استضافت تركيا يومي 7 و8 يوليو 2026 أعمال القمة الدورية السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي، لتكون بذلك القمة الدورية الثانية التي تستضيفها على مدار عضويتها في الحلف بعد قمة إسطنبول 2004. وتكتسب هذه القمة أهميتها من السياق الجيوسياسي الذي تنعقد خلاله، سواء المرتبطة بالمتغيرات الإقليمية التي أفرزتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما نتج عنها من توسع الحضور الإسرائيلي في المنطقة، وتعزيز مكانة إيران كقوة إقليمية قادرة على فرض إرادتها في محيطها الجغرافي وامتلاك أدوات قوة جديدة، على رأسها التحكم في مضيق هرمز. أو ذات الصلة بتصاعد انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحلفاء على خلفية رفضهم المشاركة في مهمة بحرية لفتح مضيق هرمز، والتخفيض المتوقع في القوات والالتزامات الأمريكية تجاه أوروبا. أو تلك المتعلقة باستمرار التهديدات الأمنية التي يشهدها الجناح الشرقي للناتو في ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية دون آفاق لتسوية، وتنامي الانتهاكات الروسية للمجال الجوي لدول الحلف، مثل دول البلطيق ورومانيا وبولندا. كما تكتسب القمة أهميتها من كونها ستناقش إعادة هيكلة دور الحلف من خلال رؤية تُعرف باسم “الناتو 3.0″، تقوم على تولي أوروبا مسئولية أكبر في الدفاع عن نفسها. ويمنح هذا السياق أنقرة فرصة لإبراز قدرتها على قيادة الجهود الدبلوماسية للحلف في مراحل التحولات. وعليه، تناقش هذه الورقة سياق البيئة الإقليمية التي تواجه تركيا وقت انعقاد القمة، والمكاسب الساعية إلى تحقيقها من استضافتها.
بيئة إقليمية ضاغطة
تنعقد قمة أنقرة في ظل سياق إقليمي ضاغط تواجهه تركيا، ويُمكن استعراض أبرز ملامحه على النحو التالي:
• تنامي التوترات مع إسرائيل: شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في التوترات في العلاقات التركية-الإسرائيلية، في ظل خطاب إسرائيلي صادر عن الدوائر الرسمية والبحثية والإعلامية يعتبر تركيا “إيران الجديدة”، ويتحدث عن مواجهة محتملة، وإن كانت لا تزال غير واقعية في ظل المعطيات الحالية، بالتوازي مع تزايد التصورات السلبية لدى تركيا بشأن المخاطر المحتملة التي تترتب على المساعي الإسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة، والتحركات الثلاثية الإسرائيلية-اليونانية-القبرصية لإقامة بنية عسكرية لتطويقها في شرق المتوسط، فضلًا عن ضغوط تل أبيب على الإدارة الأمريكية لمنع رفع العقوبات المفروضة على أنقرة بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا (CAATSA) ومنع بيع مقاتلات F-35 إليها. ولعل أحدث مظاهر التصعيد تمثلت في موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي بالإجماع على مقترح وزير الخارجية جدعون ساعر بشأن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن ورفعه إلى الكنيست للتصويت عليه. وفي هذا السياق، تنظر تركيا إلى عضويتها في حلف الناتو بوصفها أحد عوامل الردع التي تحول دون التصعيد المباشر مع إسرائيل، وتعزز قدرتها على مواجهة الضغوط المرتبطة بالسياسات الإسرائيلية تجاهها.
• تكريس مكانة إيران كفاعل إقليمي رئيسي: أفضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، على خلاف أحد أهدافها المعلنة، إلى تعزيز مكانة طهران الإقليمية؛ إذ أصبحت أكثر قدرة على فرض شروطها في صياغة الترتيبات الإقليمية، كما اكتسبت أوراق قوة جديدة، أبرزها تحكمها في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ مما يُمثل تحديًا لتركيا، فرغم حرص أنقرة على بقاء النظام الإيراني الحالي والحفاظ على إيران كدولة متماسكة تؤدي دورًا موازنًا لإسرائيل، ورغم نجاح الطرفين في إدارة تنافسهما الإقليمي على المدى الطويل، فإن استمرار إيران كقوة إقليمية فاعلة يحد من هامش الحركة التركي في عدد من الساحات، ولا سيما العراق وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، التي تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها فيها.
