“الانسحاب الإسرائيلي من سيناء” هو عنوان الكتاب السادس الذي صدر عام 1982 ضمن سلسلة اتجاهات الصحافة الإسرائيلية، التي أصدرها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام – القاهرة، وهي سلسلة دشنها المركز للتعرف على التيارات الفكرية والسياسية السائدة في الصحافة الإسرائيلية، وتعريف القارئ العربي بما يدور في المجتمع الإسرائيلي من قضايا وموضوعات تتعلق بإسرائيل وبالصراع العربي الإسرائيلي وفهم الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي وأدواته وآلياته، وقد واكب إصدار هذا الكتاب السادس من السلسلة، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء؛ لذا اهتم الكتاب بوقع هذا الانسحاب على الداخل الإسرائيلي من النواحي المتعددة وتم تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام (التطورات السياسية – التطورات الاقتصادية – التطورات الاجتماعية).
القسم الأول: التطورات السياسية
عرض الكتاب أهم التطورات السياسية التي تناولتها الصحافة الإسرائيلية في النصف الأول من عام (1982م)، فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من سيناء؛ حيث استغرقت فيه الصحافة الإسرائيلية منذ بداية عام 1982، فتناولت الجدل الكبير في المجتمع الإسرائيلي حول هذا الموضوع، وكثير من المقالات أوضحت أن مصر لن تتخلى عن السلام مع إسرائيل بعد الانسحاب، وتوقعت الكتابات الإسرائيلية أنه لن يطرأ أي تقدم ملحوظ -ذي قيمة- على مسألة التطبيع بين مصر وإسرائيل معللة بأن الوضع سيستمر على هذا النحو القائم؛ لوجود خلاف بين التصور المصري، والتصور الإسرائيلي لعملية التطبيع، والذي يتمثل في أن إسرائيل تنظر إليه باعتباره هدفًا في حد ذاته، بينما مصر تنظر إليه باعتباره مجرد أداة لتحقيق أهداف سياسية أخرى ومنها إجراء مباحثات الحكم الذاتي الفلسطيني من ناحية، وخدمة توجهات الرئيس مبارك السياسية من جهة أخرى، وعديد من المقالات أبدت قلقها من التقارب بين مصر والدول العربية، وأن ثمة اعتقادًا إسرائيليًا عامًا من خلال المقالات أن تحسن علاقات مصر مع العالم العربي لا بد وأن يكون على حساب العلاقات المصرية الإسرائيلية.
ورصد الكتاب من خلال الصحف الإسرائيلية وجود تيارات إسرائيلية متطرفة رافضة للسلام مع مصر وتحاول التأثير على الرأي العام الإسرائيلي والغربي لعدم تأييد ذلك السلام خوفًا من عدم وجود ضمانات لوفاء مصر بنصوص معاهدة السلام وقد قامت بمظاهرات عديدة صاحبتها أعمال عنف رفضًا للانسحاب من سيناء وقد تصدت لها قوات الأمن الإسرائيلية، في حين رصدت الصحافة الإسرائيلية أن رأي الأغلبية من الإسرائيليين تؤيد الانسحاب والاستمرار في السلام مع مصر وأن وجود الولايات المتحدة كشريك كامل يُعد ضمانًا لنجاح تلك المعاهدة وأن على إسرائيل تقديم تنازلات لإنجاح السلام.
ألقى الكتاب الضوء على مقالات في الصحف الإسرائيلية تبرز مخاوف النخب الإسرائيلية من أن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء؛ قد يتلوه انسحابات أخرى من مناطق تحتلها إسرائيل وناقشت المقالات كيف يمكن لإسرائيل تجنب مثل هذه الخطوة في المستقبل تحت أي ظرف؟، ورأت كثير من المقالات في القوة العسكرية الإسرائيلية ضامنًا أساسيًا لمنع أي عملية انسحاب جديدة من أراض تحتلها إسرائيل، كما أكدت الكثير من المقالات على ضرورة إقرار سياسة التعويض الاستيطاني؛ بحيث إذا ما أخليت مستوطنات فيجب أن تنشئ الحكومة الإسرائيلية مستوطنات جديدة، وأن تسن تشريعًا يذكر فيه أن أي مفاوضات أخرى في المستقبل مع جيران إسرائيل (سوريا – الاردن – لبنان)؛ لن تتنازل فيها إسرائيل عن أي مستوطنات.
