم 36 عالميًا للشركة. ويؤكد هذا أن الدور الإقليمي لمصر كمحور إنتاج يستهدف أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، يخلق علاقة تكامل مع القاعدة الصناعية التركية بدلًا من منافستها المباشرة. وبصورة أوسع، يعكس انتقال الصناعات كثيفة العمالة من تركيا إلى مصر نموذجًا للتكامل في سلاسل القيمة الإقليمية؛ حيث تستفيد تركيا من انخفاض تكاليف الإنتاج في مصر، بينما تستفيد مصر من نقل التكنولوجيا والخبرة الصناعية، بما يحوّل العلاقة الاقتصادية إلى شراكة وظيفية متبادلة المصالح.
ثالثًا: نتائج القمة المصرية- التركية
يعكس التطور في مخرجات الاجتماعَين الأول والثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين جمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا تحوّلًا تدريجيًا ومنهجيًا في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، من مرحلة إعادة بناء الثقة وتأسيس الأطر العامة للتعاون إلى مرحلة أكثر تقدمًا تتسم بالتركيز على التنفيذ الفعلي وتعميق الشراكة الاقتصادية ذات الطابع الإنتاجي. فقد جاء الاجتماع الأول المنعقد في أنقرة سبتمبر 2024 في سياق استعادة الزخم للعلاقات الثنائية؛ حيث ركّز على وضع إطار شامل للتعاون الاقتصادي من خلال التأكيد على أهمية تحسين مناخ الاستثمار، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوسيع مجالات التعاون في الصناعة والبنية التحتية والمشروعات المشتركة، مع تحديد هدف طموح يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 15 مليار دولار. إلا أن هذا الاجتماع اتسم في مجمله بطابع تمهيدي؛ حيث غلب عليه التوافق السياسي، دون الخوض في آليات تنفيذية تفصيلية أو تحديد قطاعات اقتصادية ذات أولوية واضحة، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة التي ركّزت على إعادة تطبيع العلاقات الاقتصادية وبناء قاعدة مؤسسية للتعاون المستقبلي.
وفي المقابل، مثّل الاجتماع الثاني المنعقد في القاهرة في فبراير 2026 نقلة نوعية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ حيث انتقل الخطاب من التأكيدات العامة إلى مقاربة أكثر عملية تستند إلى ما تحقق فعليًا على أرض الواقع. فقد أقرّ الجانبان بالنمو الكبير في حجم التبادل التجاري الذي اقترب من 9 مليارات دولار، مع إعادة صياغة الهدف التجاري في إطار زمني أكثر تحديدًا للوصول إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028. كما شهد هذا الاجتماع تطورًا مؤسسيًا مهمًا تمثل في الإعلان عن إنشاء اللجنة الوطنية لتعزيز ومتابعة الاستثمارات التركية في مصر، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية الانتقال من تشجيع الاستثمار بصفة عامة إلى إدارة الاستثمارات القائمة واستقطاب استثمارات جديدة من خلال آليات متابعة وتنسيق فاعلة.
وعلى المستوى النوعي، أظهر الاجتماع الثاني تحوّلًا في التعاون الاقتصادي؛ حيث لم يعد التركيز فقط على تدفقات الاستثمار، بل امتد ليشمل التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتعميق التصنيع المحلي في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية. وقد تجلّى ذلك في تحديد مجالات صناعية بعينها للتعاون، مثل صناعات السيارات والآلات، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والتشييد والبنية التحتية، والصناعات الدوائية، والتعدين، بما يعكس توجّهًا نحو شراكة إنتاجية طويلة الأجل قادرة على التوغل فى الأسواق الإقليمية والدولية، خاصة في أفريقيا. كما برز في الاجتماع الثاني إدماج واضح لبُعد التحول الأخضر والاقتصاد منخفض الانبعاثات ضمن أجندة التعاون الاقتصادي، وهو ما لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها في الاجتماع الأول، بما يعكس توافقًا مع الاتجاهات العالمية الحديثة ومتطلبات الاستدامة وجذب التمويل الأخضر.
وبوجه عام، يمكن القول إن المقارنة بين الاجتماعين تكشف عن تطور تدريجي في العلاقات الاقتصادية المصرية–التركية؛ حيث مثّل الاجتماع الأول مرحلة التأسيس وإعادة البناء، بينما جسد الاجتماع الثاني مرحلة الانتقال إلى الشراكة الاستراتيجية الفعلية القائمة على التنفيذ، والتكامل الإنتاجي، وتعظيم العوائد الاقتصادية المتبادلة، وهو ما يعزز فرص تحقيق تعاون اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة بين البلدين على المدى المتوسط والطويل.
رابعًا: الأهمية والدلالات
1- التجارة بين البلدين
يمثل السعي لرفع حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028 فرصة استراتيجية متبادلة للطرفين، في ظل ما تتمتع به مصر من شبكة واسعة من اتفاقيات النفاذ التفضيلي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأفريقيا. ويمنح ذلك الشركات التركية العاملة في مصر ميزة تنافسية واضحة؛ حيث يمكنها استخدام السوق المصرية كمنصة إنتاج وتصدير منخفضة التكلفة إلى أسواق كبرى دون أعباء جمركية أو بقيود أقل. وفي المقابل، تتيح اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا لمصر فرصة لتعزيز صادراتها إلى السوق التركية، لا سيما في القطاعات التي تمتلك فيها مصر مزايا نسبية مثل المنسوجات، المنتجات الزراعية، والكيماويات، بما يسهم في تحسين الميزان التجاري.