وفي المقابل، ترى تركيا في حلف الناتو إطارًا يدعم حضورها السياسي والأمني في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ويوفر لها هامش حركة أوسع في مواجهة النفوذ الإيراني داخل هاتين الساحتين. وقد أظهرت قائمة الدول المشاركة في القمة اتساع دائرة اهتمام الحلف حتى حدود آسيا الوسطى؛ إذ كان من بين المشاركين من خارج الدول الأعضاء الـ 32 الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف. ويرتبط ذلك بتنامي اهتمام الناتو بمسارات الطاقة والتجارة القادمة من القوقاز وآسيا الوسطى، في إطار جهود تنويع مصادر الطاقة الأوروبية وتقليل الاعتماد على روسيا. كما يتجلى هذا التوجه في المساعي الأمريكية لدعم إنشاء ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين (ممر زانجيزور)، الذي من شأنه ربط تركيا بريًا ببحر قزوين وتعزيز دورها كممر رئيسي لتجارة الطاقة والسلع بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا، بما يرفع من نفوذها في منطقة تُعد إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي بينها وبين إيران.
• تزايد التهديدات العسكرية المحتملة: كشفت الاستهدافات الصاروخية الأربعة التي تعرضت إليها تركيا خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 4 و9 و15 و30 مارس 2026 حجم المخاطر العسكرية المحتملة التي يُمكن التعرض لها حتى مع اتخاذ أنقرة موقفًا محايدًا رافضًا التورط في عمليات عسكرية ضد إيران، وهو أمر سلط الضوء على قصور نظام الدفاع الصاروخي التركي واستمرار حاجتها إلى مظلة الردع والغطاء الأمني الذي يوفره حلف الناتو، حتى مع تطويرها المحلي لبعض منظومات الدفاع الجوي. وتزداد أهمية هذا الغطاء في ظل استمرار اختراقات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وعدم استقرار التهدئة، بما يُبقي احتمالات تجدد المواجهات العسكرية واسعة النطاق قائمة في أي وقت، وما قد يترتب عليها من تعرض الأراضي التركية مجددًا لتهديدات صاروخية.
وكان الناتو قد تولى إسقاط الصواريخ التي أُطلقت باتجاه الأراضي التركية خلال الحرب الأخيرة؛ حيث تمكنت محطة رادار الإنذار المبكر الأمريكية في كورجيك بملاطية من رصد التهديدات وإرسال إحداثيات تتبع لحظية لمركز القيادة والسيطرة التابع لقيادة القوات الجوية المتحالفة التابعة لحلف الناتو (AIRCOM) في رامشتاين بألمانيا، الذي وجه بدوره المدمرات البحرية الأمريكية المتمركزة في شرق المتوسط نحو إطلاق صواريخ اعتراضية من طراز (SM-3) نجحت في إسقاط الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى أهدافها.
مكاسب مستهدفة
تتجاوز أهمية استضافة تركيا لقمة حلف الناتو الطابع التنظيمي المعتاد؛ إذ تسعى أنقرة إلى توظيف القمة لتحقيق عدد من المكاسب السياسية والأمنية والدفاعية، ومنها:
• تعزيز الاندماج التركي في بنية الأمن الأوروبي: لطالما مكّنت عضوية تركيا في حلف الناتو أنقرة من الحصول على مكونات دفاعية متقدمة لم تكن لتحصل عليها خارج الحلف، وهو ما أسهم في تطوير صناعتها الدفاعية المحلية. وتسعى تركيا اليوم إلى تحويل هذا المنجز إلى ميزة تمكنها من الانخراط في منظومة الأمن والدفاع الأوروبية بما في ذلك مبادرة العمل الأمني لأوروبا (SAFE)؛ مما يتيح لها الاندماج في البنية الأمنية الأوروبية رغم تعثر مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، والالتفاف على الصعوبات التي تواجه وصولها إلى السوق الدفاعي الأوروبي؛ إذ أن استفادة الدول غير الأعضاء من آليات المشتريات الدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي تظل خاضعة لتوافقات سياسية بين الدول الأعضاء، وهو ما يمنح اليونان وقبرص فرصة للتأثير في مشاركة تركيا وعرقلتها، وقد اعترضت الدولتان على انضمام أنقرة إلى برنامج SAFE بسبب الخلافات البحرية، ومن ثم، تحاول تركيا توظيف عضويتها في حلف الناتو ودورها في الأمن الأوروبي للضغط من أجل توسيع مشاركتها في المبادرات الدفاعية الأوروبية.