وكشف الكتاب عن مقالات لإسرائيليين حاولوا من خلالها ممارسة التأثير على الولايات المتحدة بما يشبه الابتزاز لتعويض إسرائيل عن الخسائر التي تكبدتها من الانسحاب من سيناء والأخطار التي تعرضت لها من جراء التقارب الأمريكي مع الدول العربية بسبب صفقات الأسلحة، ومطالبة إسرائيل مستقبلًا الربط بين توريد الأسلحة لأي دولة عربية وبين ضرورة اشتراكها في عملية السلام.
رصد الكتاب أنه رغم أن استطلاعات الرأي التي نشرتها الصحف الإسرائيلية حول الانسحاب من سيناء؛ أظهرت تأييد أغلبية الشارع الإسرائيلي للانسحاب، قادت الحكومة الإسرائيلية حملة إعلامية ظهرت جلية في الصحف الإسرائيلية حول تكلفة وإجراءات عملية إخلاء مستوطنات سيناء؛ بهدف استدرار عطف العالم وبخاصة اليهود المقيمين في الخارج؛ بحيث يبدو موضوع الانسحاب كمأساة درامية، وأنها تضحية كبيرة من إسرائيل وأنها تحملت ودفعت كثيرًا مقابل السلام، وأنه على الولايات المتحدة أن تدفع مزيدًا من التعويضات والمساعدات.
أورد الكتاب تناول الصحف الإسرائيلية لوضع الضفة الغربية التي كانت تعاني من القلاقل خلال تلك الفترة وركزت كثير من الكتابات الضوء على موضوع “الحكم الذاتي” الذي ورد في اتفاقية كامب ديفيد والذي كان من المفترض أن يتم التحرك فيه بين مصر وإسرائيل وفقًا للاتفاقية، وكانت الآراء الإسرائيلية التي تتناول مسألة الحكم الذاتي تنطلق من اتباع استراتيجية إيجاد عناصر مستعدة للتفاوض بعيدًا عن منظمة التحرير الفلسطينية، والمماطلة في تطبيق بنود اتفاقية كامب ديفيد وإيجاد وحلول لمشاكل الضفة بما يتفق مع نظرية الأمن الإسرائيلي.
القسم الثاني: التطورات الاقتصادية
أورد الكتاب رصدًا من خلال الصحافة الإسرائيلية للتبعات الاقتصادية المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي من سيناء وقد وصفتها الكتابات بأنها أبعاد بالغة التعقيد، وظهرت واضحة في أزمة الميزانية العامة الإسرائيلية، وصراع التعويضات الخاص بمستوطني “ياميت” بسيناء، والتي أفرزت خلافات حادة داخل الحكومة وأيضًا بين وزير المالية والمستوطنين الرافضين للإخلاء دون مبالغ طائلة تغطي مساكنهم وأنشطتهم الاقتصادية، وأبرزت المقالات المخاوف من التداعيات الاقتصادية وارتفاع معدل التضخم الناتج عن ضخ أموال هائلة للتعويضات عن المنشآت والمساكن التي يتم إخلاؤها من سيناء وقد وصفتها الصحافة الإسرائيلية بأنها بند أساسي من “ثمن السلام”، والذي سوف يُثقل كاهل السياسة الاقتصادية لوزارة المالية.