2- الاستثمارات
تمثل مصر وجهة استثمارية جاذبة للشركات التركية، مدفوعة بعدة عوامل هيكلية في مقدمتها انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بتركيا، سواء على مستوى العمالة أو الطاقة أو مدخلات الإنتاج. ويعزز من هذه الجاذبية توفر الأراضي الصناعية من خلال هيئة التنمية الصناعية والمناطق الاقتصادية المتخصصة، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تنامي الطلب على المصانع الجاهزة، بما يقلل من تكاليف وزمن الدخول إلى السوق. وفي هذا الإطار، يتركز التعاون الاستثماري الحالي في القطاعات كثيفة العمالة مثل الملابس والمنسوجات والأجهزة المنزلية؛ حيث تستفيد الشركات التركية من انخفاض تكلفة التشغيل في مصر، ولم يمتد هذا النمط من الاستثمار إلى الصناعات غير التقليدية أو الأعلى تعقيدًا تكنولوجيًا، مثل صناعة السيارات أو التكنولوجيا المتقدمة. ومع ذلك، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية الداخلية في تركيا وارتفاع تكاليف الإنتاج قد يفتح المجال مستقبلًا أمام نقل هذا النوع من الاستثمارات إلى مصر، شريطة توفر حوافز استثمارية موجهة تستجيب لطبيعة هذه الصناعات.
3- زيارة الرئيس التركي لمصر
تعكس الجولة التي قام بها الرئيس التركي إلى مصر والسعودية دلالات واضحة بشأن توجهات السياسة الخارجية التركية في مرحلتها الراهنة، فمن خلال نتائج الجولة، يتضح أن تركيا تسعى إلى ترسيخ نمط جديد من العلاقات الإقليمية ذات الاعتبارات الاقتصادية والتنموية بالإضافة إلى الاعتبارات السياسية، وهو ما تجلى في التركيز المشترك على تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري وربط العلاقات الثنائية برؤى التنمية الوطنية لكل دولة. ففي الحالة المصرية، كما عكس البيان اهتمامًا تركيًا بإعادة بناء العلاقات الاقتصادية عبر آليات مؤسسية واضحة، والتركيز على التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع الاستثمارات الإنتاجية. أما في الحالة السعودية، فقد اتسم البيان باتساع نطاق التعاون الاقتصادي وعمقه، خاصة في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والاستثمار، بما يعكس قدرة تركيا على لعب دور داعم لخطط التحول الاقتصادي في إطار رؤية المملكة 2030.
وتشير الجولة الإقليمية للرئيس التركي إلى سعي تركيا لإضفاء طابع مؤسسي طويل الأجل على العلاقات الثنائية، وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى البعد الاقتصادي لزيارة الرئيس التركي إلى مصر باعتباره إعادة بناء الثقة وتعظيم المصالح المشتركة بين البلدين، وليس هدفًا منفصلًا عن السياق السياسي العام. فالتأكيد على وجود التنسيق الإقليمي يوفّر البيئة السياسية والمؤسسية اللازمة لتفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري على أسس مستدامة. كما أن التركيز على إنشاء أطر مؤسسية ولجان للتعاون في مختلف المجالات يعكس إدراكًا متبادلًا بأن ترجمة التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة تمثل أحد مؤشرات نجاح مسار التقارب، وبأن الاقتصاد يُستخدم هنا كأداة داعمة لترسيخ الاستقرار السياسي وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وتركيا.
الخاتمة
في ضوء ما سبق، يتضح أن العلاقات الاقتصادية المصرية–التركية تشهد تحولًا نوعيًا من نمط تقليدي قائم على التبادل التجاري والاستثمار المباشر إلى شراكة أكثر عمقًا تقوم على التكامل الإنتاجي وتعظيم القيمة المضافة. فعلى الرغم من التذبذب النسبي في الميزان التجاري، فإن نمو حجم التجارة وتنوع هيكل الصادرات والواردات يعكسان قاعدة اقتصادية مرنة وقابلة للتوسع. كما تمثل الاستثمارات التركية في مصر، خاصة في القطاعات الصناعية كثيفة العمالة، نموذجًا عمليًا للتكامل في سلاسل القيمة الإقليمية، بما يحقق مصالح متبادلة للطرفين. وتؤكد مخرجات القمة الثنائية أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا من منطق إعادة بناء الثقة إلى منطق التنفيذ والشراكة الاستراتيجية طويلة الأجل، مدعومة بأطر مؤسسية واضحة وتركيز متزايد على التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، والتحول الأخضر. وعليه، فإن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا يبدو مرهونًا بمدى القدرة على تحويل هذه التفاهمات إلى مشروعات إنتاجية ملموسة تعزز التوازن التجاري.
الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