وقد واجهت تركيا بالفعل قيودًا عملية على مشاركتها في بعض المبادرات الدفاعية الأوروبية؛ إذ استُبعدت من مشتريات الاتحاد الأوروبي السابقة للطائرات المسيرة لصالح أوكرانيا، بينما تسهم برامج الدعم الدفاعي المدعومة من حلف الناتو في التغلب على هذه القيود، ويُعدّ إطلاق برنامج دعم دفاعي عالي المخاطر في فبراير 2026 بشأن الدفاع الصاروخي البالستي، بمشاركة بلجيكا والدنمارك وفرنسا وهولندا والنرويج وتركيا والمملكة المتحدة، مثالاً على ذلك؛ حيث يُمكن أعضاء الناتو من خارج الاتحاد الأوروبي من الوصول إلى تمويل الاتحاد الأوروبي لمشاريع الأمن الجماعي.
كما تُمكن القمة تركيا من دعم صناعتها الدفاعية والمساهمة في القدرات الإنتاجية للحلف بفضل نجاح شركاتها مثل بايكار وأسيلسان وروكيتسان وتوساش وغيرها في تحقيق تقدم على صعيد إنتاج الأسلحة والمنظومات التسليحية وبالأخص فيما يتعلق بالطائرات المسيرة والمركبات المدرعة وتقنيات الحرب الإلكترونية والذخائر؛ حيث شهدت القمة انعقاد منتدى صناعات الدفاع التابع للناتو (NSDIF26) على هامشها، والذي عُقد للمرة الأولى بالتزامن مع قمة الناتو، بعدما كان يُنظم كحدث مستقل في لاهاي بالولايات المتحدة، ومثَّل فرصة لشركات الصناعات الدفاعية التركية لتسويق منتجاتها واستقطاب جزء من الانفاق الدفاعي الأوروبي المتزايد لصالحها، بما يدعم استمرار نمو قطاع الصناعات الدفاعية التركي، الذي ارتفعت صادراته بنسبة 48% خلال عام 2025، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
• دعم القدرات الدفاعية التركية: مثلت قمة الناتو فرصة لأنقرة لتحقيق تقدم على مسار رفع العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا (CAATSA)، وقد أظهرت تصريحات ترامب خلال القمة إمكانية حدوث انفراجة قريبة على صعيد رفع العقوبات وتمكين تركيا من شراء المقاتلات الشبحية الأمريكية من الجيل الخامس F-35، إضافة إلى توفير الصيانة وقطع الغيار لمقاتلات F-16 الموردة إلى تركيا، وهي قضية أخرى شهدت تعثرًا خلال الفترة الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات قانونية وبرلمانية، فرغم تحركات إدارة ترامب خلال الأسابيع الأخيرة لرفع العقوبات، وإبداء بعض أعضاء الكونجرس، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، تأييدهم لهذه الخطوة، فإن تأثير جماعات الضغط الإسرائيلية قد يحد من فرص تمريرها، بما يفرض على واشنطن معالجة الاعتراضات والمخاوف الإسرائيلية لتقليص تأثيرها داخل الكونجرس.
وفي حال تحقق انفراجة، فمن المرجح أن تقتصر على السماح بشراء المقاتلات، وليس إعادة تركيا شريكًا في برنامج تصنيعها؛ إذ أن رفع الحظر عن البيع يُعد قرارًا إداريًا أكثر سهولة، بينما تتطلب العودة إلى برنامج الإنتاج ترتيبات قانونية وسياسية أكثر تعقيدًا. كما أن القمة لم تشهد إعلانًا بشأن بيع محركات الطائرات النفاثة من طراز جنرال إلكتريك F110 إلى أنقرة، وهو مكون رئيسي لدخول المقاتلة المحلية التركية قآن (KAAN) مرحلة الإنتاج التسلسلي، غير أن الحصول على هذه المحركات أمر سهل مقارنة برفع عقوبات CAATSA وشراء مقاتلات F-35، خاصة بعد إشعار وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في 24 يونيو 2026 باستعدادها لمنح ترخيص التصدير، وإن كان الإعلان النهائي لا يزال مرهونًا باستكمال إجراءات الإخطار والتصديق داخل الكونجرس.