كما سلط الكتاب الضوء على ما ورد في الصحافة الإسرائيلية عن أزمة الطاقة التي كانت تعاني منها إسرائيل والتي تفاقمت بشكل كبير بعد تسليمها آبار بترول سيناء إلى مصر والتي كانت تستغلها (تسرقها) إسرائيل لسد جزء من حاجتها للطاقة واقترحت مقالات إسرائيلية كثيرة فكرة إنشاء “مشروع قناة البحرين” لربط البحر المتوسط بالبحر الميت؛ فعلاوة على فائدتها التجارية فإنه يمكن استغلالها أيضًا في توليد الطاقة وضرورة بناء محطة للطاقة النووية، معتبرة ذلك ركيزة أساسية للتخطيط الاقتصادي الشامل لمواجهة أزمة الطاقة الحادة وارتفاع الأسعار العالمية، ودعا كتاب إسرائيليين الحكومة أن تستغل الظروف السياسية الدولية الراهنة، لكي تضغط على الولايات المتحدة لإمدادها بمفاعلين ذريين للطاقة، وأوضحت المقالات أهمية ذلك لإسرائيل في المستقبل؛ دون الحاجة للاعتماد على النفط العربي.
القسم الثالث: التطورات الاجتماعية
من القضايا المهمة التي أوردها الكتاب فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من سيناء وتناولتها الصحافة الإسرائيلية، التطورات الاجتماعية المرتبة على الانسحاب وبخاصة في مدينة رفح المصرية، التي عملت إسرائيل خلال احتلالها لسيناء على دمجها بكل قوة ومن جميع النواحي برفح الفلسطينية في مجالات الخدمات والإسكان والصحة وغير ذلك، حتى أن إسرائيليين كانوا يمتلكون بيوتًا وأماكن عمل في كلا المدينتين وذلك حتى تجعل من الصعوبة فصل المدينتين عن بعضهما البعض عند الانسحاب وتم طرح هذا الأمر في الصحافة الإسرائيلية وناقشت المقالات الآراء الآثار المترتبة على الانسحاب من رفح المصرية وفصلها عن رفح الفلسطينية وكون سكان المنطقة مجبرين على قبول التقسيم رغم الأضرار الاجتماعية المترتبة على ذلك ولا سيما أعمالهم، وجمع شمل أسرهم، وأشارت تلك المقالات إلى الحلول التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية لحل معضلة هذا التقسيم من وجهة نظرها؛ منها أن تكون المدينة كلها إسرائيلية، مقابل إعطاء مصر أرض بديلة عوضًا عنها على الحدود في أي منطقة أخرى، وأكدت التقارير أن مصر لم تكن على استعداد لمناقشة هذا المقترح، كما أن إسرائيل كانت على استعداد لأن تقترح خلال المحادثات المطولة أن تنتقل المدينة كلها إلى مصر مع تسويات إقليمية مناسبة، لكن مصر لم تبد أيضًا في هذه الناحية ردًا إيجابيًا، وأوردت الصحف كجريدة معاريف أن مصر أصرت بشدة على تقسيم المدينة وفق الحدود الدولية، الثابتة تاريخيًا.
وقد رصدت الصحف الإسرائيلية أن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء صاحبه نزوح وهجرة مضادة خارج إسرائيل؛ مما أدى إلى تناقص معدلات التزايد السكاني وتراجع الهجرة إلى إسرائيل، وصار التحدي الأساسي للمجتمع الإسرائيلي يكمن في دفع مسيرة السلام مصر من جهة، وخلق جو استقرار مع العرب داخليًا وخارجيًا.
وفي النهاية، فإن أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه من خلال رصد ما ورد في الصحف الإسرائيلية والمقالات الإسرائيلية الخالصة بأقلام إسرائيليين يسلط الضوء ويرصد ويحلل السياسات الإسرائيلية الداخلية والخارجية وما يتعلق بها عن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، في فترة مهمة وهي زمن الانسحاب الإسرائيلي الأخير منها، طبقًا للجدول الزمني الذي أقرته معاهدة السلام 1979، وهي أمور مهمة في معرفة كيف تفكر وتتحرك إسرائيل في تلك الفترة وهي أمور تكمل صورة التوثيق لنصر أكتوبر 1973 والمعاناة التي تحملها المصريون لحصاد نتائج حرب أكتوبر بعد مفاوضات شاقة وشرسة مع عدو مخلف للوعود طوال تاريخه.
باحث مشارك بوحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر بالمركز






