• العمل كنقطة ارتكاز لتوسع المفهوم الأمني للناتو: لسنوات تمثلت وظيفة تركيا الأساسية بالنسبة للناتو في حماية الجناح الجنوبي الشرقي المحيط بروسيا، غير أن الجناح الجنوبي لم يعد يقتصر على روسيا والإرهاب والهجرة غير النظامية، وإنما اتسع مفهوم الأمن بالنسبة للناتو ليشمل أمن الطاقة والتجارة في البحرين المتوسط والأحمر ومضيق هرمز، والحروب في الشرق الأوسط، وخطوط النقل البحري الممتدة إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ الأمر الذي يجعل تركيا إحدى نقاط الاتصال للناتو في هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة؛ نظرًا لموقعها الجغرافي الواقع عند ملتقى البحر الأسود وشرق المتوسط والبلقان والقوقاز والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وقد انعكست الرؤية الجديدة لدور تركيا السياسي والأمني داخل الناتو في المنشآت الجديدة التي تستضيفها على أراضيها؛ إذ تعمل على إقامة فيلق متعدد الجنسيات في ولاية أضنة (MNC-TÜR)، وقيادة مكون بحري في منطقة أنادولوكافاجي بإسطنبول على مضيق البوسفور. وتغطي منطقة العمليات المحتملة لفيلق أضنة شرق المتوسط والشرق الأوسط والبحر الأسود وجنوب القوقاز وشمال أفريقيا؛ حيث سيعمل كهيكل قيادة وسيطرة قادر على تنسيق القوات المتحالفة في حالات الأزمات أو النزاعات الإقليمية؛ الأمر الذي يجعل تركيا في قلب مسعى الناتو لتوسيع نطاق تأثيره ليشمل الشرق الأوسط وشرق المتوسط وشمال أفريقيا. فمن ناحية، يسهم الفيلق في دعم الجهود الغربية الرامية إلى تأمين موارد الطاقة المكتشفة في شرق المتوسط وتوفير مسارات بديلة لإمدادات الطاقة إلى أوروبا بعيدًا عن الاعتماد المفرط على روسيا، كون تركيا تقع جغرافيًا على أقصر طريق عبور لخطوط أنابيب الطاقة هذه إلى أوروبا.
ومن ناحية ثانية، يمنح موقعها على الحدود الشمالية الغربية للشرق الأوسط أهمية إضافية في إطار المساعي الأمريكية لإحكام دائرة عسكرية حول إيران بدأت بحضور الولايات المتحدة العسكري في الخليج والعراق والحضور العسكري والسياسي الإسرائيلي في سوريا والقوقاز (أذربيجان)، وإمكانية توظيف ممر زانجيزور مستقبلًا كمدخل للوجود العسكرى، وبما يتيح لتركيا استكمال هذه الدائرة على الجانب الشمالي الغربي منها؛ حيث يتيح إنشاء فيلق للناتو في أضنة إدارة الأزمات الإقليمية والتنسيق اللوجستي، حتى وإن لم يكن بهدف شن هجوم مباشر على إيران، على غرار دور قاعدة إنجرليك الجوية التي مثلت مركزًا لوجستيًا مهمًا في حروب العراق والعمليات السورية والعمليات ضد داعش. ومن ناحية ثالثة، تُعد تركيا باستضافتها لهذا الفيلق الذراع الجنوبي لمنظومة الردع والدفاع التي يعمل الناتو على بنائها وتوسيعها منذ 2014، وتشمل شبكة من الفيالق والوحدات متعددة الجنسيات المنتشرة على امتداد الجناحين الشرقي والشمالي للحلف من دول البلطيق وبولندا إلى رومانيا وبلغاريا.
أما قيادة المكون البحري المزمع إقامته في منطقة أنادولوكافاجي بإسطنبول على مضيق البوسفور، ويتبع قيادة الحلفاء البحرية (MARCOM) في المملكة المتحدة، يضع تركيا في قلب الخط الأمني الجديد للناتو الممتد من البحر الأسود إلى شرق المتوسط بعدما كان هيكل الأمن التابع للحلف في أوروبا بعد الحرب الباردة قائمًا على خط بحر البلطيق – البحر الأسود. ويُمكن أن ينضم هذا المكون البحري إلى “القوة متعددة الجنسيات لأوكرانيا MNF-U” (إطار تنسيقي ضمن تحالف الراغبين من أجل أوكرانيا تقوده المملكة المتحدة وفرنسا ومعظم أعضائه من داخل الناتو، ويهدف لدعم أوكرانيا والتخطيط للتدريب أو المساعدات الأمنية بعد الحرب)، كما أنه قد يُكسب بُعدًا مؤسسيًا جديدًا لمبادرة مكافحة الألغام في البحر الأسود بين تركيا وبلغاريا ورومانيا.
كما تعمل تركيا كحلقة وصل سياسية بين حلف الناتو ودول الشرق الأوسط من خلال مبادرة إسطنبول للتعاون التي أُطلقت خلال قمة الناتو في إسطنبول عام 2004، وقد قادت مشاورات مع دول الحلف أسفرت عن عقد الاجتماع الوزاري للمبادرة يوم 7 يوليو على هامش القمة. ورغم انخفاض مستوى التمثيل الخليجي، باستثناء الكويت التي مثلها وزير الخارجية، بينما اكتفت قطر بوزير دولة بوزارة الخارجية، والبحرين بمدير عام العلاقات الثنائية بوزارة الخارجية –وهو أمر يتصل غالبًا بقناعة هذه الدول بأن القمة لن تسفر عن أي مبادرات ملموسة جديدة فيما يتعلق بأمن الخليج– فإن استضافة تركيا لهذا الاجتماع تعكس سعيها إلى تأكيد دورها كقناة تواصل بين الناتو ودول الشرق الأوسط، في ظل تزايد الأهمية الأمنية والاقتصادية للمنطقة بالنسبة للحلف عمومًا وأوروبا خصوصًا، لا سيَّما فيما يتعلق بإمدادات الطاقة واستقرار حركة النقل والتجارة وضمان حرية الملاحة البحرية في المضائق الحيوية؛ الأمر الذي يفتح المجال لمناقشة قضايا مثل الأمن البحري، ومكافحة الطائرات المسيّرة، وحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة.
وتسعى أنقرة لتقديم نفسها باعتبارها شريكًا أمنيًا مفيدًا من خلال التأكيد على إمكانية مشاركتها لاحقًا في ترتيبات بحرية لتطهير مضيق هرمز من الألغام، غير أن انخراط أنقرة في هكذا ترتيبات لن تكون قبل التوصل إلى تسوية نهائية للحرب وبالتنسيق مع الجانب الإيراني، في إطار حرصها على موقف محايد وعدم رغبتها في أن يُفهم دورها باعتباره اصطفافًا مع الولايات المتحدة ضد إيران نظرًا لحسابات العلاقات بين البلدين.
• إضفاء الشرعية الخارجية على طموحات أردوغان السياسية: لا تنفصل تحركات السياسة الخارجية لأنقرة خلال المرحلة الحالية عن مساعي أردوغان وحزب العدالة والتنمية إعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي بما يضمن بقاءهما في الحكم ومنح الرئيس التركي ولاية رئاسية رابعة، وإزاحة المنافسين الذين يمثلون تهديدًا له، ويخدم مشهد استضافة قمة الناتو هذا الهدف، فباستثناء انتقادات محدودة ومقتصرة على مستويات سياسية أوروبية أدنى، امتنع الحلفاء الأوروبيون والأمريكيون عن توجيه انتقادات لأنقرة بشأن مظاهر تراجع الوضع الديمقراطي التي تنوعت بين تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الإفراج عن السجناء الأكراد السياسيين مثل عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاش ومنح حق الأمل لرئيس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وإقالة رؤساء البلديات المنتخبين والمسئولين المحليين التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض وملاحقتهم قضائيًا بتهم الإرهاب والفساد.
علاوة على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول ومرشح حزب الشعب للرئاسة أكرم إمام أوغلو ومحاكمته بتهم واسعة تقتضي آلاف السنوات من السجن، والتي بلغت ذروتها في 21 مايو 2026 عندما أصدرت الدائرة المدنية السادسة والثلاثون لمحكمة استئناف أنقرة الإقليمية حكمًا بالبطلان المطلق للمؤتمر الثامن والثلاثين لحزب الشعب المنعقد في 4-5 نوفمبر 2023، وإزاحة رئيس الحزب المنتخب أوزغور أوزيل، وإعادة رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو الذي يُقيم تفاهمات غير معلنة مع أردوغان وحزب العدالة والتنمية ولا يُشكل تهديدًا انتخابيًا فعليًا لهما؛ مما أحدث اضطرابًا شديدًا وانقسامًا داخل الحزب سيسهم في إضعافه وانكفائه على ذاته وتشتيت مساعيه للاستعداد للانتخابات المقبلة.
ولا يقتصر الأمر على تجاهل التراجع الديمقراطي فحسب، بل ينصرف إلى اتخاذ مكتب الاتصالات الاستراتيجية التابع للناتو موقفًا يتماهى مع التضييق التركي على المعارضة ووسائل الإعلام التابعة لها؛ حيث رفض المكتب منح الاعتماد لعدد من المؤسسات الإعلامية التابعة بشكل مباشر لأحزاب المعارضة أو المعروفة بتغطيتها النقدية للحكومة، لتغطية قمة الناتو، بما في ذلك صحيفة جمهوريت وقنوات ميديا سكوب (Medyascope) وNOW TV و İlke TV، ورفض المكتب مناقشة الأسباب الكامنة وراء هذا القرار معتبرًا أنه نهائي، وأقر بأن قرارات منح الاعتمادات للصحفيين المحليين تستند إلى تقييمات من الحكومة المضيفة، أي أنه صدق على الصحفيين الذين وافقت عليهم الحكومة التركية.
ويمنح التجاهل الأمريكي الأوروبي لتراجع الديمقراطية في تركيا والزخم المتحقق خلال قمة الناتو، مساحة لأردوغان لتوظيف نجاحات السياسة الخارجية في تعزيز صورته أمام الرأي العام وحشد قاعدته الشعبية، إضافة إلى المضي قدمًا في الإجراءات الهادفة لتكريس سلطته، بما في ذلك مواصلة ملاحقة المعارضة وإضعافها وإمكانية إجراء تعديل دستوري أو انتخابات مبكرة للحصول على ولاية رئاسية رابعة غير دستورية بموجب الوضع الراهن.
• تسليط الضوء على الطابع الإيجابي العلاقات التركية-الأمريكية: تحرص أنقرة على إبراز التقدم الحادث على صعيد العلاقات التركية الأمريكية، وإسناده إلى الصداقة الشخصية بين أردوغان وترامب، باعتبارها أحد عناصر القوة التي تمنحها ورقة يمكن توظيفها لتمرير المصالح التركية. وقد أعادت قمة الناتو تأكيد هذا المعنى؛ حيث أكد ترامب أنه ربما لم يكن ليحضر القمة لو لم تُعقد في أنقرة، مانحًا بذلك تركيا فرصة لإظهار قدرتها على ترميم الانقسامات بين الحلفاء. كما أن مشاركة الرئيس الأمريكي في قمة تناقش ملفات شديدة الحساسية، مثل زيادة الإنفاق الدفاعي ومستقبل الدور الأمريكي داخل الحلف في إطار رؤية “الناتو 3.0″، تمنحها زخمًا إضافيًا يمكن لأنقرة توظيفه سياسيًا على المستويين الداخلي والخارجي، في حين كان غيابه سيحد من فاعلية القمة ويقلل من زخمها.
ختامًا، رغم أن القمة لم تُسفر عن إعلانات عملية مباشرة لصالح تركيا، سواء فيما يتعلق بإبرام صفقات دفاعية جديدة مع الشركات التركية، أو الإعلان النهائي عن رفع العقوبات المفروضة عليها بموجب قانون CAATSA، أو إعادتها إلى برنامج المقاتلات الشبحية F-35، أو الموافقة النهائية على تصدير المحركات الأمريكية، فإنها منحت أنقرة زخمًا سياسيًا وفرصة لتسويق نفسها باعتبارها دولة محورية في الناتو، وشريكًا لا غنى عنه في ترتيبات الأمن الأوروبي والإقليمي.

